أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فريد بوكاس - إسبانيا والمغرب: الانتخابات تبيّن الفرق بين المملكتين















المزيد.....

إسبانيا والمغرب: الانتخابات تبيّن الفرق بين المملكتين


فريد بوكاس
(Farid Boukas)


الحوار المتمدن-العدد: 8849 - 2026 / 10 / 5 - 20:58
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ألمانيا : فريد بوكاس ، صحفي باحث و ناشط سياسي

قد قام رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، بحل البرلمان والإعلان عن انتخابات تشريعية برلمانية سابقة لأوانها، بعدما عرفت شوارع عدة مدن إسبانية مظاهرات شعبية احتجاجًا على غلاء إيجار السكن والمعيشة، وأعتقد أن الحزب الشعبي هو من سيفوز في الانتخابات المقبلة، متبوعًا بالاشتراكيين. هذا ليس موضوعنا: بمن سيفوز أو سيخسر، وإنما المفارقة بين الملكية في إسبانيا والمغرب.

حيث تمت الانتخابات فيما يسمى بمملكة 12 قرنًا، ولم يشارك فيها سوى 6 ملايين مغربي، دون احتساب الأصوات الملغاة التي تتجاوز المليون، وكما تابعنا كيف جرت الانتخابات من تزوير مفضوح، ومن ذلك ما حدث في مكتب التصويت رقم 84 بمدينة طنجة، وتأخير وزير الداخلية عن إعلان النتائج حتى آخر ساعة من الليل ليعلن عن فوز حزب القصر الذي أسسه صديق ومستشار الملك، فؤاد الهمة. والكل يعلم كيف تم تأسيس هذا الحزب، والجرائم التي تورط فيها منذ تأسيسه إلى آخر استحقاق انتخابي، لا لشيء سوى أن القصر يريد أن يتولى الحزب زمام أمور السلطة التنفيذية والتشريعية، بتحالف مع أحزاب أخرى لها نفس الهدف، والأهداف، بالطبع، واضحة...

قد فاز من فاز، لكن هنا نريد أن نبين الفرق بين المملكتين. ففي المملكة الشمالية، تم حل البرلمان بسبب الاحتجاجات، بينما في المملكة الجنوبية، مملكة 12 قرنًا كما يصفها بعض مزوري التاريخ، مباشرة بعد النتائج تمت الزيادة في سعر المحروقات. أما الاحتجاجات، فنحن نعلم جيدًا أن الدولة ستخصص ميزانيات ضخمة لإخمادها بخراطيم المياه والاعتقالات التعسفية وكسر العظام ودهس الأطفال، وهذا ما حدث أثناء حراكي الريف وجرادة. بل ولا تزال الاعتقالات السياسية في مملكة 12 قرنًا مستمرة إلى يومنا هذا، فكل من نشر تدوينة يعبر فيها عن رأيه يتم الزج به في السجن بتهم جاهزة مسبقًا.

وهنا تتجلى المفارقة التي تستحق أن نتوقف عندها طويلًا: في إسبانيا، عندما تتحول الأزمات الاجتماعية والاحتجاجات الشعبية إلى أزمة سياسية، فإن المؤسسات السياسية تصبح مضطرة إلى التعامل معها، وقد يصل الأمر إلى حل البرلمان والعودة إلى صناديق الاقتراع. أما في المغرب، فإن الاحتجاجات الاجتماعية، مهما كان حجمها أو طبيعة المطالب التي ترفعها، كثيرًا ما تتحول إلى قضية أمنية، ويصبح التعامل معها قائمًا على المقاربة الأمنية بدل البحث عن جذور الأزمة وأسبابها.

في إسبانيا، المواطن الذي يخرج إلى الشارع احتجاجًا على غلاء السكن والمعيشة يفرض نفسه على أجندة الدولة والحكومة والأحزاب والمؤسسات. أما في المغرب، فالمواطن الذي يخرج للاحتجاج قد يجد نفسه أمام خراطيم المياه، والاعتقالات، والمحاكمات، وقد يتحول الاحتجاج على مطلب اجتماعي إلى ملف سياسي وأمني. وهنا لا يتعلق الأمر بمن يفوز في الانتخابات، ولا بمن يحتل المرتبة الأولى أو الثانية، وإنما يتعلق بالسؤال الأهم: ماذا تعني الانتخابات أصلًا للمواطن؟ هل تعني أن صوته قادر على تغيير الحكومة والسياسات؟ أم أنها مجرد عملية دورية لتغيير الوجوه، بينما تبقى مراكز القرار الحقيقية بعيدة عن صناديق الاقتراع؟

هذه هي المفارقة بين المملكتين. في إسبانيا، يمكن أن تؤدي أزمة سياسية واجتماعية إلى انتخابات مبكرة، ويمكن للمواطن أن يعاقب الحكومة أو يكافئها من خلال صناديق الاقتراع. أما في المغرب، فحتى عندما يتوجه المواطن إلى صناديق الاقتراع، يبقى السؤال مطروحًا حول مدى قدرة الحكومة والبرلمان على ممارسة سلطة سياسية حقيقية ومستقلة، في ظل الصلاحيات الواسعة التي يحتفظ بها القصر.

ولذلك فإن الحديث عن الانتخابات باعتبارها دليلًا كافيًا على الديمقراطية يبقى حديثًا ناقصًا. الديمقراطية ليست فقط يوم الاقتراع، وليست فقط أوراقًا توضع في الصناديق، وليست فقط أرقامًا تعلنها وزارة الداخلية في ساعة متأخرة من الليل. الديمقراطية هي أن يكون المواطن قادرًا على اختيار من يحكمه، وقادرًا على محاسبة من انتخبه، وقادرًا على الاحتجاج عندما يفشل المسؤولون، وقادرًا على التعبير عن رأيه دون أن يتحول منشور على مواقع التواصل الاجتماعي إلى سبب لدخوله السجن. أما عندما يصبح التعبير عن الرأي جريمة، والاحتجاج جريمة، وانتقاد المسؤولين جريمة، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما معنى كل هذه الانتخابات؟

لقد شاهدنا في حراك الريف كيف تحولت مطالب اجتماعية واقتصادية إلى واحدة من أكبر الأزمات السياسية في السنوات الأخيرة، وشاهدنا كذلك ما وقع في جرادة، حيث خرج المواطنون للمطالبة بحقوق اجتماعية واقتصادية، لكن الرد الرسمي كان أمنيًا بالدرجة الأولى. والسؤال هنا ليس ما إذا كان المحتجون على حق في كل ما طالبوا به أم لا؛ السؤال هو: لماذا تصل الدولة أصلًا إلى مرحلة يصبح فيها المواطن مضطرًا إلى النزول إلى الشارع حتى يسمع صوته؟ ولماذا لا تستطيع المؤسسات المنتخبة أن تكون الوسيط الطبيعي بين المواطن والدولة؟ ولماذا يبقى الشارع هو المكان الذي يلجأ إليه المواطن عندما يفقد الثقة في المؤسسات؟

هذه الأسئلة أهم بكثير من السؤال التقليدي: من فاز في الانتخابات؟ فالذي يهم المواطن في نهاية المطاف ليس اسم الحزب الذي حصل على أكبر عدد من المقاعد، وإنما ما إذا كان هذا الحزب قادرًا على تغيير حياته، وتوفير السكن والعمل والصحة والتعليم والكرامة. أما أن تتغير الأحزاب وتبقى السياسات نفسها، وأن تتغير الوجوه وتبقى موازين السلطة نفسها، فهنا يصبح من حق المواطن أن يتساءل عن الجدوى الحقيقية من العملية الانتخابية.

وفي إسبانيا، عندما خرج الناس إلى الشوارع بسبب غلاء السكن والمعيشة، تحولت القضية إلى أزمة سياسية وصلت إلى البرلمان والحكومة والانتخابات. أما في المغرب، فعندما يخرج الناس إلى الشوارع، فإن السؤال الذي يطرح نفسه غالبًا ليس: ماذا يريد هؤلاء المواطنون؟ وإنما: كيف يمكن إخماد الاحتجاج؟ وهذه، في حد ذاتها، هي المفارقة.

مملكتان، وانتخابات، وملكية في الشمال وملكية في الجنوب، لكن المسافة بين التجربتين لا تقاس بالجغرافيا، وإنما بطريقة تعامل الدولة مع المواطن، وبمدى قدرة المؤسسات على الاستجابة لمطالب المجتمع. ثم يأتي البعض ليحدثنا عن «مملكة 12 قرنًا»، وكأن عدد القرون يمكن أن يكون بديلًا عن الديمقراطية، وكأن التاريخ يمكن أن يكون حجة على الحاضر.

التاريخ لا يمنح أي نظام سياسي شيكًا على بياض. والشرعية التاريخية، مهما كانت الرواية التي تُبنى حولها، لا تعفي الدولة من مسؤوليتها تجاه المواطن اليوم. فالمواطن المغربي لا يعيش في القرن الثاني عشر، ولا يدفع فواتيره بعملات تاريخية، ولا يواجه غلاء المعيشة بلغة الماضي. إنه يعيش في القرن الحادي والعشرين، ويقارن نفسه بما يحدث في العالم من حوله، ويرى كيف يمكن للاحتجاج أن يؤدي في بعض الدول إلى تغيير حكومي وانتخابات مبكرة، بينما يمكن أن يؤدي الاحتجاج في دول أخرى إلى الاعتقال والمحاكمة.

ولهذا فإن الانتخابات ليست مجرد أرقام، وليست مجرد نسبة مشاركة، وليست مجرد إعلان للنتائج. الانتخابات الحقيقية هي التي تجعل المواطن يشعر بأن صوته له قيمة، وأنه يستطيع أن يغير، وأن بإمكانه أن يحاسب، وأن الحكومة التي اختارها يمكن أن تسقط إذا فشلت. أما إذا كان المواطن يصوت ثم يكتشف أن مراكز القرار الحقيقية موجودة في مكان آخر، فإن السؤال سيبقى قائمًا: هل نحن أمام ديمقراطية حقيقية، أم أمام انتخابات داخل نظام لا تزال قواعد اللعبة فيه محددة سلفًا؟

قد يفوز من يفوز، وقد يخسر من يخسر، وقد تتغير التحالفات، وقد تتغير أسماء الأحزاب. لكن القضية الحقيقية ليست في أسماء الفائزين. القضية في المواطن، القضية في حريته، القضية في حقه في الاحتجاج، القضية في حقه في التعبير، القضية في حقه في اختيار من يحكمه ومحاسبته.

وهنا بالضبط تكمن المقارنة بين إسبانيا والمغرب، وبين المملكة الشمالية والمملكة الجنوبية. ففي الأولى، عندما يهتز الشارع، تهتز معه المؤسسات السياسية. وفي الثانية، عندما يهتز الشارع، تهتز معه القبضة الأمنية. وهذه ليست مسألة فوز حزب أو خسارته، وإنما مسألة معنى السياسة نفسها، ومعنى الانتخابات، ومعنى أن يكون المواطن مواطنًا كامل الحقوق، لا مجرد رقم يُستدعى إلى صندوق الاقتراع مرة كل بضع سنوات.



#فريد_بوكاس (هاشتاغ)       Farid_Boukas#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل تخلى المغرب عن سبتة ومليلية؟
- المعتقلون السياسيون في المغرب بين مطرقة الملكية وسندان حزب ا ...
- المغرب: رئاسة الحكومة والفساد
- حين يصبح في المغرب رئيس الحكومة مزوراً
- حزب الأصالة والمعاصرة المغربي: من الهمة إلى المنصوري... من أ ...
- حزب المخدرات والجرار في المغرب : من وراء تصدّره الانتخابات؟
- انتخابات 23 شتنبر 2026 في المغرب: صناديق الاقتراع أم إعادة ت ...
- المغرب تحت كشاف الظلال: شبابٌ يتحولون إلى أرقام... وانتخابات ...
- فتح السفارات المغربية والإسرائيلية: تطبيع قديم وإعلان في توق ...
- المغرب: أناشيد الكناسين وصمت المسجونين
- انتخابات المغرب: حين تصبح الديمقراطية مجرد ديكور... والورقة ...
- الانتخابات في المغرب: هل ننتخب الحكومة أم نعيد انتخاب الواجه ...
- المرأة ليست سلعة ولا سلاحًا ولا شعارًا موسميًا
- المغرب: من يملك مفتاح البيت؟
- العاهل المغربي… أين «حفيد الرسول» عندما يُطعن في أحاديث جده؟
- الشارع المغربي والكرسي المحمدي
- الملكية في المغرب: من الرعية إلى المواطن وتفكيك أسطورة البطل
- خطاب جلالة الملك إلى الأمة في الذكرى الوطنية المجيدة
- المغرب في عهد محمد السادس: المليارات للمونديال... والشباب لل ...
- المغرب وإسبانيا وسبتة: من فتح الباب؟


المزيد.....




- الأمير السابق أندرو يقاضي شرطة بريطانيا على خلفية اعتقاله بس ...
- -ليس مضيق هرمز-.. ترامب يتحدث عن سبب ارتفاع أسعار البنزين في ...
- الحوثيون ينشرون مشاهد توثق سيطرتهم على منزل رئيس مجلس القياد ...
- سانشيز يدعو لانتخابات مبكرة في إسبانيا بعد أزمة السكن، فلماذ ...
- التحالف بقيادة السعودية يعلن رسميا مشاركته في الهجوم ضد الحو ...
- المنصوري على رأس حكومة المغرب: هل تتجاوز الرمزية لحسم التحدي ...
- ترامب يؤكد أن مضيق هرمز لم يعد السبب وراء ارتفاع أسعار البنز ...
- فانس: اعتبارات أمنية وراء سحب القاذفات الأمريكية من قاعدة في ...
- الدفاع الروسية تعلن تدمير سفينة شحن تنقل إمدادات للقوات الأو ...
- اندلاع حريق على متن حاملة الطائرات النووية الفرنسية الوحيدة ...


المزيد.....

- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فريد بوكاس - إسبانيا والمغرب: الانتخابات تبيّن الفرق بين المملكتين