أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - الإنسان حين يصبح جلّادًا:من غريزة الافتراس👹إلى هندسة التعذيب…















المزيد.....

الإنسان حين يصبح جلّادًا:من غريزة الافتراس👹إلى هندسة التعذيب…


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8866 - 2026 / 10 / 22 - 17:02
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ لعلّ أعظم مفارقات الحضارة الحديثة أنها علّمت الإنسان كيف يبني المدن ، ويغزو الفضاء ، ويفكّ شيفرات الطبيعة ، لكنها لم تستطع أن تمنعه من تحويل أخيه الإنسان إلى حقلٍ لاختبار القسوة ، بل إن الإنسان ، الذي طالما تفاخر بتجاوزه مرحلة الوحشية ، نجح أحيانًا في منحها مكاتب رسمية ، وتعليمات إدارية ، وأختامًا حكومية ؛ حتى لم يعد الجلاد بحاجة إلى أنيابٍ ومخالب ، ما دام يمتلك سلطةً تحميه وضميرًا لا يعترض طريقه ، وحين يقرأ المرء شهادات الناجين من سجون الأنظمة الاستبدادية ، ومنها سجون نظام الأسد ، لا يقف أمام فظاعة التعذيب وحدها ، بل أمام سؤالٍ أكثر إزعاجًا : كيف يستطيع إنسانٌ أن يتعمّد إيلام إنسانٍ آخر ، ثم يروي ما فعله ببرودٍ أو افتخار ، كأنه يستعرض إنجازًا مهنيًا؟ أهي غريزةٌ بدائية عجز العقل عن تهذيبها ، أم أن الإنسان بلغ من القدرة على التفكير حدًّا بات معه قادرًا على تسخير ذكائه لتطوير الشرّ ، وتحويل القسوة من انفعالٍ عابر إلى ممارسةٍ واعية؟ ، وهو ما يفسر اهمية يوم القيامة .

لعلّ الفارق بين الإنسان والحيوان لا يكمن في العقل وحده ، بل في المسؤولية الأخلاقية التىّ تترتب عليه ، فالحيوان قد يهاجم بدافع البقاء ، أما الإنسان فيستطيع أن يتخيّل ألم ضحيته ، ويدرك عواقب فعله ، ثم يمضي فيه رغم ذلك ، وهنا تكمن المفارقة الأكثر قسوة : قد لا يكون الإنسان وحشيًا لأنه فقد عقله ، بل لأنه أحسن استخدامه في الاتجاه الخطأ ؛ فيخطّط للأذى ، ويدرس مواطن الضعف ، ويبتكر وسائل الإذلال ، ثم يبحث عن مبرراتٍ تجعل ما ارتكبه مقبولًا في نظره ، ولعلّ أيضاً التأمل في علاقة الإنسان بالخيل العربي يضيء جانبًا من هذه المفارقة ، فقد احتلّ الفرس مكانةً مميزة في الوجدان العربي ، بوصفه رمزًا للشجاعة والوفاء والصبر ، واعتنى العرب بأنسابه وصفاته ، ونشأت بين الفارس وفرسه علاقةٌ من الألفة والثقة ، تجاوزت حدود المنفعة إلى الرفقة والاعتماد المتبادل ، وكان الفرس ، في المخيال العربي ، أكثر من وسيلةٍ للحرب ؛ كان رفيقًا يُصان ، وتُروى الحكايات عن وفائه ، وتُقاس الفروسية أحيانًا بمدى إحسان صاحبه إليه ، لكنّ المفارقة أن الإنسان الذي يحنو على فرسه قد يكون نفسه من يجرّد إنسانًا آخر من كرامته ، فكيف تتّسع نفسه للرحمة تجاه كائنٍ يختلف عنه ، ثم تضيق بها تجاه إنسانٍ يشبهه؟ لعلّ المشكلة ليست في انعدام القدرة على الرحمة ، بل في انتقائها ، وفي المعايير التىّ يضعها الإنسان ليقرّر من يستحقها ومن يجوز له أن يسلبه إنسانيته ، فحين يُصنَّف الآخر عدوًا أو خائنًا أو أدنى منزلة ، قد تتحوّل القسوة إلى فعلٍ يراه مرتكبه مبرّرًا ، بل واجبًا .

وهنا تبدأ الحكاية الأكثر ظلمة : حكاية السجّان الذي لا يكتفي بإخضاع الجسد ، بل يسعى إلى تحطيم الإنسان من الداخل ، ففي بعض السجون الاستبدادية ، لا يتوقف العنف عند حدود العقاب أو انتزاع الاعتراف ، بل يصبح وسيلةً للإذلال وإثبات السيطرة ، وقد يتحوّل ألم المعتقل إلى مادةٍ يتباهى بها الجلاد أو يستمدّ منها شعورًا بالتفوّق ، وحين تتكرّر هذه الممارسات داخل مؤسسةٍ تحمي مرتكبيها ، لا يعود التعذيب مجرّد انحرافٍ فردي ، بل يصبح جزءًا من منظومةٍ تتعلّم كيف تنتج الوحشية وتحميها وتعيد إنتاجها ، في هذا الموضع ، تستحضر الذاكرة أسئلة فيودور دوستويفسكي في روايته «الإخوة كارامازوف»، ولا سيما تأملات إيفان في معاناة الأبرياء ، فالرواية لا تكتفي بالسؤال عن وجود الشرّ ، بل تضعنا أمام المعضلة الأخلاقية التىّ تنشأ حين يُطلب منا قبول آلام الأبرياء باسم غايةٍ أكبر ، أو باسم نظامٍ يُفترض أنه سيحقق الخير في نهاية المطاف . ومن هذا المنظور ، يصبح السؤال عن السجون الاستبدادية أكثر إلحاحًا : بأيّ حقٍّ تُسحق كرامة الإنسان باسم أمن الدولة؟ وأيّ قيمةٍ تبقى للعدالة إذا كان الوصول إلى الاستقرار يمرّ عبر تعذيب الأبرياء وإسكاتهم؟ ، قد يقنع الجلاد نفسه بأنه ينفّذ الأوامر ، أو يحمي الوطن ، أو يؤدي واجبًا وظيفيًا ؛ لكنّ اللغة ، مهما أتقنت تجميل الجريمة ، لا تغيّر حقيقتها ، فالأمر الصادر عن السلطة لا يمحو مسؤولية من ينفّذه ، والزيّ الرسمي لا يمنح القسوة شرعيةً أخلاقية ، كما أن المؤسسة التىّ تحمي الجريمة لا تجعلها أقلّ إجرامًا ، فالظروف قد تفسّر السلوك ، لكنها لا تبرّئ مرتكبه تلقائيًا ، وحين يغيب القضاء المستقل ، وتُعطَّل المحاسبة ، وتصبح أجهزة الدولة فوق القانون ، لا يفسد الأفراد وحدهم ، بل يتغيّر المجتمع أيضًا ، يتعلّم الناس الصمت ، ويحسبون كلفة قول الحقيقة ، ويتراجع الاعتراض أمام الخوف ، حتى تصبح النجاة الشخصية أحيانًا مقدّمةً على التضامن مع الضحية ، وهكذا لا تقتصر مأساة الاستبداد على ما يحدث داخل الزنازين ، بل تمتدّ إلى خارجها ، حيث يُراد للخوف أن يتحوّل إلى سلوكٍ اجتماعي ، وللصمت أن يصبح لغةً مشتركة .

ومع ذلك ، لا يجوز أن نحمّل المؤسسة وحدها كامل المسؤولية ، وكأن الفرد يفقد إرادته الأخلاقية بمجرد انضمامه إلى جهاز أمني أو تلقيه أمرًا من رئيسه ، فالمؤسسة قد تهيّئ للجريمة وتحمي مرتكبها ، لكن الإنسان يظلّ مسؤولًا عن اختياراته بقدر ما يمتلك من قدرةٍ على الاختيار ، وبين الطاعة والضمير تتحدّد اللحظة التىّ يُختبر فيها الإنسان حقًا : هل يرفض المشاركة في الجريمة حين تصبح الطاعة أسهل ، أم يتنازل عن ضميره كي يحتفظ بموقعه وسلطته؟ ، لعلّ المأساة الكبرى ليست أن الإنسان ما زال يحمل شيئًا من غرائزه البدائية ، بل أنه تعلّم كيف يمنحها أسماءً محترمة ، ويحيطها بالقوانين والتعليمات ، ثم يطالب الآخرين بالنظر إليها بوصفها ضرورةً لا جريمة ، فالوحش لا يحتاج إلى اختلاق فلسفةٍ تبرّر افتراسه ؛ أما الإنسان ، فقد يبني منظومةً كاملةً من التبريرات ، ويحوّل ضحيته إلى متهم ، ثم ينام مطمئنًا لأنه أقنع نفسه بأنه لم يفعل سوى أداء واجبه .

في النهاية ، لا تُقاس إنسانية الإنسان بذكائه ، ولا بمقدار ما يمتلكه من سلطة ، بل بقدرته على إدراك حدود قوته حين تصبح مصدرًا لألم الآخرين ، فالحضارة ليست ما يشيده الإنسان من أبنية ، ولا ما يطوّره من أدوات ، بل ما يضعه من حدودٍ تمنع القوة من التحوّل إلى إذلال ، والقانون من الانقلاب إلى غطاءٍ للظلم .

فالوحشية ليست دائمًا أنيابًا تنهش الجسد ؛ قد تكون عقلًا يخطّط للألم ، ومؤسسةً تحميه ، وإنسانًا يخرج من زنزانة ضحيته ليعود إلى منزله ، ويجلس إلى مائدة العشاء ، ويتحدّث عن الأخلاق كأنّ شيئًا لم يحدث ، ولعلّ الفارق الأكثر رعبًا بين الإنسان والوحش ليس أن الأول يمتلك عقلًا لا يملكه الثاني ، بل أن الإنسان قد يعرف معنى الرحمة ، ثم يختار ، بكامل وعيه ، أن يكون جلّادًا … والسلام 🙋‍♂ ✍



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إسرائيل بين وهم التحالف ورهان الجغرافيا : من وعد بلفورԂ ...
- مسرح 🎭 التفاهة : حين يصفّق الجمهور لانتصاره المزيّف ...
- حين يصبح المنشار🪚برنامجاً : الغرب بين أزمة الاقتصاد ...
- راشيل كوري🌹ووجوه العالم البيضاء:حين فضحت فتاةٌ بجسده ...
- درع السماء...وثقب في السقف:لماذا تنجح الصواريخ🚀الرخي ...
- نوبل🥇بين سلطة الجائزة وخلود الفكرة: من أدونيس ومحمود ...
- إعادة هندسة الشرق الأوسط بعد حرب اليمن: قراءة تحليلية في است ...
- العمى الذي يرى😎، والبصر الذي لا يرى - من طباخ الرئيس ...
- من زيت الزيتون🫒إلى فول الصويا 🫘: الغذاء كان ...
- مقصّ✂الفضيلة: لماذا يُمنع الجنس في الرواية ويُباح في ا ...
- من فنجان القهوة☕إلى صندوق الاقتراع:العرب وصناعة المعاد ...
- حين تعجز السياسة عن الكلام…تغني الشعوب - الموسيقى🎵بو ...
- الشارع والصناديق : الإسلام السياسي كذريعة والانقسام الثقافي ...
- حين يصبح الخوف مرآة🪞من قابيل إلى بيسوا: الخوف㈷ ...
- العاصفة 🌪القادمة:سوريا بين «سوفا 53» وتسامح ما بعد ا ...
- حين تستوطن اللغة قبل الأرض🌲🫒 …
- من هرمز إلى باب المندب: فوضى الحقيقة وأزمة الطاقة العالمية & ...
- حين يتعلم الطفل النفاق:من براءة الفطرة إلى ثقافة الخوفԅ ...
- سبّاك في قمرة القيادة : مسرحية صهيونية ✈ بين عقد اللحم ...
- كيف يستطيع الرجل أن يعشق💔مرة أخرى؟


المزيد.....




- بعد هزيمة حزبه في الانتخابات.. ترامب يوضح مصير وزير دفاعه
- صور-رومانسية- لبيرلا حرب مع جوزيف عطية على أنغام -عم حبو كتي ...
- أوروبا.. آمال بعودة العلاقات عبر الأطلسي
- زعيم الديمقراطيين في الكونغرس الأمريكي يتعهد بوقف حرب إيران ...
- سلام يحذر من جر لبنان لحرب جديدة
- ممداني يشير إلى دلالة كبيرة وراء فوز عبدول السيد على -حيتان ...
- سوريا تشدد على مواطنيها في مصر: احملوا وثائقكم واحذروا الشائ ...
- الرياض ودمشق.. التعاون وملفات الإقليم
- مقتل شخصين في إطلاق نار بمجمع مكاتب -سيتي بنك- بفلوريدا
- رغم هزيمة الجمهوريين: ترامب يدافع عن حرب إيران ويدعم وزير ال ...


المزيد.....

- حين يصيح الولاء اقوى من الحقيقة / حسين محمود صالح
- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - الإنسان حين يصبح جلّادًا:من غريزة الافتراس👹إلى هندسة التعذيب…