فريد بوكاس
(Farid Boukas)
الحوار المتمدن-العدد: 8871 - 2026 / 10 / 27 - 23:14
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ألمانيا : فريد بوكاس ، صحفي باحث و ناشط سياسي
عندما تقاوم الفساد لدى بعض المواطنين (مسؤولين جهويين، ومديرين مركزيين، ورجال أعمال...)، تكون هذه المقاومة مجتمعية ميسّرة نسبيًا بفضل القوانين والآليات المتاحة حاليًا. ولكن عندما تتعلق المقاومة بشبهات فساد لدى رئيس الدولة ومستشاريه، ورئيس الحكومة ووزرائه، فإنها تصبح مقاومة سياسية موجّهة إلى أعلى هرم السلطة. وبذلك، لا تعود هذه المقاومة مقتصرة على مقاومة الفساد، وإنما تمتد لتشمل مقاومة السلطة والنظام.
ومعلوم أن السلطة ستستعمل كل الوسائل الأمنية والمالية والمعنوية لمواجهة كل من يتهمها بالفساد، وأحيانًا بأقصى درجات التعسف والقمع. فالسلطة الفاسدة سرعان ما تتحول إلى سلطة ديكتاتورية قمعية؛ لأنها تسعى إلى المحافظة على سلطتها أولًا، ومصالحها ثانيًا، ومصالح أتباعها ثالثًا. فهي تسعى إلى توسيع نطاق فسادها ليشمل المحيطين بها، ورشوتهم بجزء من منابات الفساد، ليصبحوا من التابعين لها والمدافعين عنها.
تلك هي فيزيولوجيا تشكّل نظام ديكتاتوري: فساد يحمي الديكتاتورية، وديكتاتورية تحمي الفساد.
إن خطورة هذا المسار لا تكمن فقط في استشراء الفساد داخل مؤسسات الدولة، وإنما في تحوّله إلى منظومة متكاملة لإعادة إنتاج السلطة وحمايتها من المساءلة. فحين تتداخل المصالح الشخصية مع الوظائف العامة، وتصبح مؤسسات الدولة خاضعة لمنطق الولاء بدلًا من منطق القانون، يفقد مبدأ المحاسبة مضمونه، وتتحول المسؤولية السياسية من تكليف لخدمة الصالح العام إلى وسيلة لحماية النفوذ وتوسيع دائرة المستفيدين منه.
وفي مثل هذه الظروف، لا تعود مكافحة الفساد مسألة إدارية أو قانونية بحتة، بل تصبح اختبارًا حقيقيًا لمدى استقلال مؤسسات الدولة وقدرتها على إخضاع الجميع للقانون، مهما علت مناصبهم. فالقانون الذي يُطبَّق على المسؤول الصغير ويُعطَّل عندما يتعلق الأمر بأعلى هرم السلطة لا يمكن اعتباره قانونًا يضمن المساواة، بل يتحول إلى أداة انتقائية تُستخدم بحسب موقع الشخص من مراكز النفوذ.
وتزداد خطورة الوضع عندما تصبح أجهزة الرقابة والمحاسبة عاجزة عن أداء دورها باستقلالية، أو عندما تتعرض لضغوط سياسية وإدارية توجّه عملها نحو الخصوم، في حين يُحاط المقربون من السلطة بحصانة غير معلنة. عندها لا تكون المشكلة في غياب النصوص القانونية بالضرورة، وإنما في غياب الإرادة السياسية لتطبيقها على الجميع دون استثناء.
كما أن احتكار السلطة لمفاتيح القرار السياسي والإداري والمالي يخلق بيئة مواتية لتضارب المصالح، ويضعف الرقابة المتبادلة بين المؤسسات. وحين تغيب الشفافية في إدارة المال العام، وتُحجب المعلومات عن المواطنين، وتُعامل المطالبة بكشف الحقائق باعتبارها تهديدًا للسلطة، يصبح من الصعب التمييز بين حماية مؤسسات الدولة وحماية الأشخاص الذين يتولون إدارتها.
ومن هنا، فإن مقاومة الفساد عندما تصل إلى قمة الهرم السياسي تحتاج إلى أكثر من الشجاعة الفردية؛ إنها تحتاج إلى مؤسسات مستقلة، وقضاء قادر على العمل دون تدخل، وإعلام يستطيع التحقيق والنشر بحرية ومسؤولية، ومجتمع مدني يملك الحق في الرقابة والمساءلة، ومواطنين يدركون أن المال العام ملك للمجتمع، وليس امتيازًا لمن يتولون إدارة شؤونه.
ولا يمكن في هذا السياق تجاهل الدور الذي قد تلعبه شبكات المصالح في إضعاف أي محاولة للإصلاح. فالمستفيدون من استمرار الوضع القائم قد يجدون في أي مسار جدي للمحاسبة تهديدًا لمكاسبهم ونفوذهم، ولذلك قد تتقاطع مصالحهم في مقاومة الإصلاح، حتى وإن اختلفت مواقعهم داخل أجهزة الدولة أو خارجها. وهكذا تتجاوز حماية الفساد حدود الشخص المتورط فيه لتصبح، في بعض الحالات، مصلحة مشتركة بين أطراف متعددة تخشى أن تؤدي المحاسبة إلى كشف شبكة أوسع من التجاوزات.
لكن الخلط بين الدولة والسلطة، وبين مؤسسات الدولة والأشخاص الذين يتولون إدارتها، يمثل أحد أخطر المداخل التي يمكن أن تُستخدم لإجهاض المطالبة بالمحاسبة. فالدولة ليست ملكًا للحاكم، ومؤسساتها ليست امتدادًا لمصالحه الشخصية، والاعتراض على ممارسات المسؤولين لا يعني بالضرورة معاداة الوطن أو السعي إلى هدم مؤسساته. بل إن إخضاع السلطة للقانون هو أحد الشروط الأساسية لحماية الدولة من الانحراف والاستبداد.
إن المساءلة السياسية والقضائية لا تعني إدانة أي شخص مسبقًا، كما أن إثارة شبهات الفساد لا تُغني عن التحقيق المستقل والأدلة والإجراءات القانونية العادلة. غير أن قرينة البراءة لا يجوز أن تتحول إلى ذريعة لمنع التحقيق، كما لا يجوز استخدام هيبة المنصب لإغلاق الأسئلة المشروعة أو إسكات المطالبين بالشفافية. فالمعيار الحقيقي لدولة القانون هو قدرتها على ضمان المحاسبة العادلة، لا إعفاء أصحاب المناصب العليا منها.
والأخطر من الفساد ذاته هو أن يفقد المواطن ثقته في إمكانية تغييره بالوسائل القانونية والمؤسساتية. فعندما يقتنع الناس بأن النفوذ يحمي أصحابه، وأن الولاء أهم من الكفاءة، وأن المساءلة تتوقف عند حدود معينة، تتآكل الثقة العامة وتتسع الهوة بين المجتمع ومؤسسات الحكم. وهذه الخسارة لا تُقاس فقط بالأموال المهدورة، بل تمتد إلى شرعية المؤسسات وقدرتها على الإقناع، وإلى استعداد المواطنين للمشاركة في الحياة العامة والإيمان بجدوى القانون.
لذلك، فإن تفكيك العلاقة بين الفساد والاستبداد يقتضي بناء منظومة تمنع تركّز السلطة دون رقابة، وتضمن استقلال أجهزة التحقيق والقضاء، وتحمي المبلّغين عن الفساد والصحفيين، وتكرّس الحق في الوصول إلى المعلومات، وتخضع الإنفاق العام والصفقات العمومية لمعايير الشفافية. كما يقتضي ترسيخ مبدأ أساسي لا يقبل الاستثناء: لا أحد فوق القانون، ولا منصب سياسي يمنح صاحبه حصانة من المساءلة عن أفعاله.
إن مقاومة الفساد في أعلى هرم السلطة ليست معركة ضد الدولة، بل هي معركة حول طبيعة الدولة نفسها: هل تكون دولة مؤسسات وقانون ومواطنة، أم تتحول إلى شبكة من المصالح تحمي نفسها بنفسها؟ وهل تكون السلطة مسؤولية مؤقتة ومقيّدة بالقانون، أم امتيازًا يُستخدم لتوسيع النفوذ وتأمين المصالح؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تتحدد بالشعارات المعلنة، بل بمدى استعداد السلطة لقبول الرقابة المستقلة، واحترام حرية التعبير، والخضوع للمساءلة، وقبول أن القانون الذي يُطبَّق على المواطنين والمسؤولين المحليين يجب أن يُطبَّق أيضًا على رئيس الدولة ومستشاريه ورئيس الحكومة والوزراء وسائر المسؤولين، دون انتقائية أو تمييز.
فحين تصبح المحاسبة خطرًا على السلطة بدلًا من أن تكون ضمانة لشرعيتها، وحين يُنظر إلى كشف الفساد باعتباره تهديدًا للنظام بدلًا من اعتباره فرصة لإصلاحه، تكون الأزمة قد تجاوزت حدود التجاوزات المالية والإدارية لتصبح أزمة في بنية الحكم وعلاقته بالقانون والمجتمع.
وفي نهاية المطاف، لا يمكن بناء دولة عادلة بمجرد تغيير الأشخاص إذا بقيت الآليات التي تسمح بتراكم النفوذ والإفلات من العقاب على حالها. فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ بإعلان الحرب على الفساد فحسب، بل بإقامة نظام مؤسساتي يجعل الفساد أكثر صعوبة، واكتشافه أكثر احتمالًا، ومحاسبة المتورطين فيه أمرًا لا يتوقف على مواقعهم أو علاقاتهم أو قربهم من السلطة.
فالدولة التي تحمي القانون تحمي نفسها، أما السلطة التي تجعل حماية نفسها أولوية على حماية القانون، فإنها تضعف الأساس الذي تستمد منه شرعيتها. وعندما يصبح الفساد وسيلة لحماية السلطة، وتصبح السلطة وسيلة لحماية الفساد، لا يعود الإصلاح مجرد خيار سياسي، بل يصبح ضرورة لاستعادة الثقة، وصون المال العام، وضمان خضوع الحكم للقانون.
من التشخيص إلى الفعل: كسر حلقة الفساد والاستبداد في المغرب
إذا كان الفساد يحمي السلطة، وكانت السلطة تحمي الفساد، فإن الخروج من هذه الحلقة لا يتحقق بمجرد تغيير الأشخاص أو إطلاق حملات ظرفية لمكافحة الفساد، بل يقتضي تغيير القواعد السياسية والمؤسساتية التي تسمح بتراكم النفوذ والإفلات من العقاب. فالمشكلة ليست فقط في وجود شبهات فساد، بل في قدرة المؤسسات على التحقيق فيها باستقلالية، والوصول إلى الحقيقة، وترتيب المسؤوليات دون انتقائية، مهما علت المناصب أو تشابكت المصالح.
ومن هنا، فإن الإصلاح الحقيقي في المغرب يقتضي تعزيز استقلال القضاء وأجهزة الرقابة، وتفعيل الرقابة البرلمانية، وضمان حرية الصحافة والتعبير، وحماية المبلّغين عن الفساد، وتكريس الحق في الوصول إلى المعلومات، وإخضاع الصفقات العمومية والإنفاق العام لمعايير الشفافية. كما يقتضي تحويل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة من شعار سياسي إلى ممارسة فعلية، من خلال إجراءات واضحة ونتائج قابلة للتحقق، لا من خلال الوعود والتصريحات وحدها.
ولا يمكن أن ينجح هذا المسار دون مجتمع قادر على ممارسة الرقابة والمساءلة بالوسائل الديمقراطية والسلمية، عبر العمل المدني والصحفي، والمشاركة السياسية الواعية، والمطالبة بكشف الحقائق ومتابعة تنفيذ الإصلاحات. فمكافحة الفساد ليست مهمة فرد أو حزب بعينه، بل مسؤولية مؤسساتية ومجتمعية تتطلب حماية الحق في النقد، ورفض تحويل المطالبة بالمحاسبة إلى تهمة، أو تصوير كشف التجاوزات باعتباره عداءً للدولة.
وفي المقابل، ينبغي التمييز بين الدولة والسلطة، وبين حماية المؤسسات وحماية الأشخاص الذين يتولون إدارتها. فالمطالبة بمحاسبة المسؤولين لا تعني هدم الدولة، بل تهدف إلى حمايتها من تغوّل المصالح الخاصة. كما أن إثارة شبهات الفساد لا تعني الإدانة المسبقة، وإنما تستوجب تحقيقًا مستقلًا وأدلة واضحة وإجراءات قانونية عادلة. فالدولة القوية ليست التي تمنع مساءلة أصحاب النفوذ، بل التي تضمن تطبيق القانون عليهم كما يُطبَّق على غيرهم.
وعليه، فإن المعيار الحقيقي للإصلاح في المغرب ليس عدد الحملات المعلنة ضد الفساد، بل مدى استعداد المؤسسات لتطبيق القانون على الجميع، ونشر المعلومات المتعلقة بتدبير المال العام، ومحاسبة المسؤولين عن التجاوزات المثبتة، ومنع تضارب المصالح، وضمان ألا تتحول المناصب العامة إلى امتيازات تحمي أصحابها من الرقابة. فالإصلاح الذي لا يمسّ آليات إنتاج الفساد وحمايته يظل إصلاحًا شكليًا، مهما تغيّرت الوجوه والشعارات.
وهنا يكمن جوهر المعركة السياسية: هل نريد سلطةً تجعل المحاسبة خطرًا على بقائها، أم دولةً تجعل المحاسبة ضمانةً لشرعيتها؟ إن الإجابة لا تتحدد بالخطابات، بل بمدى خضوع مراكز النفوذ للقانون، واستقلال المؤسسات، وقدرة المواطنين على مساءلة المسؤولين دون خوف أو تمييز.
إن المعركة ضد الفساد ليست معركة ضد المغرب، بل معركة من أجل مغرب لا يكون فيه أحد فوق القانون؛ مغربٍ تكون فيه السلطة مسؤوليةً لا امتيازًا، والمال العام أمانةً لا غنيمة، والمحاسبة حقًا مؤسساتيًا ومجتمعيًا لا إجراءً انتقائيًا. فحين تصبح الشفافية قاعدة، والمساءلة ممارسة فعلية، واستقلال المؤسسات ضمانةً للجميع، يمكن تفكيك العلاقة التي تجعل الفساد يحمي الاستبداد ويحمي الاستبداد الفساد.
فالمغرب لا يحتاج إلى شعارات جديدة لمحاربة الفساد بقدر ما يحتاج إلى مؤسسات قادرة على كشفه، وقانون يُطبَّق على الجميع، وإرادة سياسية تقبل المحاسبة دون استثناء. عندها فقط يصبح الإصلاح مشروعًا ملموسًا لاستعادة الثقة، وصون المال العام، وتعزيز كرامة المواطنين، وبناء دولة تستمد قوتها وشرعيتها من خضوع السلطة للقانون، لا من قدرتها على الإفلات منه.
#فريد_بوكاس (هاشتاغ)
Farid_Boukas#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟