أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - ديكتاتورية الأنا☝…حين يصبح الملحد أكثر أخلاقاً من المؤمن …














المزيد.....

ديكتاتورية الأنا☝…حين يصبح الملحد أكثر أخلاقاً من المؤمن …


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8876 - 2026 / 11 / 1 - 08:31
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مروان صباح / " تنويه : أبدأ بنَكْشَة تذكيرية قبل مقال اليوم " ، أحيانًا أعود إلى ذاكرتي لأحتفي بالوفاء ، فأجدني أقيم الحفل وحدي ؛ فكل الذين كنتُ وفيًّا لهم غادروا ، وكأن الوفاء كان تذكرة ذهاب فقط ، لا عودة فيها ، لا بأس ، على الأقل خرجتُ من كل تجربة بدرس ثمين : هو أن لا تُبالغ في الوفاء ، فقد ينتهي بك الأمر وفيًّا لذكريات أشخاص لا يتذكرون حتى أنك كنت موجودًا ، والمفارقة الأكثر سخرية أن أولئك الذين كانوا يتفرجون اثناء طريق درب الوفاء ، في غاية النذالة والخيانة ؛ وكأن الوفاء عندهم لم يكن إلا حماقةً ، بينما أتقنوا الغدر ، تماماً كما أتقنوا كسب المكاسب .

يبدو أن بعض المؤمنين لا يكتفون بالإيمان بالله ، بل يصرّون أيضاً على أن يكونوا الناطقين الرسميين باسمه على الأرض ! يوزّعون صكوك الفضيلة ، ويصنّفون البشر ، ويحاكمون النوايا ، وكأن الخالق فوّضهم بإدارة ضمائر عباده ، والمفارقة أن بعضهم يتحدث عن التواضع من موقع الاستعلاء ، ويدعو إلى الرحمة بلغة الإقصاء ، ويطالب الآخرين بمراجعة أنفسهم ، بينما لا يخطر بباله أن يبدأ بهذه المهمة مع ذاته ، وهنا تبرز مفارقة تستحق التأمل : ماذا لو كان الإنسان الذي لا يؤمن بالله أكثر التزاماً بالقيم الإنسانية من آخر يعلن إيمانه صباحاً ، ثم يمارس الاستبداد مساءً؟ ، وليس الملحدون كتلة فكرية أو أخلاقية متجانسة ، مثلما لا يشكّل الإيمان ، في حد ذاته ، شهادة حسن سلوك ، ولكل موقف اعتقادي خصوصيته ، لذلك لا يصح الخلط بين إنكار وجود الخالق وبين موقف إبليس في التصور الديني ؛ فالأخير لم تكن أزمته إنكاراً للخالق ، بل رفضاً للامتثال ، تغذّيه مشاعر الكبر والحسد واعتقاد الأفضلية ، ولقد استند إبليس إلى اختلاف مادة خلقه وأسبقيته ، متوهماً أن النار تمنحه منزلة أعلى من الطين ، وهنا تتجاوز الحكاية دلالتها الدينية لتكشف عن بنية نفسية واجتماعية لا تزال حاضرة في الإنسان : فالاعتقاد بأن الأقدمية تمنح الاستحقاق ، وأن امتلاك موقع أو خبرة أو تاريخ أطول يبرر التفوق على الآخرين ، وهي ذهنية تتكرر في المؤسسات والمجتمعات ، حين تتحول سنوات الخدمة إلى امتياز ، والتجربة إلى سلطة ، والمعرفة إلى ادعاء باحتكار الحقيقة .

لم تكن مشكلة إبليس في اختلاف المادة التىّ خُلق منها ، بل في تحويل هذا الاختلاف إلى معيار للتفاضل ، وتلك هي اللحظة التىّ تتحول فيها الأنا من شعور بالذات إلى سلطة عليها وعلى الآخرين ؛ إذ لا يعود الإنسان معنياً بفهم الحقيقة ، بقدر ما يصبح مشغولاً بإثبات أنه يمتلكها ، لذلك ليس كل تمرد تعبيراً عن الحرية ؛ فقد يرفض المرء الخضوع للآخرين ، لكنه يظل عبداً لكبريائه ، كما أن التحرر من سلطة خارجية لا يعني بالضرورة التحرر من الديكتاتور القابع في الداخل ، ومن هذه الزاوية ، قد يكون الملحد الذي لا يزال يسائل قناعاته ويفتحها على احتمالات جديدة أقرب إلى مراجعة موقفه من مؤمن ورث اعتقاده وحوّله إلى عادة اجتماعية لا تستدعي التفكير ، وليس المقصود أن الإلحاد طريق إلى الإيمان ، أو أن المؤمن محكوم بالجمود ، بل إن البحث يظل ممكناً ما دامت الذات مستعدة للاعتراف باحتمال الخطأ ، فالإيمان الذي ينفصل عن الوعي والممارسة الأخلاقية حتما سيفقد معناه العملي ، ويتحول إلى هوية يتباهى بها صاحبها بدلاً من أن تكون مسؤولية تحكم سلوكه .

وتصبح المفارقة أكثر خطورة حين تقترن هذه الأنا بالسلطة ؛ فالمنصب لا يخلق الغرور بالضرورة ، لكنه يمنحه مجالاً أوسع للظهور والتأثير ، وعندما يعتقد صاحبه أن موقعه دليل على صواب رؤيته ، يتحول الاختلاف إلى تهديد ، والنقد إلى إساءة ، والآخر إلى تابع مطلوب منه التصفيق لا المشاركة ، عندئذ لا يعود المقدّس باعثاً على محاسبة الذات ، بل يتحول إلى غطاء يمنح الاستعلاء شرعية زائفة ، ولعل رواية «خريف البطريرك» لغابرييل غارسيا ماركيز تقدم صورة أدبية بالغة الدلالة لهذه الحالة ؛ فالبطريرك لا يكتفي بالاستحواذ على السلطة ، بل تتضخم ذاته حتى تتماهى مع الدولة ، ويغدو العالم في وعيه امتداداً لإرادته ، إنه نموذج الحاكم الذي لم يعد يرى في الآخرين ذواتاً مستقلة ، بل ظلالاً تدور في فلكه ، وهكذا تبلغ الأنا ذروة ديكتاتوريتها عندما تتوهم أن إرادتها هي الحقيقة ، وأن الاعتراض عليها خروج على النظام نفسه .

في المحصلة ، قد يكون الملحد أكثر عدلاً وتواضعاً واحتراماً للإنسان من مؤمن جعل من اعتقاده وسيلة للهيمنة ، لا دافعاً للمسؤولية ، وهذه ليست مفاضلة مطلقة بين الإيمان والإلحاد ، بل مساءلة لمعيار الأخلاق حين يُستبدل بالسجل الاعتقادي ، فالقيمة لا يصنعها ما يعلنه الإنسان عن نفسه ، وإنما ما يتركه سلوكه في حياة الآخرين .

وربما تكمن المأساة الكبرى في أن يظل الإنسان ساجداً أمام الله ، فيما تنحني حياته كلها أمام صنم الأنا ، عندها لا يعود الإيمان حاجزاً أمام الاستبداد ، بل قد يصبح أحد أقنعته ؛ ويغدو الديكتاتور ، مثل بطريرك ماركيز ، سجيناً لذاته ، حتى وهو يتوهم أنه سيّد العالم … والسلام 🙋‍♂ ✍



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل الحرب استقالةً مؤجلة : نتنياهو وترمب وإيران في مواجهة صنا ...
- من شجرة الزيتون🫒إلى صندوق الاقتراع:كيف ننتقل من الته ...
- من ارتباك نتنياهو إلى حرية🗽المتنبي:حين تخاف السياسةُ ...
- مؤخرة نيكي وعلم فلسطين🇵🇸:حين يصبح الجسد جواز ...
- القاتل الذي لا يحمل سكينًا🔪:حين تُسرق لقمة الفقراء&# ...
- مصر التي تغيّرت: من «تحت الإنشاء» إلى «مطار الجورة» ✈ ...
- من عنترة بن شداد🐎إلى «الماستر كي»: كيف تحوّل الحبّ&# ...
- الإنسان حين يصبح جلّادًا:من غريزة الافتراس👹إلى هندسة ...
- إسرائيل بين وهم التحالف ورهان الجغرافيا : من وعد بلفورԂ ...
- مسرح 🎭 التفاهة : حين يصفّق الجمهور لانتصاره المزيّف ...
- حين يصبح المنشار🪚برنامجاً : الغرب بين أزمة الاقتصاد ...
- راشيل كوري🌹ووجوه العالم البيضاء:حين فضحت فتاةٌ بجسده ...
- درع السماء...وثقب في السقف:لماذا تنجح الصواريخ🚀الرخي ...
- نوبل🥇بين سلطة الجائزة وخلود الفكرة: من أدونيس ومحمود ...
- إعادة هندسة الشرق الأوسط بعد حرب اليمن: قراءة تحليلية في است ...
- العمى الذي يرى😎، والبصر الذي لا يرى - من طباخ الرئيس ...
- من زيت الزيتون🫒إلى فول الصويا 🫘: الغذاء كان ...
- مقصّ✂الفضيلة: لماذا يُمنع الجنس في الرواية ويُباح في ا ...
- من فنجان القهوة☕إلى صندوق الاقتراع:العرب وصناعة المعاد ...
- حين تعجز السياسة عن الكلام…تغني الشعوب - الموسيقى🎵بو ...


المزيد.....




- كلاب الشيواوا في المكسيك تحتفل بالهالوين بأزياء تنكرية
- روبيو يرد على سؤالين عن الحوثي وحماية دول الخليج من رد انتقا ...
- إسقاط 100 مسيرة وتضرر منشأة صناعية جراء هجوم أوكراني على نيج ...
- إيران تصنف MI6 كيانا معاديا وتدرج البحرية والجوية الملكيتين ...
- تشديدات أمنية في دلهي قبيل احتجاجات للمعارضة الهندية
- السودان: دول أوروبية توظف الأزمات الإنسانية في دول أخرى لتحق ...
- الشرطة البرتغالية تفرق محتجين على أزمة الإسكان وتفكك مخيما ف ...
- إسلام آباد تحذر كابل: ملاذات المسلحين تعرقل تحسن العلاقات ال ...
- -هدف أو هدفان- لم يُحسما بعد: ترامب يلوّح بمواصلة المواجهة.. ...
- -أكاذيب وسرديات زائفة-.. كايا كالاس تواجه لافروف خلال اجتماع ...


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - ديكتاتورية الأنا☝…حين يصبح الملحد أكثر أخلاقاً من المؤمن …