أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - القاتل الذي لا يحمل سكينًا🔪:حين تُسرق لقمة الفقراء🥖…















المزيد.....

القاتل الذي لا يحمل سكينًا🔪:حين تُسرق لقمة الفقراء🥖…


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8870 - 2026 / 10 / 26 - 15:26
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مروان صباح / يا لها من عدالةٍ عجيبة ! تستنفر قواها حين تسقط جثة ، وتستيقظ الضمائر حين تُزهق روح ، لكنها قد تحتاج إلى آلاف من الألف الجائعين كي تفتح عينًا واحدة ، فالدم المسفوك جريمةٌ تستدعي العقاب ، أمّا لقمة الفقير ، حين تُنتزع من فمه بقرار أو احتيال أو فساد ، فقد تتحوّل إلى مجرّد خللٍ إداري ، أو خطأٍ في الحسابات ، أو ملفٍّ ينتظر أن يُنسى ، ويبدو أنّ الجريمة ، في بعض الأحيان ، لا تُقاس بما تخلّفه من ألم ، بل بمكانة مرتكبها وقدرته على ارتداء ثياب الوقار وإخفاء أصابعه في قفازات القانون ، كأنّ العدالة تحتاج إلى جثةٍ كي ترى الجريمة ، فيما يكفي الجاني أن يرتدي ربطة عنق حتى تبدو يداه نظيفتين !

لا يكاد أحد يختلف على أنّ قتل إنسان بريء جريمة تستوجب أشدّ العقاب ، لكنّ هذا الإجماع الأخلاقي يتصدّع حين ننتقل من انتزاع الروح إلى انتزاع أسباب الحياة ، فالجميع يدين القاتل الذي يواجه ضحيته ، لكنّ المواقف تضطرب حين يكون المعتدي مسؤولًا يعبث بالمال العام ، أو متنفّذًا يستغلّ حاجة الناس ، أو محتالًا يجعل من عوز الآخرين فرصةً للثراء ، هنا يبدو الضمير انتقائيًا ؛ يستيقظ حين لا تمسّ الجريمة مصالحه ، ويغفو حين يصبح الظلم مربحًا ، كأنّ من خصائصه أن يتكيّف مع ما يوافق الأهواء ، لا مع ما يمليه الحق ، والفارق أنّ القتل المباشر يترك جثةً تشير إلى الجريمة ، بينما قد تخلّف سرقة حقوق الناس آلاف الضحايا من دون أن تترك جثةً واحدة ، تتوزّع الخسائر على البيوت ، وتتوارى المسؤولية خلف الأرقام والتقارير والإجراءات ، ويغدو الفقر ، في نظر المتفرّجين ، قدرًا لا نتيجةً لظلمٍ يمكن مساءلة مرتكبيه ، وهكذا ، قد تتحوّل كثرة الضحايا من سببٍ لتضاعف الإدانة إلى وسيلةٍ لطمس معالم الجريمة ؛ فما لا نراه مجتمعين ، يسهل علينا أن نتجاهله مجتمعين .

لكنّ المال العام ليس أرقامًا صمّاء في دفاتر الدولة ، ولا لقمة الفقير تفصيلًا صغيرًا في حسابات الاقتصاد ، فالمبلغ الذي يُختلس قد يكون علاجًا لمريض ، أو مقعدًا دراسيًا لطفل ، أو فرصة عملٍ لشاب ، أو قوتًا تنتظره عائلة في نهاية يومٍ أنهكها العوز ، وحين تضيع هذه الحقوق ، لا تُسرق الأموال وحدها ، بل تُسرق معها فرص الحياة ، ويتحوّل الفساد من اعتداءٍ على الممتلكات إلى اعتداءٍ على الكرامة والاستقرار والمستقبل ، وقد لا يكون ذلك قتلًا بالمعنى القانوني ، لكنّ آثاره قد تبلغ من القسوة ما يجعل الحياة نفسها معركةً يوميةً ضد الحرمان ، وهنا تتكشّف المفارقة الأكثر إيلامًا : قد يُلاحَق من يرتكب جريمةً واضحة ، بينما تتعقّد مساءلة من تتوزّع أفعالهم بين مؤسسات ومصالح وأصحاب نفوذ ، وقد يجد الضعيف نفسه أمام القانون سريعًا ، فيما تحتاج محاسبة المسؤول إلى إرادةٍ مستقلة ، ورقابةٍ فاعلة ، وقضاءٍ لا ترهبه المناصب ولا تستميله الامتيازات ، ليست المشكلة أنّ العدالة عاجزة بطبيعتها ، بل أنّها تفقد معناها حين تختلف قدرتها على الوصول إلى الجاني باختلاف موقعه ؛ وحين يصبح القانون صارمًا أمام من لا يملكون وسيلةً للدفاع عن أنفسهم ، ومتردّدًا أمام من يستطيعون تطويق الحقيقة بالمصالح .

وفي هذا السياق ، تستحضر مجموعة غي دو موباسان «اعتراف القاتل وقصص أخرى» ذلك الجانب المعتم من النفس البشرية ، حيث تتشابك الدوافع الخفية مع المظاهر الاجتماعية ، وتتكشّف التناقضات الكامنة خلف الصورة التىّ يقدّمها الإنسان عن نفسه ، ومن هذا المنظور ، لا تكمن المفارقة في وجود الجريمة وحدها ، بل في قدرة مرتكبها على التعايش معها ، وفي قدرة المجتمع على التغاضي عنها حين تتخفّى وراء المكانة والنفوذ والمصالح ، ولعلّ السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس فقط : كيف يرتكب الإنسان جريمته ؟ بل أيضًا : كيف يستطيع أن يواصل حياته مطمئنًا ، فيما يدفع الآخرون ثمنها ؟، فالقاتل الذي يواجه ضحيته قد يرى أثر فعلته في عينيها قبل أن يسلبها الحياة ، أمّا من يسرق حقوق الناس فقد لا يرى سوى توقيعٍ على ورقة أو رقمٍ في حساب ، وبين الفعل ونتيجته تتّسع المسافة التىّ يتوارى فيها الضمير ؛ فلا يسمع الجاني أنين المريض الذي حُرم العلاج ، ولا يرى الطفل الذي أُغلق باب المستقبل في وجهه ، ولا يلتقي العائلة التىّ اقتُطع قوتها من دون أن تعرف أين اختفى ، وقد يواصل حياته مطمئنًا ، لا لأنّ جريمته أقلّ ضررًا بالضرورة ، بل لأنّ ضحاياه بعيدون عن عينيه ، ولأنّ المجتمع لم ينجح في جعله يرى الصلة بين ما فعله وما حلّ بهم .

غير أنّ الرهان على تأنيب الضمير وحده لا يكفي ؛ فليس كلّ مجرم يندم ، ولا كلّ من يتسبّب في معاناة الآخرين يشعر بآلامهم ، فالضمير قد لا يموت دفعةً واحدة ، بل يتآكل بالتبرير ، ويبرد بالتعوّد ، حتى يصبح الظلم في نظر صاحبه إجراءً عاديًا ، ويغدو حرمان الفقراء شأنًا لا يستحقّ الالتفات ، وعندئذٍ لا تكون المأساة في ارتكاب الجريمة فحسب ، بل في القدرة على التعايش معها ، ثم النوم مطمئنًا كأنّ شيئًا لم يحدث ، لهذا ، لا تُبنى العدالة على انتظار صحوةٍ أخلاقية قد لا تأتي ، بل على قضاءٍ مستقل ، ومؤسسات رقابية فاعلة ، وشفافيةٍ في إدارة المال العام ، ومحاسبةٍ لا تستثني صاحب نفوذ ، ومجتمعٍ يرفض أن تتحوّل معاناة الفقراء إلى مشهدٍ مألوف ، فحرمة الحياة لا تكتمل بحماية الجسد وحده ، كما أنّ صون الحقوق لا ينتقص من خطورة القتل ؛ إنّما تقتضي العدالة أن نميّز بين الجرائم من دون أن نتسامح مع الظلم لمجرّد أنّه لا يترك وراءه جثة .

في النهاية ، ليس أخطر القتلة دائمًا من يتركون خلفهم جثةً ، بل أولئك الذين يتركون خلفهم حياةً تُستنزف ببطء ، ثم يمضون من دون أن يلتفتوا إلى ضحاياهم ، فالجثة تكشف جريمةً يصعب إنكارها ، أمّا لقمة الفقير المسروقة فقد تظلّ دليلًا صامتًا على جريمةٍ يتواطأ الجميع على عدم رؤيتها ، وهنا تبلغ السخرية مداها : قد يحتاج الفقير إلى إثباتٍ طويل كي يقنع العالم بأنّ حقّه قد سُلب ، بينما يكفي صاحب النفوذ أن يُحسن صياغة التبرير حتى يبدو كأنّه لم يرتكب شيئًا .

وحين يصبح الجوع مألوفًا ، والحرمان أمرًا عاديًا ، والمساءلة استثناءً ، لا يكون الضمير قد فقد حساسيته فحسب ، بل تكون العدالة نفسها قد بدأت تأكل من معناها ، فيما يتعلّم المجتمع كيف يتعايش مع الجريمة بدلًا من مواجهتها .

فليس كلّ قاتل يحمل سكينًا ، وليس كلّ ضحيّة تُدفن ؛ بعض الضحايا يواصلون الحياة ، لكنّ أحدًا لا يسمع صراخهم ، ولا يرى ندوبهم ، ولا يدرك كم مرّة ماتوا وهم يحاولون النجاة ، والسلام على من قُتلوا ألف مرّة ، ولم يجرؤوا يومًا على إعلان موتهم ، والسلام على قلوبٍ نجت من الموت ، ولم تنجُ من الحياة... 🙋‍♂ ✍



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مصر التي تغيّرت: من «تحت الإنشاء» إلى «مطار الجورة» ✈ ...
- من عنترة بن شداد🐎إلى «الماستر كي»: كيف تحوّل الحبّ&# ...
- الإنسان حين يصبح جلّادًا:من غريزة الافتراس👹إلى هندسة ...
- إسرائيل بين وهم التحالف ورهان الجغرافيا : من وعد بلفورԂ ...
- مسرح 🎭 التفاهة : حين يصفّق الجمهور لانتصاره المزيّف ...
- حين يصبح المنشار🪚برنامجاً : الغرب بين أزمة الاقتصاد ...
- راشيل كوري🌹ووجوه العالم البيضاء:حين فضحت فتاةٌ بجسده ...
- درع السماء...وثقب في السقف:لماذا تنجح الصواريخ🚀الرخي ...
- نوبل🥇بين سلطة الجائزة وخلود الفكرة: من أدونيس ومحمود ...
- إعادة هندسة الشرق الأوسط بعد حرب اليمن: قراءة تحليلية في است ...
- العمى الذي يرى😎، والبصر الذي لا يرى - من طباخ الرئيس ...
- من زيت الزيتون🫒إلى فول الصويا 🫘: الغذاء كان ...
- مقصّ✂الفضيلة: لماذا يُمنع الجنس في الرواية ويُباح في ا ...
- من فنجان القهوة☕إلى صندوق الاقتراع:العرب وصناعة المعاد ...
- حين تعجز السياسة عن الكلام…تغني الشعوب - الموسيقى🎵بو ...
- الشارع والصناديق : الإسلام السياسي كذريعة والانقسام الثقافي ...
- حين يصبح الخوف مرآة🪞من قابيل إلى بيسوا: الخوف㈷ ...
- العاصفة 🌪القادمة:سوريا بين «سوفا 53» وتسامح ما بعد ا ...
- حين تستوطن اللغة قبل الأرض🌲🫒 …
- من هرمز إلى باب المندب: فوضى الحقيقة وأزمة الطاقة العالمية & ...


المزيد.....




- مسؤول بإدارة ترامب يلمح مازحًا إلى تعيين نيكي ميناج متحدثة ب ...
- -لن يفلت أي متورط-.. الأردن يكشف تفاصيل القبض على منفذي -هجو ...
- موسكو.. انطلاق منتدى -روسيا - إفريقيا- الإعلامي برعاية RT
- -يسرائيل هايوم- تكشف عن مسار تهريب مزعوم للأسلحة من مصر إلى ...
- إسرائيل تترقب تحركات الجيش المصري الشمالي
- اجتماع غير عادي في طهران يجمع إيران بدول -اتفاق مكة-.. ماذا ...
- إعلام إسرائيلي يتحدث عن خلاف حاد بين نتنياهو وزامير بشأن توج ...
- المكسيك: موكب كاترينا مبهر بألوانه يعيد الموتى إلى الحياة
- من -دولة قذرة- إلى -شعب صامد-.. ترامب يتراجع عن تصريحاته بشأ ...
- مستشار رئيس الوزراء الإسرائيلي: ترامب ونتنياهو قادران على إس ...


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - القاتل الذي لا يحمل سكينًا🔪:حين تُسرق لقمة الفقراء🥖…