فريد بوكاس
(Farid Boukas)
الحوار المتمدن-العدد: 8880 - 2026 / 11 / 5 - 20:42
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ألمانيا : فريد بوكاس ، صحفي باحث و ناشط سياسي
أعادت نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية لعام 2026 تشكيل الخارطة التشريعية في واشنطن، بعد نجاح الحزب الديمقراطي في انتزاع الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ. وتكتسب هذه التحولات أهمية خاصة في ظل استمرار إدارة الرئيس دونالد ترامب في قيادة السلطة التنفيذية، بما يضع السياسة الخارجية الأمريكية أمام معادلة جديدة قوامها احتمال التباين بين توجهات البيت الأبيض والأولويات التشريعية والرقابية للأغلبية الديمقراطية.
وتبرز أهمية هذا التحول بصورة خاصة في ملف الصحراء الغربية، الذي لم يعد مقتصراً على التنافس الدبلوماسي بين المغرب وجبهة البوليساريو، بل أصبح مرتبطاً بصورة متزايدة بالتوازنات الإقليمية بين المغرب والجزائر، وبحسابات المصالح الأمريكية في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، فضلاً عن التنافس الدولي مع روسيا والصين.
ورغم أن صياغة السياسة الخارجية تظل من الاختصاصات الأساسية للسلطة التنفيذية، فإن سيطرة الديمقراطيين على المؤسستين التشريعيتين تمنحهم أدوات مؤثرة في مراقبة السياسة الخارجية، والتحكم في المخصصات المالية، ومناقشة صفقات التسلح، وفتح التحقيقات، وممارسة الضغط السياسي على الإدارة الأمريكية.
غير أن هذه التحولات لا تعني بالضرورة تراجع الدعم الأمريكي للمغرب؛ ذلك أن المملكة راكمت على مدى عقود شبكة من العلاقات الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي، الأمر الذي يمنحها هامشاً للمناورة داخل الكونغرس الجديد. وفي المقابل، تمتلك الجزائر أوراقاً استراتيجية مختلفة، ترتبط بموقعها الطاقي والعسكري وعلاقاتها مع روسيا، فضلاً عن دورها المركزي في دعم جبهة البوليساريو واستضافة مخيمات اللاجئين الصحراويين.
ومن ثم، فإن المعادلة الجديدة لا تتعلق فقط بمدى قدرة الديمقراطيين على تقييد توجهات إدارة ترامب، بل كذلك بمدى قدرة المغرب والجزائر على التأثير في مواقف المؤسسة التشريعية الأمريكية، وتوظيف علاقاتهما المختلفة داخل النخبة السياسية في واشنطن.
تنطلق هذه الورقة من فرضية مفادها أن عودة الديمقراطيين إلى السيطرة التشريعية ستفتح مرحلة جديدة من التنافس الدبلوماسي داخل واشنطن، تتداخل فيها المصالح الاستراتيجية مع الاعتبارات الحقوقية والقانونية، وتتحول فيها قضية الصحراء الغربية إلى أحد ميادين اختبار العلاقة الأمريكية مع كل من الرباط والجزائر.
أولاً: المقاربة الرقابية والآليات التشريعية المعطلة
تمنح السيطرة على مجلسي الكونغرس ولجانهما للحزب الديمقراطي أدوات دستورية نافذة لمراقبة أو توجيه القرارات الاستراتيجية للإدارة الأمريكية، حتى وإن لم يمتلك سلطة مباشرة لإعادة صياغة السياسة الخارجية التي تتبناها الرئاسة. وتتحدد هذه الرقابة في ثلاثة مسارات رئيسية، ترتبط بالشراكات الاقتصادية والتعاون العسكري والآليات التشريعية المستخدمة في إدارة العلاقات الخارجية.
1. التدقيق في الشراكات الاقتصادية العابرة للإقليم
وقعت واشنطن والرباط في فبراير 2026 مذكرة تفاهم استراتيجية بشأن استكشاف واستخراج المعادن الحرجة، وهو ملف يكتسب أهمية متزايدة في ظل سعي الولايات المتحدة إلى تنويع مصادر إمداداتها وتقليص اعتمادها على سلاسل التوريد التي تهيمن عليها الصين.
وتتجاوز أهمية هذه الاتفاقيات بعدها الاقتصادي المباشر، بالنظر إلى ارتباطها بالموقع الجغرافي للمغرب، وبالفرص الاستثمارية في قطاعات الفوسفات والمعادن الاستراتيجية والطاقة المتجددة والبنية التحتية. ومن المتوقع أن يمثل هذا الملف مجالاً للنقاش داخل اللجان التشريعية، خصوصاً تلك المعنية بالعلاقات الخارجية والطاقة والموارد الطبيعية والتجارة الدولية.
وقد يسعى بعض المشرعين الديمقراطيين إلى إخضاع الاتفاقيات الاقتصادية المرتبطة بالصحراء الغربية لمعايير الامتثال للقانون الدولي، وطرح مسألة استفادة السكان المحليين من الموارد الطبيعية، ومدى توافق المشاريع الاستثمارية مع المبادئ القانونية المتعلقة بالأقاليم المتنازع عليها.
لكن هذه الرقابة لا تعني بالضرورة تعطيل الشراكة الأمريكية المغربية؛ إذ إن المصالح الاقتصادية والأمنية التي تربط البلدين قد تشكل بدورها حافزاً لدى عدد من المشرعين الديمقراطيين للحفاظ على استمرارية التعاون مع الرباط. وهنا تظهر أهمية الدور الذي يمكن أن تؤديه المؤسسات الاقتصادية والشركات الأمريكية العاملة في المغرب، باعتبارها مكوناً إضافياً في شبكة المصالح التي يمكن أن تدافع عن استمرار الشراكة الثنائية داخل الكونغرس.
2. المشروطية العسكرية وحقوق الإنسان
يمتلك الكونغرس تاريخياً سلطة المخصصات المالية (Power of the Purse)، فضلاً عن صلاحيات الرقابة على صفقات التسلح والمساعدات الخارجية. ومن الممكن أن يسعى بعض الديمقراطيين إلى إعادة تفعيل النقاش بشأن ربط التعاون العسكري والأمني مع دول شمال إفريقيا بمعايير حقوق الإنسان والشفافية والامتثال للقانون الدولي.
غير أن هذا التوجه لن يكون بالضرورة موجهاً ضد المغرب وحده، بل يمكن أن يشمل الجزائر أيضاً، بالنظر إلى أهمية التعاون العسكري الجزائري الروسي، وإلى النقاشات الأمريكية المتعلقة بنقل التكنولوجيا العسكرية الروسية إلى دول أخرى.
ومن هنا، فإن استخدام المخصصات المالية والعقوبات الاقتصادية يمكن أن يتحول إلى أداة ضغط مزدوجة، تستهدف التأثير في حسابات الرباط والجزائر على حد سواء. إلا أن اختلاف طبيعة العلاقات الأمريكية مع البلدين يجعل أدوات الضغط المحتملة مختلفة؛ فالمغرب يرتبط بواشنطن بشراكة أمنية ودفاعية متقدمة، بينما تستند العلاقة مع الجزائر إلى اعتبارات الطاقة والأمن الإقليمي ومحاولة تنويع العلاقات العسكرية والدبلوماسية.
3. توظيف الرقابة التشريعية في إعادة ضبط السياسة التنفيذية
لا تقتصر أدوات الكونغرس على الاعتراض على القرارات التنفيذية، بل تشمل أيضاً عقد جلسات الاستماع، واستدعاء المسؤولين، وطلب التقارير الرسمية، ومراجعة المخصصات المالية، وإدراج شروط خاصة في مشاريع قوانين التمويل.
وفي ملف الصحراء الغربية، يمكن لهذه الأدوات أن تتيح للديمقراطيين ممارسة ضغط سياسي على إدارة ترامب بشأن طبيعة التسوية التي تدعمها واشنطن، وحدود الانحياز إلى المقترح المغربي للحكم الذاتي، وموقع الجزائر والبوليساريو في أي مسار تفاوضي جديد. ومع ذلك، ينبغي التمييز بين قدرة الكونغرس على فرض قيود مالية أو سياسية وبين قدرته على إلزام الإدارة بتغيير اعتراف أو موقف دبلوماسي؛ فالأداتان ليستا متماثلتين من الناحية الدستورية والعملية.
ثانياً: النفوذ المغربي داخل الحزب الديمقراطي وإعادة إنتاج الدعم الأمريكي
تمثل شبكة العلاقات المغربية داخل واشنطن أحد أهم العناصر التي ينبغي أخذها في الاعتبار عند تحليل نتائج انتخابات 2026. فالمغرب لم يبنِ علاقاته الأمريكية على التواصل مع الإدارات الجمهورية فقط، بل عمل على مدى عقود على تطوير علاقات مع شخصيات ديمقراطية في الكونغرس والإدارات السابقة ومراكز الأبحاث والمؤسسات الاقتصادية.
وتكمن أهمية هذا التراكم في أنه يسمح للمملكة بتجاوز التغيرات الحزبية في واشنطن، والاحتفاظ بقنوات اتصال مع أطراف مختلفة داخل النظام السياسي الأمريكي. كما يمنحها فرصة للتأثير في النقاشات المتعلقة بالعلاقات الثنائية، وملف الصحراء الغربية، والتعاون الأمني والاقتصادي.
1. اللوبي المغربي بوصفه أداة للحفاظ على المصالح الاستراتيجية
تستند استراتيجية التأثير المغربية إلى مجموعة من الآليات المتداخلة، تشمل بناء علاقات مع أعضاء الكونغرس من الحزبين، خصوصاً المشرعين المنخرطين في ملفات الأمن والدفاع والعلاقات الخارجية، والاستعانة بشركات ضغط واستشارات سياسية تمتلك خبرة في التعامل مع المؤسسات الفيدرالية، فضلاً عن تعزيز حضور الدبلوماسية المغربية في مراكز الأبحاث والمنتديات السياسية والاقتصادية.
كما تعتمد المملكة على تقديم نفسها باعتبارها شريكاً في مكافحة الإرهاب، والاستقرار الإقليمي، والتعاون الأمني، وتنويع مصادر الطاقة والمعادن الاستراتيجية، مع توظيف العلاقات الاقتصادية والتجارية لإظهار التكلفة الاستراتيجية المحتملة لأي تراجع في مستوى الشراكة الثنائية.
وتشير السجلات المرتبطة بقانون تسجيل الوكلاء الأجانب (FARA) إلى تسجيل شركات استشارية أمريكية لتمثيل المصالح المغربية أمام المؤسسات الفيدرالية. ويبرز من بينها مكتب Brownstein Hyatt Farber Schreck، الذي سجل خدمات تتعلق بالعلاقات الحكومية والاستشارات الاستراتيجية لصالح السفارة المغربية.
ولا ينبغي النظر إلى هذه الأنشطة باعتبارها مجرد عمليات اتصال تقنية، بل باعتبارها جزءاً من منظومة أوسع لإدارة المصالح المغربية داخل واشنطن. ومع ذلك، تظل هناك ضرورة للتمييز بين تسجيل نشاط الضغط وبين إثبات نجاحه في تغيير موقف سياسي معين.
2. لماذا يشكل النفوذ المغربي داخل الحزب الديمقراطي ورقة استراتيجية؟
تنبع أهمية العلاقات المغربية مع الديمقراطيين من أن الحزب نفسه ليس كتلة متجانسة في مقاربته لقضية الصحراء الغربية. فداخله توجد اتجاهات مختلفة؛ منها تيار وسطي وبراغماتي يضع التحالفات الأمنية والمصالح الاقتصادية في مقدمة أولوياته، وتيار مؤسساتي يؤكد أهمية استقرار الشراكات التقليدية للولايات المتحدة، إضافة إلى تيار تقدمي يولي أهمية أكبر لقضايا حقوق الإنسان وتقرير المصير والرقابة على السياسات الخارجية.
وهذا التنوع يمنح الدبلوماسية المغربية فرصة للتواصل مع أكثر من اتجاه داخل الحزب، بدلاً من الاعتماد على مجموعة محدودة من الشخصيات السياسية. والأهم أن العلاقات التي بنتها الرباط مع شخصيات ديمقراطية يمكن أن تؤدي وظيفة وقائية؛ أي الحد من احتمالات تحول الخلافات الحقوقية أو القانونية إلى مواقف تشريعية واسعة تستهدف المصالح المغربية.
كما يمكن لهذه الشبكات أن تسهم في إبقاء المغرب ضمن دائرة الشركاء الاستراتيجيين للولايات المتحدة، حتى في ظل وجود خلافات بين البيت الأبيض والكونغرس بشأن ملفات أخرى.وبالتالي، فإن عودة الديمقراطيين لا تعني تلقائياً خسارة المغرب لنفوذه في واشنطن، بل قد تمثل اختباراً لمدى قدرة الدبلوماسية المغربية على تحويل علاقاتها السياسية السابقة إلى دعم مؤسساتي مستمر داخل الكونغرس الجديد.
3. حدود تأثير اللوبي المغربي
رغم أهمية هذه الشبكة، فإنها لا تملك القدرة على التحكم في توجهات الحزب الديمقراطي أو ضمان مواقف موحدة بشأن الصحراء الغربية. فالمواقف التشريعية تخضع أيضاً لاعتبارات الدوائر الانتخابية، والانتماءات الأيديولوجية، والضغوط الإعلامية، ومواقف منظمات حقوق الإنسان، والتوازنات داخل اللجان المختصة.
كما أن تسجيل شركة ضغط بموجب قانون FARA لا يعني بالضرورة أنها نجحت في إقناع أعضاء الكونغرس بموقف معين. وعليه، فإن التأثير المغربي ينبغي قياسه من خلال النتائج الملموسة، مثل عدد المشرعين المتبنين للمواقف المغربية، والمواقف التي يعبرون عنها في جلسات الاستماع، والمشاريع التشريعية التي يشاركون فيها، ومدى استمرار التعاون مع المغرب في المجالات الدفاعية والاقتصادية.
ثالثاً: الجزائر بوصفها طرفاً محورياً في النزاع وحسابات واشنطن الاستراتيجية
يمثل إدراج الجزائر في التحليل ضرورة أساسية لفهم طبيعة النزاع في الصحراء الغربية، إذ لا يمكن فصل استمرار القضية عن الدور السياسي والدبلوماسي والاستراتيجي الذي تؤديه الجزائر في دعم جبهة البوليساريو.
فعلى الرغم من أن الجزائر تؤكد رسمياً أنها ليست طرفاً مباشراً في النزاع، وتقدم نفسها باعتبارها دولة داعمة لحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير، فإن دورها يتجاوز حدود الموقف الدبلوماسي، بالنظر إلى احتضانها مخيمات اللاجئين الصحراويين في تندوف، ودعمها السياسي لجبهة البوليساريو، ومساندتها حضورها في المحافل الدولية.
ومن الناحية الجيوسياسية، يرتبط الموقف الجزائري أيضاً بحسابات الأمن الإقليمي والتوازن الاستراتيجي مع المغرب، وبالتصور الجزائري لطبيعة النظام الإقليمي في المغرب العربي.
1. الجزائر بين دعم البوليساريو والحفاظ على موقعها الإقليمي
يمكن فهم الموقف الجزائري من خلال ثلاثة مستويات مترابطة. يرتبط المستوى الأول بالاعتبارات التاريخية والسياسية، حيث تستند السياسة الجزائرية تجاه الصحراء الغربية إلى إرث دعم حركات التحرر ومبدأ تقرير المصير، وهو ما يمنح الموقف الرسمي امتداداً في الخطاب السياسي والدبلوماسي الجزائري.
أما المستوى الثاني فيرتبط بالتوازن الاستراتيجي مع المغرب، إذ يمثل النزاع أحد عناصر التنافس الإقليمي بين البلدين، خصوصاً في ظل استمرار القطيعة الدبلوماسية بينهما منذ عام 2021، وتباين مواقفهما من الترتيبات الأمنية والتحالفات الإقليمية. ومن هذا المنظور، فإن أي تغيير جوهري في وضع الصحراء الغربية يمكن أن ينعكس على توازنات النفوذ في المنطقة، وعلى الحسابات الأمنية والسياسية للجزائر.
ويتعلق المستوى الثالث بالعلاقة مع جبهة البوليساريو، إذ تمنح الجزائر الجبهة دعماً سياسياً ودبلوماسياً، وتستضيف اللاجئين الصحراويين في مخيمات تندوف، وهو ما يجعلها فاعلاً أساسياً في أي تسوية قابلة للتطبيق. لكن من المهم عدم اختزال البوليساريو في كونها مجرد أداة جزائرية؛ فللجبهة قيادتها وهياكلها ومواقفها السياسية الخاصة، وإن كان الدعم الجزائري يمثل أحد أهم عناصر قدرتها على الاستمرار في النشاط الدبلوماسي والسياسي والعسكري.
2. لماذا تهتم واشنطن بالجزائر رغم علاقاتها الاستراتيجية مع المغرب؟
لا تنظر الولايات المتحدة إلى الجزائر من خلال ملف الصحراء الغربية وحده، فالجزائر تمتلك مجموعة من الأوراق الاستراتيجية التي تجعلها شريكاً مهماً في الحسابات الأمريكية، وفي مقدمتها موقعها الجغرافي المحوري في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، واحتياطياتها المهمة من الغاز الطبيعي، ومكانتها في أسواق الطاقة الدولية.
كما تمتلك الجزائر قدرات عسكرية معتبرة، وعلاقات دفاعية تاريخية مع روسيا، فضلاً عن دورها في ملفات الأمن ومكافحة الإرهاب في منطقة الساحل، وإمكانات تجارية واستثمارية يمكن أن تستفيد منها الشركات الأمريكية.
وهذه العناصر تفسر حرص الإدارات الأمريكية المتعاقبة على تطوير العلاقات مع الجزائر، حتى مع استمرار الخلافات بشأن الصحراء الغربية والتقارب الجزائري الروسي.
ومن هنا، لا يبدو أن واشنطن تنظر إلى علاقتها بالجزائر باعتبارها نقيضاً لعلاقتها بالمغرب، بل تحاول إدارة علاقات متوازية مع البلدين، رغم التنافس الإقليمي بينهما. فالمغرب يمثل شريكاً أمنياً وسياسياً تقليدياً، بينما تظل الجزائر شريكاً مهماً في الطاقة والأمن الإقليمي والتوازنات الدولية.
3. هل يمكن للديمقراطيين ممارسة ضغط على الجزائر؟
يمتلك الديمقراطيون مجموعة من الأدوات التي يمكن توظيفها للتأثير في الحسابات الجزائرية، لكن طبيعة هذا التأثير تختلف عن الضغط الموجه إلى المغرب. ويمكن تحديد أربعة مسارات رئيسية.
يتعلق المسار الأول بالضغط المرتبط بالتعاون العسكري مع روسيا، إذ قد يطرح بعض المشرعين الديمقراطيين مسألة المشتريات العسكرية الجزائرية من موسكو في سياق النقاش الأوسع بشأن مواجهة النفوذ العسكري الروسي. وقد يتجه بعضهم إلى المطالبة بتطبيق أو توسيع العقوبات المرتبطة بقانون مكافحة خصوم أمريكا من خلال العقوبات (CAATSA)، إذا اعتبروا أن بعض الصفقات العسكرية الجزائرية تستوفي شروط تطبيقه.
أما المسار الثاني فيرتبط بربط الشراكة الاقتصادية بملفات الأمن الإقليمي، حيث يمكن أن تصبح الاستثمارات الأمريكية والتعاون الطاقي والتكنولوجي أدوات تفاوضية تسمح لواشنطن بطرح قضايا الأمن الإقليمي والتعاون الدبلوماسي ضمن الحوار الثنائي مع الجزائر.
ويتعلق المسار الثالث بالضغط المرتبط بالدور الجزائري في النزاع، إذ قد يدفع بعض المشرعين نحو تحميل الجزائر مسؤولية سياسية أكبر في إنجاح التسوية، انطلاقاً من أن استمرار النزاع لا يمكن معالجته دون مشاركة الأطراف الإقليمية المؤثرة.
أما المسار الرابع فيتمثل في استخدام ملف البوليساريو كورقة ضغط غير مباشرة، حيث يمكن أن يؤدي طرح مشاريع تشريعية تستهدف الجبهة إلى زيادة الضغط على الجزائر، نظراً للعلاقة السياسية والدعم الذي تقدمه لها.
لكن هذا المسار قد يخلق أيضاً رد فعل معاكساً، يتمثل في تمسك الجزائر بموقفها ورفضها أي صيغة تعتبرها محاولة لفرض تسوية مسبقة. ومن ثم، فإن الضغط الأمريكي على الجزائر قد يحقق نتائج تفاوضية إذا اقترن بحوافز اقتصادية وأمنية وضمانات سياسية، بينما قد يؤدي الضغط الأحادي إلى تعقيد مسار التسوية.
رابعاً: تأثير الديمقراطيين على جبهة البوليساريو بين الضغط التشريعي والاحتواء الدبلوماسي
تحتل جبهة البوليساريو موقعاً خاصاً في المعادلة الأمريكية، لأنها لا تمتلك الأدوات الاقتصادية والدبلوماسية نفسها التي تمتلكها الدول، لكنها تحظى بدعم الجزائر، وتستند إلى خطاب سياسي وقانوني يتمحور حول تقرير المصير والشرعية الدولية.
ويواجه الحزب الديمقراطي هنا معادلة معقدة بين اتجاه يدعو إلى زيادة الضغط على الجبهة، خصوصاً من خلال المسارات التشريعية والأمنية، واتجاه يرى أن استبعادها أو تهميشها من العملية السياسية قد يجعل التسوية أكثر صعوبة، ويؤدي إلى استمرار النزاع.
1. مشاريع تصنيف البوليساريو والاتجاه المتشدد داخل الكونغرس
تعد المشاريع التشريعية المتعلقة بتصنيف البوليساريو أو فرض عقوبات عليها مثالاً على تصاعد الاتجاه الداعي إلى استخدام الأدوات التشريعية للضغط على الجبهة. ومن أبرز هذه المبادرات مشروع القانون H.R. 4119، الذي قدمه النائب الجمهوري جو ويلسون بمشاركة النائب الديمقراطي جيمي بانيتا في عام 2025، إضافة إلى مشروع القانون H.R. 9982 الذي قدمه النائب الديمقراطي جوش غوتهايمر في يوليو 2026، بمشاركة عدد من النواب من الحزبين.
وتكمن أهمية هذه المبادرات في أنها تكشف أن النقاش بشأن البوليساريو لا يقتصر على الحزب الجمهوري، بل توجد داخله امتدادات عابرة للحزبين، وأن بعض الديمقراطيين باتوا مستعدين للمشاركة في مبادرات تشريعية تتعلق بالضغط على الجبهة. ومع ذلك، يجب التمييز بين تقديم مشروع قانون وبين إقراره، وبين الدعوة إلى فرض عقوبات وبين اتخاذ قرار رسمي بتصنيف منظمة ما منظمة إرهابية أجنبية. كما أن التصنيف القانوني الأمريكي لا يمكن التعامل معه بوصفه نتيجة تلقائية للمواقف السياسية أو الدبلوماسية، بل يخضع لإجراءات ومعايير قانونية محددة.
2. كيف يمكن أن تؤثر الأغلبية الديمقراطية على هامش تحرك البوليساريو؟
قد يظهر التأثير الديمقراطي في اتجاهين متوازيين. يتمثل الأول في الضغط، من خلال دعم مشاريع العقوبات، ومراجعة طبيعة العلاقات مع الجهات المرتبطة بالجبهة، ومناقشة دورها في الاستقرار الإقليمي، والبحث في علاقتها بالدعم العسكري الخارجي. أما الاتجاه الثاني فيتمثل في الاحتواء، من خلال المطالبة بإبقاء المسار السياسي مفتوحاً، وعدم إغلاق خيارات التفاوض، وضمان مشاركة الأطراف المعنية في أي تسوية نهائية. ويعني ذلك أن الديمقراطيين قد لا يتبنون موقفاً موحداً من البوليساريو؛ فهناك من قد ينظر إليها من منظور الأمن ومكافحة النفوذ الروسي والإيراني، وهناك من يركز على حق تقرير المصير والمسار الأممي.
3. العلاقة بين الضغط على الجزائر والضغط على البوليساريو
تكتسب هذه النقطة أهمية خاصة، لأن أي ضغط على البوليساريو قد تكون له انعكاسات غير مباشرة على الجزائر، والعكس صحيح. فإذا اتجه الكونغرس إلى دعم عقوبات ضد الجبهة، فإن الجزائر قد تعتبر ذلك استهدافاً غير مباشر لموقفها السياسي، خصوصاً إذا اقترن الضغط بمحاولات فرض صيغة سياسية لا تحظى بقبولها.
وفي المقابل، فإن استخدام أدوات الضغط على الجزائر بشأن مشترياتها العسكرية من روسيا أو دورها الإقليمي قد يدفعها إلى إعادة تقييم كلفة استمرار الجمود الدبلوماسي. لكن من غير المؤكد أن يؤدي الضغط إلى تغيير موقف الجزائر من دعم البوليساريو؛ إذ قد تتمسك الجزائر بموقفها باعتباره جزءاً من تصورها التاريخي والسياسي لمبدأ تقرير المصير. وعليه، فإن نجاح واشنطن في التأثير على البوليساريو يتطلب التعامل مع الجزائر باعتبارها طرفاً مؤثراً في المعادلة، وليس الاكتفاء بممارسة الضغط على الجبهة بصورة منفصلة.
خامساً: التدافع الداخلي وسوسيولوجيا الحزب الديمقراطي
لا يمكن مقاربة الحزب الديمقراطي ككتلة أيديولوجية صلبة إزاء ملف الصحراء الغربية، بل كساحة تدافع بين تيارات مختلفة تتقاطع أحياناً وتتباين في أحيان أخرى.
1. تيار الوسط والواقعية السياسية
ينظر هذا التيار إلى المغرب باعتباره حليفاً استراتيجياً مهماً في ملفات مكافحة الإرهاب، والأمن الإقليمي، والتعاون العسكري، والطاقة المتجددة. ويولي أهمية كبيرة لاستقرار العلاقات مع المملكة، باعتبارها شريكاً تقليدياً للولايات المتحدة في شمال إفريقيا.
كما أن وجود علاقات اقتصادية وأمنية متراكمة بين البلدين يمنح هذا التيار مبررات عملية للدفاع عن استمرارية الشراكة المغربية الأمريكية، مع الحفاظ على قنوات التواصل مع الجزائر باعتبارها فاعلاً إقليمياً لا يمكن تجاهله.
2. التيار التقدمي والأقليات
يعزز هذا الجناح من حضوره في النقاشات المتعلقة بالسياسة الخارجية، ويولي أهمية خاصة لقضايا حقوق الإنسان والشفافية والالتزام بالمواثيق الدولية. وقد يدفع بعض أعضائه نحو مراجعة السياسات الأمريكية المتعلقة بالصحراء الغربية، خصوصاً فيما يتعلق بمسألة تقرير المصير، وحقوق الإنسان، واستغلال الموارد الطبيعية.
لكن لا ينبغي افتراض أن التيار التقدمي يتبنى بالضرورة موقفاً موحداً مؤيداً للبوليساريو أو معارضاً للمغرب؛ إذ إن مواقفه قد تتباين بحسب الاعتبارات القانونية والأمنية والسياسية.
3. التيار البراغماتي العابر للحزبين
يمثل هذا التيار أحد أهم العوامل التي يمكن أن يستفيد منها المغرب، لأنه يقوم على تقاطع المصالح الأمريكية مع المصالح المغربية، بعيداً عن الاستقطاب الحزبي التقليدي. ويبرز مثال مشاريع القوانين المتعلقة بالبوليساريو، التي شارك في تقديم بعضها نواب من الحزبين، باعتباره نموذجاً على إمكانية التقاء المشرعين الجمهوريين والديمقراطيين حول قضايا محددة. ومن ثم، فإن الرهان المغربي لا ينبغي أن ينحصر في التأثير على الديمقراطيين باعتبارهم حزباً، بل في بناء تحالفات تشريعية عابرة للأحزاب، تضمن استمرار الدعم للمصالح الاستراتيجية للمملكة.
سادساً: الفراغ الأممي واستراتيجية البدائل الدبلوماسية
أدخل تعثر مجلس الأمن في تجديد تفويض بعثة «مينورسو» في نهاية أكتوبر 2026 النزاع في مرحلة جديدة من عدم اليقين المؤسسي والدبلوماسي.
فقد فشل مشروع القرار الأمريكي الذي كان يهدف إلى تجديد تفويض البعثة وتغيير تسميتها، بعد استخدام روسيا حق النقض، كما لم يحصل المشروع الروسي البديل على الأصوات اللازمة لاعتماده.
ولا يعني ذلك بالضرورة انتهاء الإطار القانوني الدولي للنزاع أو سقوط جميع آليات الأمم المتحدة المرتبطة به، لكنه يخلق وضعاً بالغ الحساسية بشأن مستقبل البعثة ومهامها وآليات مراقبة وقف إطلاق النار.
وتبرز هنا أهمية التنافس بين واشنطن وموسكو، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى الدفع بمسار تفاوضي يستند إلى مقترح الحكم الذاتي المغربي، بينما تؤكد روسيا ضرورة الحفاظ على الأسس التي قام عليها المسار الأممي، بما فيها مرجعية الاستفتاء.
1. انعكاسات التعثر الأممي على المغرب
قد يمنح هذا الوضع المغرب فرصة لتعزيز مقترحه للحكم الذاتي باعتباره أساساً للتفاوض، خصوصاً إذا استطاعت الدبلوماسية المغربية الحفاظ على الدعم الأمريكي وتوسيع دائرة التأييد الدولي. لكن غياب بعثة أممية مستقرة أو تعثر تجديد ولايتها قد يخلق أيضاً تحديات تتعلق بمراقبة الوضع الميداني، وإدارة التوترات العسكرية، والحفاظ على قنوات الاتصال بين الأطراف.
2. انعكاسات التعثر الأممي على الجزائر والبوليساريو
بالنسبة إلى الجزائر والبوليساريو، فإن أي تغير في طبيعة الإطار الأممي قد يُنظر إليه باعتباره تحولاً في قواعد إدارة النزاع. وقد تسعى الجزائر إلى تعزيز حضورها الدبلوماسي داخل الأمم المتحدة، والتأكيد على ضرورة عدم تجاوز مبدأ تقرير المصير. أما البوليساريو، فقد تحاول توظيف حالة عدم اليقين الأممي لتأكيد استمرار النزاع والتمسك بمواقفها بشأن الاستفتاء. وفي المقابل، قد يؤدي غياب آلية أممية مستقرة إلى زيادة الضغوط الدولية على الطرفين لتجنب التصعيد العسكري.
3. حدود الدور الأمريكي
تستطيع واشنطن استخدام نفوذها الدبلوماسي والاقتصادي لتقريب وجهات النظر، لكنها لا تستطيع وحدها فرض تسوية تحظى بالقبول الدولي والقبول الفعلي من الأطراف المعنية. كما أن أي تسوية لا تأخذ في الاعتبار دور الجزائر والبوليساريو ستواجه صعوبات في التنفيذ، حتى إذا حظيت بدعم سياسي أمريكي قوي.
ومن هنا، فإن نجاح المقاربة الأمريكية يتطلب الجمع بين دعم المقترح المغربي للحكم الذاتي، والحفاظ على مشاركة الأطراف الأخرى، وتوفير ضمانات سياسية وقانونية تسمح بالانتقال من إدارة النزاع إلى تسويته.
سابعاً: هندسة النفوذ وآليات اللوبي المغربي والجزائري في واشنطن
إذا كان المغرب قد راكم شبكة من العلاقات مع المؤسسات السياسية الأمريكية، فإن الجزائر تمتلك بدورها أدوات تأثير مختلفة، وإن كانت طبيعة حضورها داخل واشنطن لا تتطابق بالضرورة مع النموذج المغربي.
1. النموذج المغربي: العلاقات السياسية والمؤسساتية
يرتكز النفوذ المغربي على شبكة من العلاقات تشمل السفارة المغربية في واشنطن، وشركات الضغط والعلاقات الحكومية المسجلة بموجب قانون FARA، وشخصيات سياسية ودبلوماسية أمريكية سابقة، ومراكز الأبحاث والمنتديات الاقتصادية، والمؤسسات والشركات ذات المصالح التجارية في المغرب، إضافة إلى أعضاء الكونغرس من الحزبين الجمهوري والديمقراطي. وتكمن أهمية هذا النموذج في استمراريته وقدرته على العمل عبر الإدارات المتعاقبة، فضلاً عن اعتماده على أدوات متعددة لا تقتصر على التواصل الدبلوماسي الرسمي.
2. النموذج الجزائري: الطاقة والأمن والعلاقات الدولية
تستند الجزائر إلى مجموعة مختلفة من أدوات التأثير، أبرزها موقعها كمصدر مهم للغاز الطبيعي، وأهمية التعاون الأمني والعسكري في منطقة الساحل، وعلاقاتها التاريخية مع روسيا، وحضورها الدبلوماسي في إفريقيا والأمم المتحدة، وموقعها الجغرافي في شمال إفريقيا والبحر المتوسط.
ولا يعني اختلاف النموذجين أن أحدهما أكثر تأثيراً بصورة مطلقة؛ فالأمر يرتبط بطبيعة الملف المطروح، والجهة الأمريكية المعنية، ومدى ارتباط المصالح الأمريكية بكل دولة.
3. التنافس بين شبكات التأثير المغربية والجزائرية
يمكن أن يتحول الكونغرس الجديد إلى ساحة تنافس بين السرديتين المغربية والجزائرية. فالمغرب سيعمل على تقديم نفسه باعتباره شريكاً أمنياً واقتصادياً موثوقاً، وعلى إبراز الحكم الذاتي باعتباره إطاراً عملياً للتسوية. أما الجزائر فستركز على مبدأ تقرير المصير، وعلى ضرورة الحفاظ على المرجعيات القانونية الدولية، مع إبراز مخاطر فرض حل سياسي لا يحظى بقبول الطرف الصحراوي.
وسيكون العامل الحاسم هو قدرة كل طرف على تحويل روايته السياسية إلى مصالح أمريكية ملموسة، سواء في مجالات الأمن والطاقة والتجارة أو في مجال الاستقرار الإقليمي. ومن هنا، فإن المعركة الدبلوماسية لن تكون محصورة في الدفاع عن المواقف التاريخية، بل ستتعلق بمدى قدرة الطرفين على إقناع النخب الأمريكية بأن تسوية النزاع تخدم المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة.
ثامناً: السيناريوهات المستقبلية لملف الصحراء الغربية في ظل الأغلبية الديمقراطية
بناءً على التفاعل المعقد بين إدارة ترامب والكونغرس الديمقراطي، وبالنظر إلى موقع المغرب والجزائر والبوليساريو في المعادلة الإقليمية، يمكن استشراف أربعة سيناريوهات رئيسية.
السيناريو الأول: استمرار الوضع القائم الديناميكي وتثبيت المكاسب المغربية
يقوم هذا السيناريو على فرضية نجاح الإدارة التنفيذية في الحفاظ على جوهر موقفها الداعم للمقترح المغربي للحكم الذاتي، مع تجنب قرارات أحادية إضافية قد تؤدي إلى صدام مباشر مع الكونغرس الديمقراطي. وفي هذا الإطار، تستمر إدارة ترامب في تعزيز الشراكة الاقتصادية والعسكرية مع المغرب، وتفعيل الاتفاقيات المتعلقة بالمعادن الحرجة والاستثمارات الاستراتيجية.
ويؤدي اللوبي المغربي دوراً مهماً في الحفاظ على قنوات الاتصال مع الديمقراطيين، وإقناع المشرعين بأن استمرار التعاون مع المملكة يخدم المصالح الأمريكية في شمال إفريقيا والساحل. وفي المقابل، لا تتجه الأغلبية الديمقراطية إلى تعطيل العلاقة مع المغرب، لكنها تحاول فرض نقاش أكثر وضوحاً حول حقوق الإنسان والموارد الطبيعية والمسار الأممي. أما الجزائر، فتواصل دعم البوليساريو سياسياً ودبلوماسياً، مع الحفاظ على علاقاتها الثنائية مع الولايات المتحدة في مجالات الطاقة والأمن.
مستوى الاحتمالية: مرتفع نسبياً، إذا استمرت المصالح الاستراتيجية المشتركة وتمكنت الدبلوماسية المغربية من إدارة الخلافات التشريعية.
السيناريو الثاني: تصاعد الضغط التشريعي على الجزائر والبوليساريو
ينطلق هذا السيناريو من فرضية أن عدداً من المشرعين الديمقراطيين والجمهوريين قد يتقاطعون حول ضرورة ممارسة ضغوط أكبر على الجزائر بسبب علاقاتها العسكرية مع روسيا، وعلى البوليساريو بسبب مشاريع العقوبات والتصنيف المحتملة. وفي هذه الحالة، قد تتحول الجزائر إلى موضوع للنقاش داخل لجان العلاقات الخارجية والدفاع، خصوصاً بشأن المشتريات العسكرية الروسية والتوازنات الأمنية في شمال إفريقيا.
وقد يؤدي ذلك إلى زيادة الضغوط الدبلوماسية على الجزائر للمشاركة في تسوية سياسية، والابتعاد عن أي خطوات من شأنها زيادة التوتر العسكري. أما البوليساريو، فقد تواجه تضييقاً أكبر في هامش تحركها داخل المؤسسات الأمريكية، إذا تقدمت المشاريع التشريعية المتعلقة بالعقوبات أو التصنيف. لكن هذا السيناريو قد يواجه عقبات مهمة، منها حرص الإدارة الأمريكية على عدم خسارة الجزائر كشريك في الطاقة والأمن الإقليمي، واحتمال أن يؤدي الضغط المفرط إلى تعزيز التقارب الجزائري الروسي.
مستوى الاحتمالية: متوسط، ويتوقف على مدى توافق الديمقراطيين والجمهوريين حول أدوات الضغط، واستعداد الإدارة التنفيذية لتحمل تبعاتها.
السيناريو الثالث: عودة المسار التفاوضي متعدد الأطراف بضمانات أمريكية
يقوم هذا السيناريو على فرضية نجاح الكونغرس الديمقراطي في دفع الإدارة الأمريكية نحو مقاربة أكثر تعددية، تتيح مشاركة المغرب والجزائر والبوليساريو وموريتانيا في إطار تفاوضي متجدد. وفي هذه الحالة، يمكن أن تتجه واشنطن إلى دعم مسار تفاوضي يقوم على مقترح الحكم الذاتي المغربي باعتباره أساساً للمناقشة، مع إدراج ضمانات تتعلق بتقرير المصير وحقوق الإنسان والوضع الإنساني للاجئين في مخيمات تندوف.
وقد يشكل إشراك الجزائر بصورة مباشرة أحد العناصر الأساسية لهذا المسار، بالنظر إلى تأثيرها في مواقف البوليساريو، وإلى أهمية دورها في ضمان تنفيذ أي تسوية مستقبلية. لكن نجاح هذا السيناريو يتطلب تجنب تحويل المفاوضات إلى مجرد آلية لفرض مواقف مسبقة، لأن ذلك قد يؤدي إلى رفض الأطراف المعنية المشاركة الفعلية.
مستوى الاحتمالية: متوسط إلى مرتفع على المدى المتوسط، إذا توافرت ضمانات سياسية ودبلوماسية متبادلة.
السيناريو الرابع: تصاعد التوتر الإقليمي وتراجع فرص التسوية
يقوم هذا السيناريو على فرضية أن تعثر تجديد تفويض مينورسو، واستمرار الخلافات بين واشنطن وموسكو، وتباين مواقف المغرب والجزائر والبوليساريو، قد يؤدي إلى تراجع آليات احتواء التوتر. وفي حال تصاعد العمليات العسكرية أو تدهور الوضع الأمني، قد يجد الكونغرس نفسه أمام نقاش جديد بشأن طبيعة الدعم العسكري والاستخباراتي المقدم للمغرب، ومدى ضرورة ربطه بالمعايير الحقوقية ووقف التصعيد.
وقد يؤدي ذلك إلى توتر إضافي بين إدارة ترامب والأغلبية الديمقراطية، خصوصاً إذا اتجهت الإدارة إلى تقديم دعم أمني عاجل للمغرب، بينما طالبت بعض الكتل الديمقراطية بممارسة رقابة أكبر على هذا الدعم. أما الجزائر، فقد تجد نفسها أمام ضغوط دولية متزايدة إذا ارتبط التصعيد بتطورات أمنية أو عسكرية إقليمية. وفي المقابل، قد تستفيد بعض القوى الدولية المنافسة للولايات المتحدة من اتساع الخلافات بين الأطراف، ومن تراجع قدرة واشنطن على إدارة النزاع.
مستوى الاحتمالية: متوسط، ويتوقف على التطورات الميدانية وفعالية آليات الاحتواء الدبلوماسي.
تاسعاً: الخلاصات الاستراتيجية
تكشف المعادلة السياسية الجديدة في واشنطن أن ملف الصحراء الغربية دخل مرحلة تتداخل فيها الحسابات الداخلية الأمريكية مع التوازنات الإقليمية بين المغرب والجزائر. ويمكن استخلاص خمس نتائج أساسية من هذا التحول.
أولاً، إن النفوذ المغربي داخل الحزب الديمقراطي يشكل رصيداً سياسياً مهماً. فوجود علاقات مع شخصيات ديمقراطية ومؤسسات مؤثرة يمنح المغرب قدرة على الحفاظ على مصالحه داخل الكونغرس، ويحد من احتمالات اختزال السياسة الأمريكية تجاه المملكة في توجهات إدارة ترامب وحدها. كما أن المشاركة الديمقراطية في بعض المبادرات التشريعية المتعلقة بالبوليساريو تعكس وجود تقاطعات سياسية عابرة للحزبين يمكن للمغرب الاستفادة منها.
ثانياً، إن عودة الديمقراطيين لا تعني بالضرورة تحولاً أمريكياً ضد المغرب. فهناك مصالح استراتيجية واقتصادية وأمنية تتجاوز التباينات الحزبية، كما أن بعض المواقف المؤيدة للمغرب تحظى بامتدادات داخل الحزبين. ولذلك فإن الرهان المغربي ينبغي أن يتركز على تحويل العلاقات التي راكمها إلى توافق مؤسساتي مستدام.
ثالثاً، إن الجزائر أصبحت عنصراً لا يمكن تجاوزه في أي مقاربة أمريكية للتسوية. فموقعها الجغرافي ودورها في دعم البوليساريو وعلاقاتها العسكرية والطاقية تجعلها فاعلاً إقليمياً مؤثراً، حتى مع استمرار تأكيدها أنها ليست طرفاً مباشراً في النزاع. كما أن المصالح الأمريكية في الغاز والأمن الإقليمي تجعل واشنطن حريصة على عدم تحويل الخلاف حول الصحراء الغربية إلى قطيعة مع الجزائر.
رابعاً، إن الضغط على الجزائر والبوليساريو قد يتحول إلى أداة تفاوضية أمريكية، لكن فاعلية هذا الضغط ستتوقف على اقترانه بالحوافز السياسية والاقتصادية والأمنية، وعدم تحوله إلى سياسة عقابية أحادية قد تدفع الجزائر إلى مزيد من التقارب مع روسيا. كما أن الضغط على البوليساريو دون معالجة دور الجزائر قد لا يؤدي إلى النتائج السياسية المرجوة.
خامساً، إن مستقبل النزاع لن تحدده واشنطن وحدها. فالتسوية تتطلب مشاركة الأطراف المعنية، وضمانات دولية، ومراعاة المصالح الإقليمية، فضلاً عن معالجة الأبعاد الإنسانية والسياسية والقانونية للنزاع.
وبناءً على ذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام الدبلوماسية المغربية لن يكون مجرد الحفاظ على الدعم الأمريكي التقليدي، بل تحويل هذا الدعم إلى توافق مؤسساتي عابر للحزبين، قادر على الصمود أمام تغير الإدارات وتوازنات الكونغرس.
أما الجزائر، فستواجه معادلة أكثر تعقيداً تتمثل في الحفاظ على دعمها للبوليساريو، دون التضحية بمصالحها الاقتصادية والأمنية المتنامية مع الولايات المتحدة. وفي المقابل، ستجد جبهة البوليساريو نفسها أمام بيئة سياسية أمريكية قد تجمع بين الضغط التشريعي والاحتواء الدبلوماسي، وهو ما قد يضيق هامش تحركها في بعض المسارات، دون أن يعني بالضرورة إقصاءها من أي تسوية سياسية.
وهكذا، فإن المعادلة الجيوسياسية الجديدة في واشنطن لا تتمثل في انتقال النفوذ من طرف إلى آخر، بقدر ما تتمثل في إعادة توزيع أدوات التأثير بين المغرب والجزائر والبوليساريو داخل منظومة سياسية أمريكية تتعدد فيها مراكز القرار والمصالح والضغوط.
عاشراً: المراجع والهوامش البحثية
أولاً: الوثائق الأمريكية الرسمية
1. U.S. Department of Justice, FARA Registration No. 5870: Brownstein Hyatt Farber Schreck – Embassy of the Kingdom of Morocco, March 23, 2026.
2. U.S. Government Publishing Office, Polisario Front Terrorist Designation Act, H.R. 4119, 119th Congress, 2025.
3. U.S. Government Publishing Office, Polisario Front Terrorist Designation Act of 2026, H.R. 9982, 119th Congress, 2026.
4. U.S. Government Publishing Office, Polisario Front Terrorist Designation Act of 2026, S. 4063, 119th Congress, 2026.
5. Congressional Research Service, Algeria: In Brief, July 24, 2024.
6. U.S. Department of Justice, Glover Park Group – FARA Registration No. 5666, May 11, 2020.
ثانياً: الدراسات والتحليلات الاستراتيجية
7. Center for Strategic and International Studies (CSIS), Economic Modernization and Strategic Positioning of Algeria, June 5, 2026.
8. The Washington Institute for Near East Policy, A Western Sahara Resolution Requires Meaningful Engagement with Algeria, 2026.
9. Atlantic Council, الدراسات المتعلقة بالشراكة الأمريكية المغربية والتوازنات الأمنية في شمال إفريقيا.
ثالثاً: الوثائق الأممية
10. United Nations Secretary-General, Report on the Situation Concerning Western Sahara, 2025.
11. United Nations Security Council, الوثائق والمداولات المتعلقة بتجديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (MINURSO)، أكتوبر 2026.
رابعاً: الوثائق التشريعية والانتخابية
12. U.S. Congress, السجل التشريعي لمشاريع القوانين المتعلقة بجبهة البوليساريو خلال الكونغرس الـ119.
13. Associated Press، التغطية الخاصة بنتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية لعام 2026.
14. U.S. Congress، الوثائق الرسمية المتعلقة ببدء أعمال الكونغرس الـ120 في يناير 2027.
#فريد_بوكاس (هاشتاغ)
Farid_Boukas#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟