فريد بوكاس
(Farid Boukas)
الحوار المتمدن-العدد: 8843 - 2026 / 9 / 29 - 23:07
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ألمانيا : فريد بوكاس ، صحفي باحث و ناشط سياسي
سبق لي أن نشرت مقالاً أثناء الحملة الانتخابية في المغرب، وذكرت فيه أن حزب الجرار هو من سيفوز في الانتخابات بشتى الطرق، المشروعة وغير المشروعة، والدليل على ذلك، في تقديري، ما حدث في مدينة طنجة، وبالتحديد في مكتب التصويت رقم 84، من تزوير مباشر أمام أعين السلطات، وكذا تأخر وزير الداخلية في إعلان النتائج.
وعلينا أن نعلم أن عدد سكان المغرب يقارب 40 مليون نسمة، وعدد المؤهلين للتصويت يبلغ حوالي 25 مليوناً، بينما يبلغ عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية نحو 15 مليوناً و700 ألف، ولم يصوّت منهم سوى حوالي 6 ملايين، ناهيكم عن ملايين الأصوات الملغاة أو تلك التي، بحسب ما أثير من اتهامات وشبهات، تم احتسابها لصالح حزب الجرار.
وقد تبدو هذه الأرقام، في حد ذاتها، مجرد معطيات إحصائية، لكنها تصبح أكثر دلالة عندما نضعها في سياق المشهد السياسي العام. فحين تكون المشاركة محدودة إلى هذا الحد، وحين تترافق العملية الانتخابية مع اتهامات بالتلاعب في بعض مكاتب التصويت، فإن السؤال لا يعود متعلقاً فقط بمن حصل على أكبر عدد من المقاعد، وإنما يمتد إلى مدى ثقة المواطن في العملية الانتخابية برمتها، وفي قدرة المؤسسات على حماية صوته وضمان احتسابه كما أدلى به.
ومن هنا تحديداً يبدأ الخيط الذي يقودنا إلى طنجة، المدينة التي لم تنتهِ قصتها بانتهاء الانتخابات، بل عادت إلى واجهة الأحداث من جديد، وهذه المرة من خلال قضية أثارت أسئلة أكثر عمقاً حول نزاهة العملية الانتخابية وحول المسؤوليات السياسية والإدارية المرتبطة بها.
عودة عمدة طنجة... صدفة أم صفقة سياسية؟
بعد فرار عمدة طنجة، صاحب الفضيحة العظمى المشهورة بصاحب الحقيبة، عاد إلى المغرب.
وهنا لا يمكن أن تمر عودته مرور الكرام، لأن مغادرته إلى إسبانيا ثم عودته إلى المغرب، في ظل الظروف التي رافقت القضية، تطرح في نظري أكثر من سؤال. وأنا أقولها بوضوح: إنني لا أعتقد أن عودته كانت من تلقاء نفسه، وخصوصاً بعدما التحقت به عائلته إلى إسبانيا. ولو لم يتلقَّ، في تقديري، وعوداً أو ضمانات من أصحاب القرار، فما الذي كان سيدفعه إلى العودة إلى المغرب بعد مغادرته؟
إنني لا أتعامل مع هذه العودة باعتبارها تفصيلاً شخصياً منفصلاً عن السياق السياسي، وإنما أراها حلقة في مسلسل يستحق التوقف عنده. فحين يغادر مسؤول سياسي بارز البلاد، ثم يعود إليها في ظرف سياسي حساس، فإن من حق الرأي العام أن يتساءل عن الاتصالات التي سبقت العودة، وعن الضمانات التي ربما قُدمت له، وعن الأسباب التي جعلته يغيّر موقفه.
وقد تقول الجهات المعنية إن عودته كانت قراراً شخصياً، وقد يقدم هو نفسه تفسيراً مختلفاً، لكنني أحتفظ بقراءتي السياسية للموضوع: لقد عاد لأنه تلقى وعوداً وضمانات من أصحاب القرار.
وهذه، بالنسبة إليّ، ليست نهاية السؤال وإنما بدايته؛ لأن عودة المسؤول إلى البلاد لا تنفصل عن السؤال الأوسع المتعلق بمن يملك القدرة على إدارة الأزمات السياسية، ومن يقرر متى يبدأ الضغط ومتى ينتهي، ومتى يُفتح الباب أمام العودة.
واليوم، بعدما عادت قضية طنجة إلى الواجهة في سياق التحقيق في أوراق تصويت يشتبه في التلاعب بها، يصبح الربط بين الأحداث أكثر إلحاحاً. فهل كانت مغادرة عمدة طنجة ثم عودته مجرد مسألة شخصية، أم أن وراءها ترتيبات سياسية لم يُكشف عنها بعد؟ وهل نحن أمام وقائع منفصلة، أم أمام حلقات مترابطة ضمن مشهد سياسي واحد؟
هل كان القصر وراء صناعة النتيجة؟
وهنا أصل إلى النقطة الأكثر حساسية في هذا المقال، والتي سبق أن تحدثت عنها بوضوح. فإذا كانت قضية طنجة تطرح سؤالاً حول كيفية تدبير العملية الانتخابية على المستوى المحلي، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بعد ذلك هو: هل كان ما حدث محصوراً في تجاوزات فردية، أم أنه كان جزءاً من توجه سياسي أوسع؟
أنا أعتقد أن ما جرى خلال الانتخابات، بما في ذلك ما أعتبره تلاعباً وتزويراً في بعض المحطات، لم يكن بعيداً عن إشراف القصر الملكي نفسه.
وأذهب أبعد من ذلك: إنني أعتقد أن الهدف من هذه العملية كان دفع حزب الأصالة والمعاصرة، أو حزب الجرار، إلى صدارة المشهد السياسي المغربي، تمهيداً لإمكانية تعيين أول امرأة رئيسة للحكومة في المغرب، بما يخدم صورة المغرب في الخارج ويمنح النظام السياسي ورقة جديدة للتسويق الدولي.
وهذا الاعتقاد، بالنسبة إليّ، لا يأتي من فراغ، وإنما من قراءتي لمسار الأحداث وتتابعها، ومن الطريقة التي صعد بها حزب الجرار داخل المشهد السياسي، ومن طبيعة الشخصيات التي تولت قيادته، ومن العلاقة التي ظلت تحيط بالحزب، منذ تأسيسه، بأسئلة تتعلق بالقرب من دوائر القرار.
قد يختلف معي البعض في هذا التحليل، وقد يرفضه آخرون بالكامل، لكنني أطرح هنا قراءة سياسية للأحداث كما أراها، لا حكماً قضائياً نهائياً. ومع ذلك، فإن خطورة ما أطرحه هي تحديداً ما يجعلني أرى ضرورة فتح النقاش حوله بدلاً من دفنه تحت عنوان «مجرد إشاعات».
فإذا كان ما حدث مجرد تجاوزات فردية، فمن حق المغاربة أن يعرفوا من ارتكبها ومن استفاد منها. أما إذا كان الأمر أكبر من ذلك، وكانت هناك إرادة سياسية لتوجيه النتائج أو صناعة مشهد حزبي معين، فإن المسؤولية تصبح أكثر خطورة، لأن الأمر عندها لا يتعلق بمخالفة انتخابية عابرة، وإنما بمسألة تمس جوهر العلاقة بين الدولة والمواطن.
فاطمة الزهراء المنصوري... الحلقة الأخيرة؟
ومن هنا نصل إلى فاطمة الزهراء المنصوري، التي أرى أن مسارها السياسي يندرج ضمن الصورة التي أتحدث عنها. فقد تم انتخابها على رأس حزب الأصالة والمعاصرة بالإجماع ودون منافس، وهو أمر يطرح بدوره سؤالاً مشروعاً حول طبيعة الحياة الداخلية للأحزاب المغربية، وحول حقيقة الاستقلالية التي تتمتع بها هذه الأحزاب في اختيار قياداتها.
وهنا لا يتعلق الأمر بشخص فاطمة الزهراء المنصوري وحدها، وإنما بنظام سياسي كامل يجعل السؤال حول كيفية صعود القيادات الحزبية سؤالاً مشروعاً. فإذا كان الحزب يفترض أن يكون مؤسسة ديمقراطية، فإن اختيار القيادة يجب أن يكون انعكاساً لإرادة قواعده ومناضليه، لا نتيجة ترتيبات تأتي من خارج المؤسسات الحزبية.
وأنا أذهب إلى أبعد من ذلك، وأقول إن زعماء الأحزاب في المغرب لا يصلون إلى مواقعهم الكبرى بمعزل عن إرادة القصر ومراكز القرار، بل إن اختيارهم، في كثير من الحالات، يتم وفق ترتيبات سياسية تكون الأجهزة التابعة للدولة طرفاً أساسياً فيها.
قد يرفض البعض هذا الطرح، وقد يعتبره مبالغة سياسية، لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه هو: إلى أي حد تستطيع الأحزاب المغربية أن تختار قياداتها وبرامجها وتوجهاتها باستقلالية كاملة عن مراكز القرار؟
وهذا السؤال يقودنا بالضرورة إلى معنى الديمقراطية نفسها. فالديمقراطية لا تبدأ يوم يذهب المواطن إلى صندوق الاقتراع، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير، داخل الأحزاب والمؤسسات التي تقدم المرشحين وتحدد البرامج وتنتج النخب السياسية.
فإذا كان زعيم الحزب يصل إلى موقعه نتيجة توافقات وترتيبات خارجية، وإذا كانت بعض الأسماء تُدفع إلى الواجهة السياسية وفق حسابات تتجاوز إرادة المناضلين والناخبين، فإن الحديث عن استقلالية القرار الحزبي يصبح محل تساؤل، ويصبح الصندوق الانتخابي، مهما كانت سلامة إجراءات التصويت داخله، جزءاً فقط من صورة أكبر.
لماذا حزب الجرار؟
ومن هنا يصبح السؤال عن حزب الجرار أكثر إلحاحاً. فالسؤال الذي أطرحه هنا ليس: هل حزب الأصالة والمعاصرة حزب قانوني؟ بالطبع هو كذلك. وليس السؤال: هل له أنصار وقاعدة انتخابية؟ بالطبع له ذلك.
وإنما السؤال الحقيقي هو: هل كان صعود الحزب إلى هذه المكانة نتيجة طبيعية لتطور قوته الانتخابية فقط، أم أن هناك إرادة سياسية عليا ساهمت في دفعه إلى الواجهة؟
هذا السؤال لا يمكن فصله عن تاريخ الحزب نفسه، ولا عن الطريقة التي ظهر بها في المشهد السياسي، ولا عن الشخصيات التي ارتبطت به، ولا عن موقعه داخل موازين القوى السياسية. فمنذ تأسيس حزب الجرار، ظل اسمه مرتبطاً في النقاش السياسي المغربي بفكرة القرب من دوائر القرار. وقد نفى الحزب وأنصاره في مناسبات مختلفة هذه الصورة، وقدموا الحزب باعتباره قوة سياسية مستقلة لها مشروعها وقواعدها.
لكن المسألة، في رأيي، لا تحسم بالتصريحات وحدها، وإنما بقراءة الوقائع ومسار الأحداث. ومن هنا تأتي أهمية الربط بين النتائج الانتخابية، والتحالفات، وصعود بعض القيادات، وطريقة تدبير الأزمات، ومن يستفيد سياسياً من كل محطة.
وحين توضع هذه العناصر جنباً إلى جنب، يصبح من المشروع طرح السؤال حول ما إذا كان صعود الحزب مجرد نتيجة انتخابية طبيعية، أم أنه كان أيضاً جزءاً من هندسة سياسية أوسع.
طنجة ليست مجرد مدينة
ولهذا فإن طنجة ليست بالنسبة إليّ مجرد مدينة وقعت فيها واقعة انتخابية، وإنما أصبحت رمزاً لسؤال أكبر يتعلق بالانتخابات المغربية كلها. فإذا كان ما حدث في مكتب التصويت رقم 84 مجرد حادثة معزولة، فليتم كشف الحقيقة كاملة. وإذا كان الأمر يتعلق بأشخاص محددين، فليتم تحديد مسؤولياتهم ومحاسبتهم. أما إذا كان هناك تنظيم أو توجيه أو تدخل سياسي، فإن المغاربة من حقهم أن يعرفوا الحقيقة أيضاً.
والأهم من ذلك أن قضية طنجة لا ينبغي أن تُقرأ بمعزل عن باقي المشهد. فحين تتكرر الأسئلة حول نزاهة الانتخابات، ثم تظهر قضية جديدة مرتبطة بأوراق التصويت، ثم يدخل مسؤولون سياسيون في دائرة التحقيق، فإن من الطبيعي أن ترتفع الأصوات المطالبة بتفسير واضح وشامل.
لا يمكن أن تكون الديمقراطية مجرد يوم انتخابي، ثم تُغلق الأبواب بعد إعلان النتائج. ولا يمكن أن يُطلب من المواطن أن يثق في الصندوق، بينما تظل الأسئلة الكبرى حول كيفية تدبير العملية الانتخابية دون إجابات مقنعة.
فالانتخابات ليست مجرد أرقام تعلنها وزارة الداخلية، وإنما هي قبل كل شيء عقد ثقة بين المواطن والمؤسسات. وإذا اهتزت هذه الثقة، فإن الضرر لا يصيب حزباً واحداً، وإنما يصيب صورة المؤسسات كلها.
السؤال الذي سيبقى مفتوحاً
لهذا كله، أنا لا أزعم أن كل ما أقوله قد صدر بشأنه حكم قضائي، ولا أحتاج إلى ذلك حتى أطرح الأسئلة التي أراها مشروعة. أنا أكتب كمواطن وصحفي يحاول أن يقرأ الأحداث من زاويته، ويضع الوقائع والأسئلة أمام الرأي العام. وأقولها بوضوح مرة أخرى: أعتقد أن صعود حزب الجرار لم يكن نتيجة الانتخابات وحدها، وأن القصر الملكي كان، في تقديري، مشرفاً على عملية سياسية هدفت إلى دفع الحزب إلى صدارة المشهد.
وأعتقد كذلك أن عودة عمدة طنجة إلى المغرب لم تكن قراراً شخصياً محضاً، وأنه عاد بعدما تلقى وعوداً وضمانات من أصحاب القرار.
وقد يثبت المستقبل أنني كنت مخطئاً، وقد تكشف التحقيقات والوثائق أن هذه القراءة كانت أقرب إلى الحقيقة مما يعتقد البعض. لكن ما لا يمكن فعله هو إغلاق باب الأسئلة، لأن الأسئلة هي التي تفتح الطريق أمام البحث عن الحقيقة ، فالسياسة لا تُقرأ فقط من خلال البيانات الرسمية، وإنما أيضاً من خلال ما يحدث خلف الستار، ومن خلال توقيت الأحداث، ومن خلال الأشخاص الذين يصعدون، والذين يسقطون، والذين يغادرون، ثم يعودون.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأكبر:
هل كانت نتائج الانتخابات تعبيراً خالصاً عن إرادة الناخب المغربي، أم أن الإرادة الانتخابية كانت تتحرك داخل هامش رسمته مسبقاً مراكز القرار؟
هذا السؤال لا أطرحه لأقدم إجابة جاهزة، وإنما لأفتح نقاشاً يجب أن يكون أوسع من حزب أو مدينة أو انتخابات. فالمسألة في جوهرها ليست قضية حزب الجرار وحده، ولا قضية عمدة طنجة وحده، ولا حتى قضية انتخابات واحدة. إنها قضية علاقة المواطن بالدولة، وعلاقة الأحزاب بمراكز القرار، وحدود السلطة، ومعنى الديمقراطية في المغرب و الحقيقة، مهما كانت ثقيلة، تبقى أفضل من الصمت.
#فريد_بوكاس (هاشتاغ)
Farid_Boukas#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟