فريد بوكاس
(Farid Boukas)
الحوار المتمدن-العدد: 8829 - 2026 / 9 / 15 - 10:14
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ألمانيا : فريد بوكاس ، صحفي باحث و ناشط سياسي
بين مقاطعة صناديق الاقتراع والتصويت بورقة بيضاء، يقف المواطن المغربي أمام سؤال أكبر من مجرد اختيار حزب: هل نحن أمام انتخابات لتغيير الواقع، أم أمام مسرحية سياسية تتبدل فيها الوجوه ويبقى القرار في مكانه؟
بدأت الحملة الانتخابية التشريعية في المغرب، وبدأ معها موسم الوعود، والخطابات المنمقة، والابتسامات الانتخابية التي تظهر فجأة، وكأن المواطن لا يتذكر شيئا من السنوات الماضية. أحزاب تستنفر قواعدها، ومرشحون يرفعون شعارات الإصلاح، وبرامج انتخابية تعد بما عجزت حكومات متعاقبة عن تحقيقه. وفي الجهة المقابلة، مواطن فقد ثقته، وشباب لا يرى في السياسة سوى باب مغلق، وأسر تزداد معاناتها مع الغلاء، والصحة، والتعليم، والبطالة، والإدارة. مواطن يسأل، بمرارة مشروعة: ماذا تغير بعد كل هذه الانتخابات؟ بين من يدعو إلى المقاطعة، ومن يعتقد أن التصويت بورقة بيضاء هو أقصى درجات الاحتجاج، تبرز حقيقة سياسية لا ينبغي تجاهلها: ليس كل احتجاج انتخابي مقاطعة، وليس كل مشاركة رفضا للنظام السياسي.
الورقة البيضاء: احتجاج داخل اللعبة أم رفض للعبة؟
من يختار التصويت بورقة بيضاء يعتقد غالبا أنه يرسل رسالة غضب إلى الأحزاب، وأنه يشارك في الانتخابات دون أن يمنح صوته لأي مرشح. لكن هذا الموقف، مهما كانت دوافعه، يظل مشاركة في العملية الانتخابية. أما المقاطعة، فهي الامتناع عن التصويت أصلا. وهي بالنسبة إلى أصحابها إعلان واضح بأنهم لا يريدون أن يكونوا جزءا من عملية انتخابية لا يرون فيها ضمانات كافية للتغيير. الفرق ليس شكليا. التصويت بورقة بيضاء يقول: «أنا حاضر، لكنني لا أختار أحدا». أما المقاطعة فتقول: «أنا أرفض المشاركة في هذه العملية بالشكل الذي تجري به». لكن من الضروري توضيح نقطة أساسية: الورقة البيضاء لا تمنح تلقائيا أصواتا للأحزاب، والمقاطعة لا تسقط الانتخابات قانونيا بمجرد ارتفاع عدد المقاطعين. غير أن كلا الموقفين يحمل رسالة سياسية مختلفة، ويجب ألا تختلط الدقة القانونية بالرغبة في التعبير عن الغضب. فإذا كان الهدف هو رفض منح العملية الانتخابية مشاركة شعبية، فإن المقاطعة تحقق هذا المعنى أكثر من التصويت بورقة بيضاء.
من يختار الحكومة فعلا؟ سؤال القصر والانتخابات
هنا نصل إلى جوهر الأزمة السياسية المغربية: علاقة الانتخابات بموازين السلطة، وبالدور الذي يلعبه القصر في توجيه الحياة السياسية. في المغرب، لا يمكن فهم المشهد الانتخابي بمعزل عن المكانة الدستورية والسياسية للملكية، وعن الصلاحيات التي يملكها الملك في تعيين رئيس الحكومة، وتعيين عدد من المسؤولين، والتأثير في التوجهات الكبرى للدولة. ومن هذا المنطلق، يطرح المواطن سؤالا مشروعا ومحرجا: هل تملك الأحزاب فعلا القدرة على تغيير السياسات الكبرى، أم أنها تتحرك داخل سقف سياسي محدد سلفا؟ وهل يمكن لحزب أن يصل إلى الحكومة ببرنامج إصلاحي جذري، ثم يجد نفسه عاجزا عن تنفيذ وعوده، لأن القرار الحقيقي موزع بين مؤسسات ومراكز نفوذ لا تخضع كلها للمحاسبة الانتخابية المباشرة؟ هذه الأسئلة ليست ترفا سياسيا. إنها صلب النقاش حول معنى الديمقراطية في المغرب. فالانتخابات لا تكون ديمقراطية بالمعنى العميق لمجرد أن المواطن يضع ورقة في صندوق. الديمقراطية تعني أيضا أن يكون لصوته أثر حقيقي في صناعة القرار، وأن تكون الحكومة قادرة على تنفيذ برنامجها، وأن تكون المسؤولية السياسية قابلة للمحاسبة.
تزوير الانتخابات: اتهام خطير أم أزمة ثقة؟
لا يمكن الحديث عن الانتخابات المغربية دون التوقف عند مسألة نزاهتها، وما يثار من اتهامات بالتزوير والتلاعب بالنتائج لصالح أحزاب بعينها. هناك خطاب سياسي وشعبي يرى أن نتائج الانتخابات قد تُوجَّه، بشكل مباشر أو غير مباشر، لخدمة الحزب الذي يراه القصر مناسبا لتدبير المرحلة، وحماية مصالحه السياسية والاقتصادية. وهذا الاتهام، إن ثبت في وقائع محددة، سيكون ضربة قاسية لمبدأ التنافس الديمقراطي. لكنه يظل اتهاما يحتاج إلى أدلة موثقة، ولا يصح تقديمه كحقيقة ثابتة دون إثبات. ومع ذلك، فإن مجرد استمرار الشكوك حول نزاهة الانتخابات يكشف عن أزمة ثقة عميقة. فالمواطن الذي لا يثق في شفافية العملية الانتخابية لن يقتنع بسهولة بأن تغيير الحزب الحاكم يعني بالضرورة تغيير السياسات. السؤال ليس فقط: من فاز؟ بل أيضا: كيف فاز؟ ومن راقب العملية؟ وهل كانت المنافسة متكافئة؟ وهل تمت محاسبة كل من ثبت تورطه في خرق القانون؟ الديمقراطية لا تعني فقط إعلان النتائج، بل تعني أن يثق المواطن في الطريق الذي أوصل إليها.
الأحزاب المغربية: اختلاف في الألوان، وتشابه في المدار
المشهد الحزبي المغربي يعج بالأسماء والشعارات، لكن المواطن كثيرا ما يجد نفسه أمام السؤال ذاته: أين هو الاختلاف الحقيقي؟ أحزاب تتنافس على المقاعد، وتقدم نفسها باعتبارها البديل، ثم تلتقي، عند الوصول إلى تدبير الشأن العام، في اختيارات متقاربة. برامج تتحدث عن الإصلاح، وحملات تعد بالتغيير، لكن النتائج لا تعكس حجم الوعود. هل نحن أمام تعدد حزبي حقيقي، أم أمام أحزاب تدور كلها في فلك سياسي واحد، تتحرك داخله دون أن تقترب من الأسئلة الكبرى المتعلقة بالسلطة والثروة والعدالة الاجتماعية؟ حين تصبح الاختلافات الحزبية مجرد اختلاف في الخطاب، وحين يتحول التنافس إلى صراع على المواقع أكثر منه صراعا حول المشاريع، فإن الديمقراطية تفقد جزءا من معناها. المواطن لا يريد عشرات الأحزاب التي تتنافس على صوته، ثم تتشابه في تدبيرها للواقع. يريد أحزابا مختلفة فعلا، تقدم حلولا مختلفة، وتتحمل مسؤولية نتائجها.
الديمقراطية ليست كثرة الأحزاب
الديمقراطية الحقيقية لا تكمن في كثرة الأحزاب، ولا في عدد المرشحين، ولا في ضخامة الحملات الانتخابية. الديمقراطية هي أن يجد المواطن من يستمع إلى مشاكله. أن يجد مستشفى يحفظ كرامته، ومدرسة تضمن لأبنائه مستقبلا، وإدارة لا تهينه، وفرصة عمل تمنحه الاستقلال، وعدالة اجتماعية لا تبقى شعارا في البرامج الانتخابية. الحزب الذي لا يظهر إلا أثناء الانتخابات، ثم يختفي بعد تشكيل الحكومة، لا يحق له أن يطلب ثقة غير مشروطة. والحكومة التي تتغير ألوانها دون أن يتغير واقع المواطن، لا يمكنها أن تقنع الناس بأن التغيير قد حدث. فما قيمة تغيير الحكومة إذا بقيت الأسعار ترتفع، والبطالة تتسع، والخدمات العمومية تتراجع، والمواطن ينتظر سنوات من أجل حق يفترض أن يكون مضمونا؟ حين تتشكل الحكومة، لا ينبغي أن يتغير الديكور فقط. ينبغي أن يتغير الواقع.
القصر، الحزب، والحكومة: أين تنتهي مسؤولية الناخب؟
في النظام السياسي المغربي، لا يمكن اختزال السلطة كلها في الحكومة، كما لا يمكن اختزال المسؤولية كلها في الأحزاب. لكن المواطن من حقه أن يعرف: من يقرر؟ من يوجه؟ من يتحمل المسؤولية؟ ومن يملك القدرة على تغيير السياسات؟ إذا كانت الحكومة لا تملك هامشا كافيا لتنفيذ برنامجها، وإذا كانت القرارات الكبرى تُصنع خارج نطاق المنافسة الحزبية والمحاسبة الانتخابية، فإن الانتخابات تتحول إلى عملية لتوزيع المسؤوليات الظاهرة، دون أن تمس بالضرورة مراكز القرار الفعلية. وهنا تتعمق أزمة الثقة. لأن المواطن لا يريد أن يصوت فقط من أجل تغيير الواجهة، بل من أجل تغيير طريقة تدبير الدولة، وتحقيق العدالة، وتوسيع مجال المحاسبة. أما أن يذهب إلى الصندوق، ثم يكتشف أن ما تغير هو اسم الحزب وشكل الخطاب، فذلك يجعل السؤال عن جدوى المشاركة أكثر إلحاحا.
المقاطعة: رسالة غضب لا ينبغي الاستهانة بها
المقاطعة ليست بالضرورة حلا لكل مشاكل الديمقراطية، وليست ضمانة تلقائية للتغيير. لكنها، بالنسبة إلى من يختارها، موقف سياسي واضح: رفض المشاركة في استحقاق لا يراه قادرا على تحقيق التحول المطلوب. أما التصويت بورقة بيضاء، فهو احتجاج داخل العملية الانتخابية. وقد يكون تعبيرا مشروعا عن عدم الرضا، لكنه لا يساوي المقاطعة. ومن يختار المقاطعة لا ينبغي أن يُتهم تلقائيا باللامبالاة. فقد يكون أكثر اهتماما بالشأن العام من كثير ممن يذهبون إلى صناديق الاقتراع، لكنه يرفض أن تتحول مشاركته إلى رقم يستخدم لتجميل صورة مشهد سياسي لا يثق فيه. المقاطعة، في هذا المعنى، ليست هروبا من السياسة. إنها احتجاج على طريقة ممارسة السياسة. لكنها تظل موقفا يحتاج إلى وعي، وتنظيم، وقدرة على تحويل الغضب إلى فعل مدني وسياسي مستمر، لا مجرد غياب يوم واحد.
المواطن ليس رقما انتخابيا
لقد آن الأوان أن تتوقف الأحزاب عن التعامل مع المواطن باعتباره مجرد صوت انتخابي. المواطن ليس رقما في صندوق، ولا صورة في حملة، ولا وعدا انتخابيا مؤجلا. إنه صاحب الحق في الخدمات، والكرامة، والعدالة، والمحاسبة. والحزب الذي يريد أصوات الناس عليه أن يقدم لهم أكثر من خطاب. عليه أن يثبت أنه قادر على الإصغاء، وعلى العمل، وعلى تحمل المسؤولية. أما الحكومات التي تتعاقب دون تغيير جوهري في حياة المواطن، فإنها لا تفعل سوى إعادة إنتاج الأزمة نفسها.
لا شرعية سياسية بلا ثقة
الانتخابات ليست مقدسة، والأحزاب ليست فوق النقد، والحكومات ليست فوق المحاسبة. والقصر، بما له من مكانة دستورية وسياسية، ليس بمنأى عن النقاش العمومي حول طبيعة السلطة، وحدودها، وعلاقتها بالديمقراطية والانتخابات. إن الثقة لا تُفرض على المواطن، والشرعية السياسية لا تُبنى فقط على صناديق الاقتراع، بل على نزاهتها، وعلى قدرة المؤسسات المنتخبة على ممارسة اختصاصاتها، وعلى نتائج ملموسة في حياة الناس. فإذا كانت الانتخابات لا تنتج تغييرا حقيقيا، وإذا كانت الأحزاب تتشابه في اختياراتها، وإذا ظلت الشكوك تحوم حول نزاهة النتائج، فإن من حق المواطن أن يسأل عن جدوى المشاركة. المقاطعة ليست خيانة للديمقراطية، والتصويت بورقة بيضاء ليس مقاطعة. الأولى امتناع عن المشاركة احتجاجا، والثاني مشاركة دون اختيار مرشح. وبينهما، يبقى السؤال الأكبر قائما: هل نريد انتخابات تغير الواقع، أم انتخابات تغير الديكور؟ لأن المواطن المغربي لم يعد يريد حكومة جديدة بالاسم فقط. يريد دولة تستمع إليه، وأحزابا تحاسَب، ومؤسسات تنتج القرار، وانتخابات يثق في نتائجها. وما لم يتحقق ذلك، فإن أزمة الثقة ستظل أقوى من كل الشعارات الانتخابية. لا ديمقراطية حقيقية بلا مواطن يثق، ولا شرعية سياسية مستدامة بلا نتائج تستحق الثقة.
#فريد_بوكاس (هاشتاغ)
Farid_Boukas#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟