أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - مسرح 🎭 التفاهة : حين يصفّق الجمهور لانتصاره المزيّف …














المزيد.....

مسرح 🎭 التفاهة : حين يصفّق الجمهور لانتصاره المزيّف …


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8864 - 2026 / 10 / 20 - 09:56
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ لو أُقيمت مسابقة عالمية في التناقض ، لربما فاز بها الإنسان المعاصر من دون منافسة ؛ فهو يشيّع موتاه بعبارات تمجّد النزاهة والفضيلة وخدمة الناس والوطن ، ثم يعود إلى حياته اليومية ليخوض معهم معارك أمام المحاكم ومخافر الشرطة ، الجميع ، في المراثي ، أصحاب سيرة عطرة ، لكن الشكاوى والخصومات تتكفّل ، بعد انفضاض مراسم العزاء ، بالكشف عن سيرة أخرى ، فهل أصبحت الفضيلة صفةً لا تُكتشف إلا بعد الموت ، أم أننا أتقنّا تجميل الصور إلى الحد الذي باتت فيه الحقيقة آخر ما نكترث به؟ ، ليست هذه المفارقة سوى مدخل إلى تناقض أكبر : مجتمع يشكو تراجع القيم ، ثم يمنح الشهرة لمن يتقن استعراضها ؛ يشتكي ضحالة الثقافة ، ثم يخصّص ساعات لمتابعة محتوى لا يترك في الذاكرة سوى أثر عابر ، وهنا لا تعود المسألة مرتبطة بأفراد يفتقرون إلى العمق ، بل بمنظومة أعادت تعريف النجاح ، حتى غدا الظهور إنجازاً ، والانتشار استحقاقاً ، والتصفيق حكماً على القيمة ، في السابق ، كانت التفاهة سلوكاً فردياً محدود الأثر ؛ أما اليوم ، فقد تحوّلت ، بفضل المنصات الرقمية ، إلى صناعة اقتصادية وثقافية قادرة على إنتاج الشهرة والثروة وتوجيه الأذواق ، لم يعد امتلاك المعرفة شرطاً للظهور ، ولا الإبداع ضمانة للوصول إلى الجمهور ؛ إذ قد يقضي كاتب سنوات في إنجاز عمل جاد ، بينما يحصد مقطع عابر ملايين المشاهدات خلال ساعات ، وكأن العصر قرر أن يمنح الضجيج حق تمثيل العقل ، وأن يختصر القيمة في عدد النقرات .

غير أن تفسير هذه الظاهرة بسطحية الجمهور وحدها لا يكفي ؛ فالمشكلة تكمن أيضاً في اقتصاد الانتباه ، حيث تتنافس المنصات على إبقاء المستخدم متصلاً ، وتُكافأ المضامين القادرة على استثارة الانفعال السريع ، وهكذا ، يجد الفكر نفسه في مواجهة سوق لا تسأل بالضرورة عن عمق الفكرة ، بل عن قدرتها على جذب الأنظار ، وقد أشار الفيلسوف الكندي آلان دونو، في كتابه «نظام التفاهة»، إلى تحوّل الرداءة من مجرد ظاهرة هامشية إلى نمط يجد لنفسه مكاناً داخل المؤسسات وآليات التقييم الاجتماعي ، وتكمن خطورة هذا التحول في أن التفاهة لا تكتفي بالانتشار ، بل تسعى إلى فرض معاييرها على ما يستحق الاعتراف والنجاح ، وعندما تصبح الشهرة صناعة ، يتحول الإنسان إلى سلعة وصورته إلى رأس مال ، تُعرض تفاصيل الحياة اليومية بوصفها نموذجاً للنجاح والرفاهية ، ويُدفع المتابع إلى مقارنة واقعه بصورة منتقاة بعناية ، أما صانع المحتوى ، فقد يصبح أسيراً للشخصية التىّ صنعها لنفسه ؛ مطالباً بتجديد العرض باستمرار كي لا يخسر جمهوره ، وهنا تبرز صورة المهرّج بوصفها استعارة لعصرٍ تعمقت فيه الحياة نفسها كخشبة مسرح ، والإنسان مؤدياً لدور قد ينسى ، مع مرور الوقت ، أنه ليس حقيقته كاملة .

ومن هذا المنظور ، يمكن استحضار رواية «المهرّجون» لهنري دي مونترلان (Henry de Montherlant) في سياق التأمل الأدبي في الأقنعة الاجتماعية والتناقض بين الصورة والحقيقة ، فالمفارقة ليست في وجود المهرّج ، بل في تحوّل الفرجة إلى معيار ، وفي استعداد الجمهور لمنح التصفيق لمن ينجح في إضحاكه أو استثارة فضوله ، بصرف النظر عن القيمة التىّ يتركها العرض وراءه ، لكن المسرح لا يكتمل من دون مثقفين يقبلون أداء أدوار ثانوية فيه ، فعندما تصبح الشهرة معياراً للتقدير ، قد يجد المثقف نفسه مضطراً إلى مجاملة أصحاب النفوذ الرقمي ، أو تبسيط أفكاره حتى تفقد عمقها ، أو استبدال النقد بعلاقات متبادلة تمنح الشهرة شرعية ثقافية ، عندها لا تكون الهزيمة في قلة القراء ، بل في أن يتخلى الفكر عن استقلاله كي يضمن التصفيق ، ومع ذلك ، لا يكمن الحل في الانسحاب من المنصات ، بل في استخدامها لنشر المعرفة دون إخضاعها لمقاييس السوق وحدها.

إن أخطر ما في نظام التفاهة ليس وجود التافهين ، فذلك أمر لم يخلُ منه مجتمع ، بل أن تتحول التفاهة إلى نموذج للنجاح ، وأن يصبح الانتشار بديلاً عن الإنجاز ، والربح دليلاً على الاستحقاق ، فالأرقام تقيس حجم الجمهور ، لكنها لا تمنح المحتوى قيمة أخلاقية أو فكرية ؛ والكثرة قادرة على فرض موضوعات النقاش ، لكنها لا تستطيع ، بمجرد كثرتها ، أن تجعل الرديء جيداً أو الوهم حقيقة ، ولعل المفارقة الأخيرة أن الإنسان الذي يحرص على تخليد اسمه في نعي جميل بعد موته ، قد يقضي حياته في مطاردة شهرة عابرة لا تترك وراءها ما يستحق التذكر ، وبين المراثي التىّ تجمّل السيرة ، والمنصات التىّ تلمّع الصورة ، يستمر العرض ، ويزداد التصفيق ، فيما يتراجع السؤال عن حقيقة ما نحتفي به .

فهل المشكلة أن المهرّجين استولوا على المسرح ، أم أننا ، نحن الجمهور ، منحناهم حق تحديد ما يستحق التصفيق؟ ربما لا يكون الانتصار الحقيقي للتفاهة في قدرتها على إضحاكنا ، بل في نجاحها في إقناعنا بأن ما يثير انتباهنا يستحق احترامنا ، وأن ما يشاهده الملايين لا بد أن يكون عظيماً ، وعندما يحدث ذلك ، لا يعود المهرّج وحده مسؤولاً عن العرض ؛ فالجمهور الذي يصفّق بلا مساءلة يصبح شريكاً في صناعة المعايير التىّ تحكمه … والسلام 🙋‍♂ ✍



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يصبح المنشار🪚برنامجاً : الغرب بين أزمة الاقتصاد ...
- راشيل كوري🌹ووجوه العالم البيضاء:حين فضحت فتاةٌ بجسده ...
- درع السماء...وثقب في السقف:لماذا تنجح الصواريخ🚀الرخي ...
- نوبل🥇بين سلطة الجائزة وخلود الفكرة: من أدونيس ومحمود ...
- إعادة هندسة الشرق الأوسط بعد حرب اليمن: قراءة تحليلية في است ...
- العمى الذي يرى😎، والبصر الذي لا يرى - من طباخ الرئيس ...
- من زيت الزيتون🫒إلى فول الصويا 🫘: الغذاء كان ...
- مقصّ✂الفضيلة: لماذا يُمنع الجنس في الرواية ويُباح في ا ...
- من فنجان القهوة☕إلى صندوق الاقتراع:العرب وصناعة المعاد ...
- حين تعجز السياسة عن الكلام…تغني الشعوب - الموسيقى🎵بو ...
- الشارع والصناديق : الإسلام السياسي كذريعة والانقسام الثقافي ...
- حين يصبح الخوف مرآة🪞من قابيل إلى بيسوا: الخوف㈷ ...
- العاصفة 🌪القادمة:سوريا بين «سوفا 53» وتسامح ما بعد ا ...
- حين تستوطن اللغة قبل الأرض🌲🫒 …
- من هرمز إلى باب المندب: فوضى الحقيقة وأزمة الطاقة العالمية & ...
- حين يتعلم الطفل النفاق:من براءة الفطرة إلى ثقافة الخوفԅ ...
- سبّاك في قمرة القيادة : مسرحية صهيونية ✈ بين عقد اللحم ...
- كيف يستطيع الرجل أن يعشق💔مرة أخرى؟
- من بن غفير إلى سد النهضة : الكولونيالية المتجددة وفلسطين في ...
- ما الذي نحبه حين نقع في الحب♥؟ - تأملات في الصمت والإن ...


المزيد.....




- شاهد.. سياح يشقون طريقهم وسط الاحتجاجات في شوارع باريس
- -شات EGYPT-.. منصة مصرية رسمية لرصد الشائعات باستخدام الذكاء ...
- بزشكيان يبلغ رئيس الأركان الباكستاني شرط طهران لاستئناف المف ...
- ترامب: روسيا تمتلك موارد بشرية هائلة مقارنة بأوكرانيا وحان ا ...
- سقوط 7 قتلى منذ فجر اليوم برصاص الجيش الإسرائيلي في قطاع غز ...
- ترامب وإيران.. صفقة هرمز أو عودة للحرب
- روسيا وأوزبكستان تبدآن مناورات -خامكورليك-2026- لمكافحة التش ...
- رسائل موسكو في الخليج
- صحفي أمريكي انضم إلى قوات -أحمد- الروسية يروي تفاصيل تدريبه ...
- أبرز ما يميز هاتف هواوي القادم القابل للطي


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - مسرح 🎭 التفاهة : حين يصفّق الجمهور لانتصاره المزيّف …