أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - الرومانسية في مواجهة العقل🧐المادي:حين يصبح الإنسان غريباً عن نفسه …















المزيد.....

الرومانسية في مواجهة العقل🧐المادي:حين يصبح الإنسان غريباً عن نفسه …


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8878 - 2026 / 11 / 3 - 15:08
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ لعل أكثر المفارقات إثارة للسخرية في التاريخ الحديث أن الإنسان ، بعدما قرر تحرير نفسه من سلطة العاطفة والأوهامز، انتهى إلى بناء عالم يحتاج فيه إلى استعادة إنسانيته من جديد ، فقد أقنعته العقلانية بأنه قادر على تفسير الوجود وإخضاع الطبيعة وتنظيم الحياة وفق قوانين المنطق والحساب ، لكنه اكتشف ، في المقابل ، أن العالم الذي بناه بعقله ليس بالضرورة عالماً يستطيع أن يعيش فيه بقلبه ، وكأن البشرية ، بعد قرون من الاحتفاء بالتقدم ، وصلت إلى لحظة بات عليها فيها أن تسأل نفسها : ما جدوى أن نفهم العالم إذا كنا نفقد قدرتنا على الشعور به؟ ، من هنا يمكن فهم الرومانسية ، لا باعتبارها نزعة عاطفية أو انغماساً في الخيال ، وإنما بوصفها احتجاجاً ثقافياً وفلسفياً على تغوّل العقل الأداتي واختزال الإنسان في حدود المنفعة والمصلحة ، فقد ظهرت في سياق تاريخي شهد تحولات عميقة في الفكر الأوروبي ، خصوصاً مع عصر التنوير والثورة الصناعية ، حين أخذ العقل يحتل موقعاً مركزياً في تفسير العالم وإعادة تشكيله ، غير أن هذا الصعود ، على الرغم من إنجازاته العلمية والمعرفية ، أفرز أيضاً شعوراً متزايداً بأن الإنسان بدأ يفقد شيئاً من علاقته بالطبيعة وبذاته وبالمعنى الأوسع للحياة .

لم تكن الرومانسية ، بهذا المعنى ، رفضاً للعقل بقدر ما كانت رفضاً لتحويله إلى مرجعية وحيدة للحياة ، فقد أعادت الاعتبار إلى العاطفة والخيال والذات الفردية ، واعتبرت الطبيعة فضاءً للتأمل ومصدراً للجوهر ، لا مجرد مادة خام قابلة للاستغلال كالمعادن ، وكان الرومانسيون يحاولون استعادة الإنسان من عالم أخذت الآلة فيه تتقدم على التجربة الإنسانية ، والإنتاج على التأمل ، والحساب على الشعور ، لكن المفارقة أن هذا التمرد الثقافي والجمالي تزامن مع ولادة عالم آخر أكثر قسوة ؛ عالم راحت فيه الصناعة الحديثة توسّع قدرات الإنسان على الإنتاج ، لكنها وسّعت ، في الوقت نفسه ، قدرته على التدمير ، فالتاريخ الذي شهد ازدهار الشعر والرسم والموسيقى الرومانسية كان يشهد أيضاً تحولات اقتصادية وسياسية وعسكرية أعادت تشكيل موازين القوة ، ومع التوسع الصناعي والإمبراطوري ، أصبحت المصالح المادية محركاً أساسياً للصراعات ، وتحولت منجزات العلم والتقنية ، في حالات كثيرة ، إلى أدوات لإدارة الحروب وإنتاج الموت على نطاق واسع ، وهكذا نشأت مفارقة الحداثة : العقل الذي وعد بتحرير الإنسان من الخرافة لم يمنع السلطات من استخدامه في بناء أنظمة للهيمنة ، والتقدم الذي بشّر بتحسين الحياة لم يحل دون تحويل الإنسان نفسه إلى رقم في حسابات الدولة والاقتصاد والحرب .

ولعل لوحة الفنان الألماني كاسبر دافيد فريدريش ، «المتجوّل فوق بحر الضباب» (1818)، تختصر جانباً عميقاً من هذه المفارقة ، يقف رجل على مرتفع صخري ، مولياً ظهره للمشاهد ، فيما يمتد أمامه فضاء واسع تغمره طبقات من الضباب ، لا يبدو الرجل سيداً على المشهد ، رغم ارتفاع موقعه ، بل كائناً يواجه عالماً أكبر من قدرته على الإحاطة به ، فكل ما يراه مفتوح على المجهول ، وكل ما يظن أنه يعرفه محاط بما لا يستطيع إدراكه ، تكمن أهمية هذه اللوحة في أنها تعيد الإنسان إلى حجمه الوجودي ، بعدما أوهمته انتصاراته العلمية والصناعية بأنه قادر على السيطرة على الطبيعة وفك جميع أسرارها ، فالضباب ليس مجرد عنصر جمالي ، بل استعارة لحدود المعرفة البشرية ، وللمسافة التىّ ستظل قائمة بين الإنسان والعالم مهما اتسعت أدواته ، ومن هنا تبدو الرومانسية محاولة لاستعادة الدهشة أمام الوجود ، وتذكيراً بأن الطبيعة ليست شيئاً نمتلكه ، وأن الحياة لا تصبح أكثر اكتمالاً لمجرد أننا أصبحنا أكثر قدرة على تفسيرها .

لكن المسألة لا تتوقف عند العلاقة بين الإنسان والطبيعة ، بل تمتد إلى التناقض داخل الإنسان نفسه ؛ إذ لا يعني امتلاك الحس الأدبي أو القدرة على تذوق الجمال بالضرورة امتلاك حس أخلاقي أو إنساني ، وفي هذا السياق ، تكتسب سيرة ستالين المبكرة ، كما يعرضها المؤرخ سيمون سيباغ مونتيفيوري في كتابه Young Stalin، دلالة نقدية لافتة ، فالكتاب يتتبع المراحل الأولى من حياة جوزيف ستالين ، بما فيها خلفيته الجورجية واهتمامه المبكر بالشعر والأدب ، قبل أن يصبح أحد أكثر حكام القرن ال20 ارتباطاً بالعنف والسلطة المطلقة ، فإن استحضار هذه التجربة لا يهدف إلى الربط المباشر بين ستالين والرومانسية ، بل إلى إظهار مفارقة أكثر عمقاً : قد يجتمع الخيال الأدبي والذائقة الجمالية في شخصية واحدة مع ممارسات سياسية شديدة القسوة ، أو بالأحرى هذا النوع من الخلط هوّ في الواقع موجود بكثافة حتى لو كانت السلطة محدودة ، فالجمال الذي يتذوقه الإنسان لا يضمن بالضرورة أنه سيحترم جمال حياة الآخرين ، والثقافة التىّ يمتلكها لا تشكل ، وحدها ، ضمانة ضد الاستبداد ، وبذلك ، يصبح الفرق جوهرياً بين امتلاك الحساسية الجمالية وامتلاك الحساسية الإنسانية ؛ فالأولى قد تنتمي إلى عالم الذوق والخيال ، أما الثانية فتتجلى في الاعتراف بالآخر وبحقه في الحياة والحرية ، ويتضح ذلك في مجال تعامل الإنسان مع الحيوانات وتربيتها ، إذ يتعامل معها بطريقة تختلف تماماً عن تعامله مع الآخر .

ولعل هذه المفارقة تعيدنا إلى السؤال الأول : هل استطاع الإنسان ، بعد كل ما أنجزه من ثورات علمية وصناعية وتقنية ، أن يحافظ على قدرته على الشعور؟ فالمشكلة لم تكن يوماً في العقل ذاته ، وإنما في انفصاله عن القيم الإنسانية ، وفي تحوله إلى أداة تقيس الحياة بمقدار ما تنتجه ، لا بما تمنحه من قيمة ، وحين يصبح كل شيء قابلاً للحساب ، تتراجع المساحات التىّ لا يمكن قياسها : الحب ، والدهشة ، والخيال ، والتأمل ، والشعور بالانتماء إلى عالم لا نملك حق السيطرة المطلقة عليه ، لهذا لا تبدو الرومانسية مجرد مرحلة أدبية تجاوزها الزمن ، بل تظل موقفاً إنسانياً متجدداً في مواجهة عالم يزداد تصنيعاً وبرودة ، إنها لا تطالب الإنسان بالتخلي عن العقل ، وإنما بألا يسمح له بأن يحتكر تعريف الحياة ؛ ولا تدعوه إلى الهروب من الحداثة ، بل إلى استعادة نفسه داخلها .

وربما كانت المفارقة الأخيرة أن الإنسان استطاع ، بعقله ، أن يغيّر وجه الأرض ، لكنه لم ينجح دائماً في جعلها مكاناً أكثر إنسانية ، لقد بنى مدناً شاهقة، واخترع آلات مذهلة ، وامتلك أدوات لم يكن أجداده يتخيلونها ، لكنه ما زال يقف ، مثل ذلك المتجوّل فوق بحر الضباب ، أمام أسئلة لا تستطيع التكنولوجيا الإجابة عنها ، فليست المأساة أن يجهل الإنسان أسرار الطبيعة ، بل أن يصل إلى مرحلة يعرف فيها كيف يستغل كل شيء ، من دون أن يعرف لماذا يعيش ، وربما هنا تحديداً تبدأ الحاجة إلى الرومانسية ؛ لا بوصفها حنيناً إلى الماضي ، بل باعتبارها محاولة أخيرة كي لا يتحول الإنسان إلى أكثر الآلات تطوراً في العالم ، وأقلها قدرة على الشعور … والسلام 🙋‍♂ ✍



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من حجر🧱فلسطين إلى مليارات العملات المشفرة 💵 ...
- بين القبر🪦وحافة الشباك:الجشع بوصفه موتاً مؤجلاً …
- ديكتاتورية الأنا☝…حين يصبح الملحد أكثر أخلاقاً من المؤ ...
- هل الحرب استقالةً مؤجلة : نتنياهو وترمب وإيران في مواجهة صنا ...
- من شجرة الزيتون🫒إلى صندوق الاقتراع:كيف ننتقل من الته ...
- من ارتباك نتنياهو إلى حرية🗽المتنبي:حين تخاف السياسةُ ...
- مؤخرة نيكي وعلم فلسطين🇵🇸:حين يصبح الجسد جواز ...
- القاتل الذي لا يحمل سكينًا🔪:حين تُسرق لقمة الفقراء&# ...
- مصر التي تغيّرت: من «تحت الإنشاء» إلى «مطار الجورة» ✈ ...
- من عنترة بن شداد🐎إلى «الماستر كي»: كيف تحوّل الحبّ&# ...
- الإنسان حين يصبح جلّادًا:من غريزة الافتراس👹إلى هندسة ...
- إسرائيل بين وهم التحالف ورهان الجغرافيا : من وعد بلفورԂ ...
- مسرح 🎭 التفاهة : حين يصفّق الجمهور لانتصاره المزيّف ...
- حين يصبح المنشار🪚برنامجاً : الغرب بين أزمة الاقتصاد ...
- راشيل كوري🌹ووجوه العالم البيضاء:حين فضحت فتاةٌ بجسده ...
- درع السماء...وثقب في السقف:لماذا تنجح الصواريخ🚀الرخي ...
- نوبل🥇بين سلطة الجائزة وخلود الفكرة: من أدونيس ومحمود ...
- إعادة هندسة الشرق الأوسط بعد حرب اليمن: قراءة تحليلية في است ...
- العمى الذي يرى😎، والبصر الذي لا يرى - من طباخ الرئيس ...
- من زيت الزيتون🫒إلى فول الصويا 🫘: الغذاء كان ...


المزيد.....




- هل يمكن لقليل من المطر أن يُحدث فرقاً كبيراً في يوم الانتخاب ...
- روسيا تقصف مدرسة تؤوي مدنيين بـ9 قنابل في أوكرانيا.. عشرات ا ...
- مصدر لـCNN: قطر تترقب رد أمريكا وإيران على مقترح جديد لدفع ا ...
- هل تشن أمريكا ضربات جديدة على إيران بعد الانتخابات؟.. هذا ما ...
- ترامب يتفق مع نتنياهو على وقف التمويل الأمريكي لإسرائيل
- جيوب الأمريكيين.. الرهان الأصعب
- ترامب ينفي نقص احتياطي الذخائر الأمريكية ويقر بتراجع مخزونات ...
- نبيل عمرو: تأجيل الانتخابات الفلسطينية عمّق الإحباط وأضعف فر ...
- ترامب يتحدث عن تحول إيران لـ-جسد بلا رأس- بعدما كانت قوية جد ...
- ترويكا.. الحلقة الـ66


المزيد.....

- حين يصيح الولاء اقوى من الحقيقة / حسين محمود صالح
- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - الرومانسية في مواجهة العقل🧐المادي:حين يصبح الإنسان غريباً عن نفسه …