أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فريد بوكاس - الصحراء والحكم الذاتي ومعضلة السوابق السياسية: هل يقود التراجع عن المقترح إلى السيادة المركزية المطلقة؟















المزيد.....

الصحراء والحكم الذاتي ومعضلة السوابق السياسية: هل يقود التراجع عن المقترح إلى السيادة المركزية المطلقة؟


فريد بوكاس
(Farid Boukas)


الحوار المتمدن-العدد: 8878 - 2026 / 11 / 3 - 20:34
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ألمانيا: فريد بوكاس ، صحفي باحث و ناشط سياسي

أحدثت المواجهة الدبلوماسية الأخيرة في مجلس الأمن الدولي هزة ارتدادية غير مسبوقة في ملف الصحراء، حيث وضعت حداً لثلاثة عقود من «الستاتيكو»، أو الوضع القائم، الذي استندت فيه الأمم المتحدة إلى إدارة النزاع بدلاً من حسمه. فمن الفيتو المتبادل بين واشنطن وموسكو، مروراً بإنهاء مهام بعثة «المينورسو»، ووصولاً إلى المساعي المغربية الراهنة لسحب الملف من اللجنة الرابعة، يبدو أن القضية تتجه بسرعة نحو سيناريو راديكالي لم يكن مطروحاً من قبل: التراجع الكامل عن مقترح الحكم الذاتي والعودة إلى مربع السيادة المركزية المطلقة.

الفيتو المتبادل وموت «المينورسو» سريرياً

شكّلت الجلسة الأخيرة لمجلس الأمن نقطة تحول قانونية وميدانية كبرى. فقد سعت المسودة الأمريكية إلى إحداث قطيعة مع الماضي، من خلال تصفية المكوّن العسكري للبعثة واعتماد مقترح الحكم الذاتي أرضية حصرية ووحيدة للمفاوضات، مع شطب مصطلح «الاستفتاء». ورغم حشد واشنطن لأغلبية مريحة (11 صوتاً)، فإن الفيتو الروسي جاء ليفرمل هذا النفوذ الأحادي ويحمي التوازنات الإقليمية لحليفتها الجزائر. وفي المقابل، أجهز الفيتو الأمريكي المضاد على المقترح الروسي الداعي إلى التمديد التقني التقليدي.

أدى هذا «القفز المتبادل» تلقائياً إلى النتيجة الأكثر خطورة: عدم تجديد ولاية «المينورسو» وإنهاء مهامها. ولأن البعثة تحمل في اسمها مبرر وجودها، المتمثل في تنظيم الاستفتاء، فإن سقوطها لم يكن مجرد إجراء إداري، بل كان بمثابة إعلان وفاة سريرية لآلية الاستفتاء التي دافعت عنها الجزائر وجبهة البوليساريو لعقود.

معركة اللجنة الرابعة وتحرير الملف من إرث «تصفية الاستعمار»

بناءً على هذا الفراغ الهيكلي في مجلس الأمن، انتقلت الاستراتيجية المغربية فوراً إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتحديداً إلى «اللجنة الرابعة» المعنية بالمسائل السياسية الخاصة وإنهاء الاستعمار. ويتمثل الهدف المغربي المعلن حالياً في حذف قضية الصحراء نهائياً من قائمة «الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي».

وتتحرك الدبلوماسية المغربية في هذا المسار متسلحة بميزتين رئيسيتين: الأولى هي غياب حق النقض «الفيتو» في أروقة الجمعية العامة، مما يحدّ من القدرة الروسية على التعطيل. والثانية هي الأغلبية العددية الواسعة التي بات المغرب يتمتع بها، بفعل الاعترافات المتتالية من قوى وازنة (الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا)، فضلاً عن الدعم الإفريقي والعربي الواسع. إن سحب الملف من اللجنة الرابعة يعني، من الناحية السياسية والقانونية، إغلاق القوس الأممي الذي فُتح في ستينيات القرن الماضي، ونزع الصبغة الدولية عن النزاع، وتوجيه ضربة قاضية للمفهوم التقليدي لـ«تصفية الاستعمار» في هذا الإقليم.

من الحكم الذاتي إلى السيادة المطلقة.. سقوط التنازل المؤلم

تتمثل النتيجة الحتمية، وفق هذا السيناريو، لنجاح المغرب في إنهاء مهام المينورسو وسحب الملف من اللجنة الرابعة، في زوال «المبرر القانوني والسياسي» الذي قُدّم على أساسه مقترح الحكم الذاتي عام 2007. فالرباط لم تطرح الحكم الذاتي باعتباره غاية نهائية، بل بوصفه «تنازلاً مؤلماً» وسقفاً أقصى لإنهاء النزاع عبر تسوية سياسية برعاية أممية.

وفي اللحظة التي تُرفع فيها يد الأمم المتحدة عن الملف، وتُثبّت فيها الدولة المغربية سيادتها ميدانياً بدعم دولي، ينتفي، وفق هذا المنطق، الشرط المقابل للتنازل. وبحسب القراءات الرسمية والتلميحات الصريحة لوزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، فإن مقترح الحكم الذاتي لن يبقى على الطاولة إلى الأبد. إن خروج الملف من دهاليز نيويورك قد يمنح الدولة المغربية، من وجهة النظر التي يتبناها هذا التصور، مبرراً سياسياً لسحب المقترح والتعامل مع الإقليم وفقاً للقانون الإداري والترابي السيادي النمطي، وتطبيق «الجهوية المتقدمة» العادية، لتصبح العيون والداخلة مثل طنجة والدار البيضاء، خاضعتين للسلطة المركزية دون أي خصوصية سياسية أو برلمان محلي.

قضية الريف: سابقة تاريخية تطرح سؤال وحدة الدولة ومخاطر الحكم الذاتي

غير أن مسألة منح الحكم الذاتي للصحراء لا يمكن النظر إليها بمعزل عن التاريخ السياسي للدولة المغربية، ولا عن التداعيات الداخلية التي قد تترتب على إقرار صيغة من هذا النوع. فهناك سابقة تاريخية لا يمكن تجاهلها، تتمثل في قضية الريف شمال المغرب، حيث أعلن محمد بن عبد الكريم الخطابي استقلال الريف سنة 1921، في سياق مقاومة الاستعمار الإسباني وتأسيس كيان سياسي مستقل في المنطقة، عُرف لاحقاً بجمهورية الريف.

وتكتسب هذه السابقة أهمية خاصة عند مناقشة مسألة الحكم الذاتي، ليس من باب المطابقة بين السياقين التاريخيين والسياسيين، وإنما من زاوية ما يمكن أن تفتحه أي تسوية ذات طابع ترابي أو سياسي خاص من نقاشات ومطالب تتعلق بتوزيع السلطة وعلاقة المركز بالأطراف.

فإذا مُنحت الصحراء حكماً ذاتياً بصلاحيات سياسية ومؤسساتية متميزة، فقد يطرح ذلك سؤالاً حول الأسس التي يمكن للدولة المغربية الاستناد إليها لرفض مطالب مماثلة قد تظهر في مناطق أخرى، ولا سيما في الريف، بالنظر إلى خصوصيته التاريخية وذاكرته السياسية المرتبطة بتجربة محمد بن عبد الكريم الخطابي وإعلان استقلال المنطقة سنة 1921.

ومن هذا المنطلق، قد لا يكون منح الحكم الذاتي للصحراء في صالح الدولة المغربية، إذا ما نُظر إليه من زاوية تداعياته السياسية الداخلية بعيدة المدى؛ إذ قد يتحول من حل لنزاع إقليمي إلى سابقة سياسية تفتح الباب أمام مطالب أخرى بإعادة توزيع السلطة أو توسيع نطاق الحكم الذاتي في مناطق مختلفة من البلاد.

وتكمن الإشكالية هنا في أن الدولة، إذا أقرت مبدأ منح صلاحيات سياسية ومؤسساتية خاصة لمنطقة معينة في إطار تسوية نزاع، فقد تجد نفسها أمام تساؤلات حول مبدأ المساواة بين المناطق، وحول المعايير التي تسمح بمنح هذه الصلاحيات لمنطقة دون أخرى. ومن ثم، فإن التخوف لا يرتبط بالضرورة بوجود مطالب انفصالية قائمة، بقدر ما يرتبط بإمكانية أن يشكل الحكم الذاتي مرجعاً سياسياً تستند إليه مطالب مستقبلية، بما قد يعيد فتح نقاشات قديمة حول طبيعة الدولة ووحدة سلطتها المركزية.

وبذلك، تصبح قضية الصحراء أكبر من مجرد نزاع حول إقليم، إذ تلامس جوهر النموذج السياسي للدولة المغربية، وحدود اللامركزية، ومستقبل العلاقة بين المركز والمناطق ذات الخصوصيات التاريخية والسياسية.

الخروج من عباءة نيويورك

إن النزاع حول الصحراء الغربية يمر بمرحلة إعادة صياغة شاملة؛ فقواعد اللعبة القديمة تحطمت بفعل الصدام الروسي الأمريكي. وإذا كانت القوى الكبرى قد اختلفت على صيغة الحل داخل مجلس الأمن، فإن النتيجة العملية لاندثار آليات الأمم المتحدة تدفع بالملف نحو المربع الذي يريده المغرب: فرض الأمر الواقع، وطي صفحة التنازلات السياسية، والعبور من ضفة «الحكم الذاتي المشروط» إلى ضفة «السيادة الإدارية والسياسية الكاملة والمطلقة».

لكن هذا التحول، إن تحقق، يطرح معضلة استراتيجية لا تقل أهمية عن النزاع نفسه: هل تستطيع الدولة المغربية الجمع بين رفض أي صيغة للحكم الذاتي في الصحراء والتمسك بمبدأ السيادة المركزية المطلقة، مع تفادي فتح نقاشات داخلية حول السوابق التاريخية والمطالب السياسية لمناطق أخرى، وفي مقدمتها الريف؟

إن المسألة، في نهاية المطاف، لا تتعلق فقط بمآلات النزاع حول الصحراء، وإنما أيضاً بالتوازن الدقيق بين الحفاظ على وحدة الدولة وتجنب خلق سوابق سياسية قد تكون لها تداعيات تتجاوز حدود الإقليم المعني.



#فريد_بوكاس (هاشتاغ)       Farid_Boukas#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أخطبوط الفلاحة.. خيرات تُصدّر وأثمانها يدفعها المغاربة!
- العلاقات الجزائرية المغربية: الأبعاد الجيوسياسية والاقتصادية ...
- روسيا والجزائر: تبادل الأدوار وتوزيع المصالح بين الصحراء الغ ...
- الفساد في المغرب: إعفاءات تُسكّن الغضب ومحاسبة لا تستأصل الو ...
- المغرب: فسادٌ يحمي الديكتاتورية، وديكتاتوريةٌ تحمي الفساد… ح ...
- التعذيب في المغرب: لماذا ينشغل المغاربة بالمنفذين ويتجاهلون ...
- صراخ تحت قبة البرلمان.. فمن يملك القرار الحقيقي في المغرب؟
- بين سحر -الدارجة- وعناد الأرقام وصمت الحقوق: قراءة نقدية في ...
- المغرب: دولة تحكمها العصابة
- الفساد في المغرب: لماذا تُعفى مديحة خيير بينما يستمر آخرون ف ...
- اقتصاد النفوذ في المغرب: الملكية والثروة والسلطة في مواجهة ا ...
- اللجنة الرابعة للأمم المتحدة وقرارات الجمعية العامة: قراءة ق ...
- المشهد السياسي في المغرب بين عبث التحالفات الحزبية وواقع مغا ...
- الجزائر: توقيف 61 مغربياً في وهران: أسئلة أمنية وقانونية وإع ...
- قصيدة : حاكم المغرب وخطب السراب
- خطاب ملك المغرب: حين تصطدم شرعية الملكية بواقع الإقصاء السيا ...
- معلقة المنفى المغربي
- لمغرب بين شعارات الإصلاح وواقع القبضة السياسية والأمنية والا ...
- إسبانيا والمغرب: الانتخابات تبيّن الفرق بين المملكتين
- هل تخلى المغرب عن سبتة ومليلية؟


المزيد.....




- باشينيان يحدد موعدا لطلب انضمام أرمينيا إلى الاتحاد الأوروبي ...
- رئيس مجلس النواب الليبي الجديد يؤيد بقاء العائب رئيسا لجهاز ...
- رصد مقاتلات بريطانية وطائرات شحن أمريكية وتحركات عسكرية لافت ...
- دول الخليج تلوح برد جماعي على أي هجمات إيرانية
- طائرات تزويد بالوقود أمريكية تحلق فوق مياه الخليج
- العدل الأمريكية تؤكد أنها لن تنتزع صلاحيات ألاسكا في الانتخا ...
- لحظة بلحظة.. الأمريكيون يصوتون في انتخابات التجديد النصفي
- 7 تهديدات بقنابل تضرب مطارات أوروبا.. مقاتلات حربية تواكب طا ...
- أجهزة الاستخبارات الأميركية في أزمة بسبب ترامب.. خلافات تعطل ...
- قرار ترامب بوقف المساعدات لإسرائيل يفاجئ تل أبيب.. 8 مليارات ...


المزيد.....

- حين يصيح الولاء اقوى من الحقيقة / حسين محمود صالح
- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فريد بوكاس - الصحراء والحكم الذاتي ومعضلة السوابق السياسية: هل يقود التراجع عن المقترح إلى السيادة المركزية المطلقة؟