|
|
خطاب ملك المغرب: حين تصطدم شرعية الملكية بواقع الإقصاء السياسي والاجتماعي وتركيز السلطة والثروة
فريد بوكاس
(Farid Boukas)
الحوار المتمدن-العدد: 8854 - 2026 / 10 / 10 - 20:30
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ألمانيا : فريد بوكاس ، صحفي باحث و ناشط سياسي
قدم الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح السنة التشريعية صورةً للمغرب باعتباره ورشًا تنمويًا متواصلًا، تقوده مشاريع استراتيجية وإصلاحات اقتصادية واجتماعية، وتستند شرعية النظام الملكي فيه إلى التاريخ والرمزية الدينية والاستقرار السياسي. غير أن السؤال الجوهري لا يتعلق بما يعلنه الخطاب من أهداف ووعود، بل بمدى انعكاسها على حياة المواطنين، وبمن يستفيد فعليًا من ثمار التنمية، وبحدود قدرة المجتمع على محاسبة المؤسسة التي تتمركز في قلب النظام السياسي والاقتصادي.
فبين لغة الإنجازات المعلنة وواقع البطالة وغلاء المعيشة وتفاوت الفرص وتراجع الثقة في المؤسسات، تتسع الهوة بين الخطاب الرسمي وتجربة قطاعات واسعة من المغاربة. وتفرض هذه الهوة قراءة نقدية تتجاوز تعداد المشاريع والأرقام إلى مساءلة طبيعة النظام السياسي نفسه: كيف تتوزع الصلاحيات داخل الملكية؟ ما حدود الرقابة الديمقراطية على القرارات الاستراتيجية؟ وإلى أي مدى يستطيع المواطنون التأثير في السياسات التي تحدد حاضرهم ومستقبلهم؟
إن النقد هنا لا يستهدف شخصًا أو رمزًا بمعزل عن المؤسسات، بل يتناول بنية حكم تتمحور حول الملكية، وتثير طبيعة تركيز القرار فيها أسئلة جوهرية بشأن الديمقراطية والمحاسبة والعدالة الاجتماعية.
التنمية لمن؟ الملكية والنفوذ الاقتصادي وتركيز الثروة
لا يكفي أن تعلن الدولة عن ارتفاع معدلات النمو أو إطلاق مشاريع كبرى حتى يُحكم بنجاح النموذج التنموي. فالنمو الاقتصادي لا يساوي بالضرورة تحسنًا في مستوى معيشة المواطنين، كما أن ارتفاع الاستثمارات لا يعني تلقائيًا خلق فرص عمل مستقرة أو تقليص الفوارق الاجتماعية.
المعيار الحقيقي للتنمية هو أثرها في حياة الناس: هل يجد الشباب عملًا لائقًا؟ هل تستطيع الأسر مواجهة تكاليف السكن والغذاء والعلاج؟ هل يحصل سكان القرى والمناطق المهمشة على خدمات عمومية متكافئة؟ وهل تتوزع الفرص الاقتصادية بصورة عادلة، أم تتركز المكاسب في أيدي فئات محدودة تمتلك رأس المال والنفوذ والقدرة على الوصول إلى مراكز القرار؟
وتزداد هذه الأسئلة إلحاحًا عند النظر إلى الحضور الاقتصادي للمجموعات المرتبطة بالمؤسسة الملكية، ومنها مجموعة «المدى». فهذا الحضور يثير نقاشًا مشروعًا حول تضارب المصالح المحتمل، وتكافؤ المنافسة، وشفافية القرارات الاقتصادية، وحدود الفصل بين الموقع الملكي والنفوذ المالي.
وتكمن الإشكالية في أن الملكية لا تمثل مجرد مؤسسة رمزية في الحياة العامة، بل تؤدي دورًا مركزيًا في بنية الحكم، فيما تمتد المصالح الاقتصادية المرتبطة بها إلى قطاعات مهمة. وهذا التداخل يجعل الشفافية والمحاسبة وتكافؤ المنافسة شروطًا أساسية لضمان ألا تتحول المكانة السياسية إلى امتياز اقتصادي يصعب إخضاعه للرقابة نفسها التي يخضع لها بقية الفاعلين.
ولا يعني ذلك أن كل نشاط اقتصادي مرتبط بالمؤسسة الملكية يثبت وجود مخالفة أو فساد؛ فهذه ادعاءات تحتاج إلى أدلة محددة. لكن من حق المواطنين المطالبة بقواعد واضحة تمنع تضارب المصالح، وتضمن المنافسة العادلة، وتخضع المصالح الاقتصادية الكبرى لرقابة مستقلة وفعالة.
إن جوهر المسألة هو العلاقة بين الملكية والثروة: هل توجد ضمانات كافية للفصل بين النفوذ السياسي والمصالح الاقتصادية؟ وهل يستطيع الإعلام والبرلمان والقضاء وأجهزة الرقابة التحقيق في الملفات الحساسة من دون ضغوط؟ وهل تُطبَّق قواعد الشفافية على الجميع، أم تتفاوت باختلاف الموقع من مركز الحكم؟ هذه أسئلة تتعلق بطبيعة النظام، ولا يمكن الإجابة عنها بمجرد تكرار شعارات التنمية والاستثمار.
شرعية الملكية التاريخية والدينية في مواجهة الديمقراطية
تستند الملكية المغربية إلى شرعية تاريخية ودينية، وإلى مكانة دستورية وسياسية محورية. لكن الإشكال يبدأ عندما تُستخدم هذه الشرعية لتقليص مساحة النقاش بشأن توزيع الصلاحيات، أو عندما يُقدَّم نقد بنية الحكم وكأنه تشكيك في التاريخ أو مساس بالرمزية الدينية.
فالشرعية التاريخية ليست تفويضًا مفتوحًا، والرمزية الدينية لا ينبغي أن تتحول إلى حصانة سياسية. كما أن الاستقرار لا يمكن أن يكون مبررًا دائمًا للحد من المطالبة بالديمقراطية والمحاسبة.
إن السؤال الأساسي ليس ما إذا كانت الملكية تتمتع بشرعية تاريخية، بل كيف تُمارَس صلاحياتها، وما حدود الرقابة الديمقراطية عليها، وكيف يمكن للمواطنين مساءلة القرارات التي تؤثر في حياتهم.
في النظام السياسي المغربي، يحتل الملك موقعًا محوريًا بموجب الدستور، ويؤدي أدوارًا مؤثرة في التوجهات الاستراتيجية للدولة. ولذلك فإن أي نقاش جاد بشأن الديمقراطية لا يمكن أن يقتصر على الحكومة أو البرلمان، متجاهلًا طبيعة توزيع الصلاحيات في قمة النظام.
فإذا كانت الحكومة تتحمل المسؤولية أمام البرلمان والرأي العام عن نتائج السياسات، بينما تُتخذ بعض القرارات الاستراتيجية في مستويات أخرى من بنية الحكم، فإن مبدأ المحاسبة يقتضي توضيح المسؤوليات وضمان قدرة المؤسسات المنتخبة على ممارسة صلاحيات فعلية.
ولا يكفي أن توجد مؤسسات منتخبة من الناحية الشكلية؛ بل ينبغي أن تكون قادرة على التأثير في القرار العام، وأن يتمكن المواطنون من تقييم أدائها ومحاسبتها، وأن تخضع مختلف مراكز القرار لرقابة تتناسب مع حجم صلاحياتها.
إن جوهر النقد الموجّه إلى الملكية السلطوية ليس إنكار التاريخ أو الرمزية، بل رفض تحويلهما إلى بديل عن المشاركة السياسية والمساءلة. فالشرعية في الدولة الحديثة لا تستمد قوتها من الماضي وحده، بل تتجدد من خلال احترام الحقوق، وعدالة السياسات، وإمكانية محاسبة من يملك القرار.
الانتخابات وحدود التمثيل الديمقراطي
تستمد الانتخابات قيمتها من قدرتها على التعبير عن الإرادة الحرة للمواطنين، لا من مجرد تنظيمها في مواعيد محددة. فحين تتكرر الشكاوى من تأثير المال الانتخابي، واستغلال النفوذ، وعدم تكافؤ الفرص بين المرشحين، تتعرض الثقة في المؤسسات المنتخبة للاهتزاز.
ولا يصح الجزم بوجود تزوير شامل أو منهجي من دون أدلة موثقة ومحددة، لكن ذلك لا يلغي ضرورة التحقيق الجاد في الشكاوى، ونشر نتائج الرقابة، وتطبيق القانون على الجميع دون انتقائية.
ومع ذلك، فإن النقاش الديمقراطي في المغرب لا ينبغي أن يتوقف عند نزاهة يوم الاقتراع، بل يجب أن يمتد إلى حدود ما تستطيع المؤسسات المنتخبة تغييره بعد الانتخابات.
فحتى عندما تكون الانتخابات سليمة إجرائيًا، تبقى الديمقراطية ناقصة إذا لم يكن للبرلمان والحكومة مجال فعلي لصياغة السياسات ومراقبتها، أو إذا ظلت القرارات الاستراتيجية محكومة بتوازنات لا يستطيع الناخبون التأثير فيها بصورة مباشرة.
ومن هنا، فإن إصلاح العملية الانتخابية ينبغي أن يقترن بإصلاح أوسع لبنية الحكم، يضمن استقلال المؤسسات المنتخبة وفاعليتها، ويمنح المواطنين قدرة حقيقية على التأثير في الخيارات العامة.
إن الديمقراطية ليست صندوق اقتراع فقط، بل منظومة متكاملة من المشاركة والرقابة وتداول المسؤولية والمحاسبة. ومن دون ذلك، قد تتحول الانتخابات إلى وسيلة لتجديد المؤسسات من دون تغيير كافٍ في موازين القرار.
الحريات والاعتقالات السياسية وحدود النقد المسموح به
لا يمكن الحديث عن التنمية والاستقرار بمعزل عن الحريات العامة. فالدولة التي تطمح إلى التقدم تحتاج إلى مواطنين قادرين على الاحتجاج السلمي، وصحافة تستطيع التحقيق، وجمعيات تراقب السياسات، ومعارضة تنتقد من دون خوف من الانتقام.
وتثير قضايا توقيف ومحاكمة صحفيين ونشطاء ومحتجين في المغرب أسئلة متواصلة بشأن حدود حرية التعبير، وضمانات المحاكمة العادلة، والتناسب بين الأفعال المنسوبة إلى الأفراد والعقوبات المقررة. وينبغي تناول كل قضية وفق أدلتها ووقائعها وأحكامها، بدل الاكتفاء بالأحكام العامة أو الروايات غير الموثقة.
لكن السؤال السياسي الأوسع يتعلق بقدرة المجتمع على انتقاد بنية الحكم نفسها، بما فيها دور الملكية ومجالات نفوذها، دون أن يتحول هذا النقد إلى سبب للملاحقة أو التضييق.
فإذا كانت الحريات مضمونة نظريًا، لكنها تصبح موضع اختبار عندما يتناول النقد مراكز النفوذ الأكثر حساسية، فإن ذلك يضعف مبدأ المساواة في المواطنة ويجعل حرية التعبير متفاوتة بحسب الموضوع الذي تتناوله.
إن الملكية التي تسعى إلى ترسيخ شرعيتها في الحاضر لا ينبغي أن تخشى النقاش العام بشأن صلاحياتها وأدوارها، بل ينبغي أن تسمح بقياس أدائها ومناقشة حدود نفوذها في إطار القانون.
فالأمن والاستقرار لا يتحققان بإسكات الأصوات المنتقدة، وإنما بمعالجة أسباب الاحتجاج، وضمان استقلال القضاء، وحماية الصحافة، واحترام حق المواطنين في التنظيم والتعبير السلمي.
خامسًا: البطالة وغلاء المعيشة… الثمن الاجتماعي لاختلال الأولويات
تظل البطالة، ولا سيما في صفوف الشباب، من أبرز الاختبارات التي ينبغي أن يُقاس بها نجاح السياسات الاقتصادية. فالشاب الذي يحمل شهادة ولا يجد عملًا مستقرًا، أو الذي يعمل بأجر لا يكفي لتغطية احتياجاته الأساسية، لا تعنيه كثيرًا المؤشرات الإجمالية إذا لم تنعكس على حياته اليومية.
كما أن ارتفاع تكاليف الغذاء والسكن والنقل والطاقة يضغط على الأسر ذات الدخل المحدود والمتوسط، ويجعل كثيرًا من المواطنين يشعرون بأن العمل وحده لم يعد كافيًا لضمان الاستقرار المعيشي.
وهنا يبرز سؤال الأولويات: هل تُوجَّه السياسات الاقتصادية بالدرجة الكافية نحو خلق فرص العمل وتحسين الأجور والخدمات الأساسية، أم يجري التركيز على مؤشرات النمو والمشاريع الكبرى من دون ضمان توزيع عادل لثمارها؟
إن النقد الموجّه إلى النموذج الاقتصادي لا يتعلق بوجود الاستثمار في حد ذاته، بل بمدى ارتباطه بالمصلحة العامة. فالمشاريع التي لا توفر فرصًا كافية للعمل اللائق، أو لا تسهم في تقليص الفوارق، لا يمكن اعتبارها نجاحًا اجتماعيًا كاملًا مهما بلغت قيمتها المالية.
كما أن تركّز النفوذ الاقتصادي في أيدي مجموعات محدودة يطرح ضرورة ضمان منافسة عادلة، ودعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة، ومحاربة الاحتكار حيث يثبت وجوده، وتوجيه السياسات العمومية نحو الفئات الأكثر تضررًا.
وإذا استمر الشباب في مواجهة انسداد الأفق، بينما تتسع الفوارق في الفرص والثروة، فإن الحديث عن التنمية يفقد جزءًا مهمًا من مصداقيته. فالمواطن لا يقيس نجاح الاقتصاد بما يُعلن عنه في المؤتمرات والخطابات، بل بما يتبقى في جيبه، وبما يستطيع توفيره لأسرته، وبما إذا كان يرى مستقبلًا ممكنًا داخل وطنه.
الصحة والتعليم… اختبار العدالة الاجتماعية
لا يمكن لأي مشروع تنموي أن ينجح بصورة مستدامة إذا ظل المواطن يواجه صعوبات في الحصول على العلاج، أو إذا ارتبط التعليم الجيد بالقدرة المالية للأسرة ومكان إقامتها.
فالمدرسة العمومية أساس تكافؤ الفرص، والمستشفى العمومي ضمانة لحق المواطن في العلاج وصون كرامته. وعندما تعاني المؤسسات من نقص الموارد أو الأطر أو التجهيزات، أو يضطر المواطن إلى الانتظار طويلًا أو تحمل نفقات لا يستطيعها، فإن الخلل يصبح اجتماعيًا وسياسيًا في آن واحد.
وتفاوت جودة الخدمات بين المدن والمناطق القروية يكرّس شعورًا بأن المواطنة لا تمنح الجميع الحقوق نفسها بالقدر ذاته. ولذلك، فإن أي خطاب عن العدالة الاجتماعية ينبغي أن يُترجم إلى مؤشرات قابلة للتحقق: جودة التعليم، وتوافر العلاج، وتوزيع الأطر والموارد، وتقليص الفوارق المجالية، ومحاسبة المسؤولين عن تعثر البرامج.
ومن حق المواطنين أن يسألوا عن نتائج السياسات العمومية، وعن أسباب تعثر الإصلاحات، وعن مدى تناسب الإنفاق العام مع الاحتياجات الفعلية للسكان.
ولا يمكن أن تتحول الملكية أو الحكومة أو أي مؤسسة أخرى إلى طرف يعلن الأهداف ثم يكتفي بتقييم نفسه. فالمساءلة الحقيقية تتطلب بيانات مستقلة، ومؤسسات رقابية فعالة، وإمكانية تحديد المسؤولية السياسية والإدارية عن الإخفاق. فالتنمية التي لا تحمي حق المواطن في التعليم والصحة تظل تنمية ناقصة، مهما بلغت قيمة الاستثمارات المعلنة.
الهجرة غير النظامية… حين يصبح الرحيل أملًا في مستقبل أفضل
لا يمكن اختزال الهجرة غير النظامية في المغامرة أو ضعف الوعي أو مخالفة القانون. ففي حالات كثيرة، ترتبط بغياب فرص العمل، والشعور بانسداد الأفق، واتساع الفوارق الاجتماعية، وتراجع الثقة في إمكانية بناء مستقبل كريم داخل الوطن.
ولا يعني ذلك أن جميع المهاجرين تحركهم الأسباب نفسها، أو أن الهجرة دليل قاطع على فشل كل السياسات. لكنها تظل مؤشرًا اجتماعيًا يستحق الدراسة عندما يخاطر الشباب بحياتهم في البحر أو عبر طرق خطرة بحثًا عن فرص يعتقدون أنها غير متاحة لهم في بلدهم.
إن مواجهة الظاهرة لا تكون بالتوعية وحدها أو بتشديد المراقبة، بل أيضًا بتوسيع فرص العمل، وتحسين جودة التعليم والتكوين، وتقليص الفوارق الجهوية، وضمان تكافؤ الفرص.
ويجب أن تشمل المساءلة السياسات التي تضعها المؤسسات المسؤولة عن التنمية الاقتصادية والاجتماعية، بدل التعامل مع الهجرة بوصفها مشكلة أمنية منفصلة عن ظروف المواطنين.
وحين يتحول الرحيل إلى حلم لدى فئات من الشباب، يصبح من المشروع التساؤل عن مدى قدرة النموذج التنموي على منحهم أسبابًا حقيقية للبقاء، وعن مدى استعداد مراكز القرار لمراجعة اختياراتها بدل الاكتفاء بتقديم التفسيرات نفسها.
العاملات المغربيات في حقول الفراولة بإسبانيا… كرامة العمل وحقوق النساء
تسلط أوضاع العاملات المغربيات الموسميات في حقول الفراولة بإسبانيا الضوء على جانب آخر من التحديات الاجتماعية. فهذه العاملات يساهمن في إعالة أسرهن، ويؤدين عملًا شاقًا في ظروف قد تتفاوت من مشغّل إلى آخر، ما يجعل ضمان حقوقهن مسألة لا تحتمل الاكتفاء بالتصريحات العامة.
وتشمل القضايا التي ينبغي مراقبتها شروط السكن والنقل، والأجور وساعات العمل، والسلامة المهنية، وإمكانية تقديم الشكاوى دون خوف من فقدان العمل أو التعرض للضغط، فضلًا عن ضمان الحماية القانونية الفعلية.
ولا يجوز تعميم الانتهاكات على جميع المشغّلين أو مواقع العمل من دون أدلة، لكن وجود شكاوى أو تقارير موثوقة بشأن سوء المعاملة يستوجب التحقيق والمحاسبة وتوفير آليات مستقلة لحماية العاملات.
كما تطرح هذه الظاهرة سؤالًا اجتماعيًا أوسع: لماذا تضطر نساء كثيرات إلى مغادرة أسرهن والعمل في ظروف صعبة خارج البلاد لتأمين دخل قد لا يكفي إلا لتغطية الحاجات الأساسية؟
لا توجد إجابة واحدة عن هذا السؤال، لكن فرص العمل المحلية والأجور والهشاشة الاقتصادية كلها عوامل تستحق معالجة جدية. ومن هنا، ينبغي تقييم السياسات الاقتصادية والاجتماعية وفق قدرتها على توفير فرص عمل تحفظ الكرامة داخل المغرب، لا الاكتفاء بالحديث عن الاستقرار أو المؤشرات الإجمالية.
إن كرامة المواطنات لا تُقاس بما يقدمنه من تحويلات مالية لأسرهن فقط، بل بمدى قدرتهن على العمل في ظروف آمنة وعادلة، سواء داخل المغرب أو خارجه.
الفوارق المجالية وحدود الخطاب الوطني الموحد
قد تُعلن الدولة عن مشاريع كبرى ومؤشرات إيجابية على المستوى الوطني، لكن المتوسطات العامة قد تخفي تفاوتات واسعة بين الجهات والمدن والقرى. فما يبدو تقدمًا في منطقة قد لا ينعكس على مناطق أخرى تعاني ضعف البنية التحتية أو قلة فرص العمل أو صعوبة الوصول إلى الخدمات الأساسية.
والعدالة المجالية ليست مسألة ثانوية، بل شرط لتحقيق المساواة في المواطنة. فلا ينبغي أن تتحدد فرص الإنسان في التعليم والعلاج والعمل بناءً على مكان ولادته أو إقامته.
ومن هنا، فإن تقييم أي خطاب تنموي يحتاج إلى بيانات مفصلة عن توزيع الاستثمارات، وفرص الشغل، وجودة الخدمات، ومستويات الفقر والهشاشة، مع إتاحة هذه البيانات للمواطنين والباحثين والصحافة.
كما يقتضي الأمر مساءلة المؤسسات المسؤولة عن اختيار المشاريع وتوزيع الموارد، وتوضيح المعايير التي تحدد الأولويات، وضمان ألا تتحول المشاريع الكبرى إلى واجهة إعلامية تخفي استمرار التهميش في مناطق أخرى.
أما الاكتفاء بعرض المشاريع والأرقام الإجمالية، من دون توضيح من استفاد منها ومن بقي خارجها، فيجعل الخطاب أقرب إلى إعلان الإنجازات منه إلى تقييم السياسات العامة.
الملكية السلطوية وسؤال المحاسبة الديمقراطية
إن جوهر النقاش لا يتعلق بإنكار كل تقدم تحقق في المغرب، ولا باختزال الواقع في صورة واحدة، بل بمساءلة طبيعة النظام السياسي الذي تتجمع في إطاره صلاحيات مؤثرة حول المؤسسة الملكية.
فحين تحتل الملكية موقعًا مركزيًا في تحديد التوجهات الاستراتيجية، يصبح من الضروري أن تتناسب الرقابة والمساءلة مع حجم الدور الذي تؤديه. ولا يكفي أن تُحمَّل الحكومة والبرلمان المسؤولية عن النتائج، إذا كانت بعض الخيارات الأساسية تتجاوز نطاق تأثيرهما الفعلي.
ومن هنا، فإن وصف النظام بالملكية السلطوية ينبغي أن يُفهم بوصفه توصيفًا نقديًا لتركيز القرار ومحدودية المساءلة الديمقراطية، لا مجرد شعار سياسي. وتكمن أهمية هذا النقد في طرح أسئلة عملية: ما المجالات التي يملك فيها المواطنون تأثيرًا فعليًا؟ ما حدود صلاحيات المؤسسات المنتخبة؟ كيف تُراقَب القرارات الاستراتيجية؟ وهل يستطيع الإعلام والقضاء وأجهزة الرقابة فحص المصالح الاقتصادية المرتبطة بمراكز النفوذ باستقلالية؟
إن الإصلاح الحقيقي لا يتحقق بتغيير لغة الخطاب وحدها، بل بإعادة النظر في توزيع الصلاحيات، وتقوية المؤسسات المنتخبة، وضمان استقلال القضاء والرقابة، وتعزيز شفافية القرار الاقتصادي، وحماية حرية التعبير والتنظيم.
ولا يمكن أن تستمر المطالبة بثقة المواطنين من دون منحهم وسائل حقيقية لمحاسبة المسؤولين والتأثير في السياسات. فالثقة ليست واجبًا مفروضًا على المجتمع، بل نتيجة تُبنى عندما يرى الناس أن حقوقهم محفوظة، وأن القانون يطبق على الجميع، وأن مواقع النفوذ لا تمنح حصانة من المساءلة.
لا شرعية بلا عدالة، ولا تنمية بلا محاسبة
في نهاية المطاف، لا يمكن لخطاب التنمية أن يحجب واقع البطالة وغلاء المعيشة وتراجع الخدمات العمومية وتضييق المجال السياسي، كما لا يمكن للشرعية التاريخية والدينية أن تكون بديلًا عن الديمقراطية والمساءلة والعدالة الاجتماعية. فالحكم لا يُقاس بما يعلنه من إنجازات، بل بما يحققه للمواطنين من حقوق وفرص وكرامة، وبمدى خضوع مراكز القرار للمحاسبة.
إن جوهر الأزمة يكمن في الفجوة بين تركّز القرار السياسي والنفوذ الاقتصادي من جهة، ومحدودية قدرة المواطنين على التأثير في القرارات التي تحدد حاضرهم ومستقبلهم من جهة أخرى. وما دامت الثروة لا تنعكس بالقدر الكافي على حياة الفئات المتضررة، وما دامت المطالب الاجتماعية والسياسية تصطدم بعوائق تحول دون تحقيقها، فإن تكرار الوعود لن يعالج أزمة الثقة، ولن يحوّل المؤشرات الرسمية إلى واقع ملموس.
المطلوب ليس مزيدًا من الخطابات، بل تغييرًا يمكن قياسه ومحاسبة المسؤولين عنه: توزيع أكثر عدلًا للثروة، وفصل فعلي بين النفوذ السياسي والمصالح الاقتصادية، ومؤسسات منتخبة ذات صلاحيات حقيقية، وقضاء مستقل، وضمانات واضحة للحريات، وتعليم وصحة وعمل يليق بكرامة المواطنين.
إن المغرب لا يحتاج إلى تبرير دائم لاختيارات الملكية أو الاكتفاء بتعداد إنجازاتها المعلنة، بل إلى نظام حكم تُبرَّر فيه القرارات أمام المواطنين، وتخضع فيه جميع مراكز النفوذ للمساءلة، ولا تتحول فيه الشرعية التاريخية إلى حصانة من النقد.
ولا يكفي أن يُطلب من الشعب الصبر والثقة، بينما يظل حقه في المحاسبة والتأثير محدودًا. فالشرعية ليست امتيازًا أبديًا، والتنمية ليست أرقامًا للاستهلاك الإعلامي، والاستقرار ليس صمتًا مفروضًا؛ بل تُكتسب الثقة بالعدل، وتُصان الحقوق بالمحاسبة، ويُقاس نجاح الحكم بكرامة الناس لا بحجم الوعود.
وإلى أن تصبح هذه المبادئ واقعًا ملموسًا، سيظل التناقض قائمًا بين خطاب يعلن التقدم ومواطنين يطالبون بثماره، وبين شرعية تستند إلى التاريخ وواقع يفرض سؤالًا لا يمكن الالتفاف عليه: من يحاسب من يملك القرار؟ ومن يضمن أن تكون ثروة المغرب في خدمة المغاربة جميعًا، لا في خدمة دائرة ضيقة من أصحاب النفوذ؟
إن التحدي الحقيقي أمام الملكية المغربية ليس إقناع المواطنين بشرعية الماضي، بل إثبات قدرتها على الاستجابة لمطالب الحاضر، وقبول المساءلة عن نتائج الحكم، وفتح المجال أمام ديمقراطية فعلية تجعل المواطن شريكًا في القرار لا مجرد متلقٍ للوعود. فإما أن تتحول التنمية إلى عدالة ملموسة، وتتحول الشرعية إلى مسؤولية خاضعة للمحاسبة، وإما أن تظل الهوة بين الخطاب والواقع مصدرًا دائمًا للاحتقان وفقدان الثقة.
#فريد_بوكاس (هاشتاغ)
Farid_Boukas#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
معلقة المنفى المغربي
-
لمغرب بين شعارات الإصلاح وواقع القبضة السياسية والأمنية والا
...
-
إسبانيا والمغرب: الانتخابات تبيّن الفرق بين المملكتين
-
هل تخلى المغرب عن سبتة ومليلية؟
-
المعتقلون السياسيون في المغرب بين مطرقة الملكية وسندان حزب ا
...
-
المغرب: رئاسة الحكومة والفساد
-
حين يصبح في المغرب رئيس الحكومة مزوراً
-
حزب الأصالة والمعاصرة المغربي: من الهمة إلى المنصوري... من أ
...
-
حزب المخدرات والجرار في المغرب : من وراء تصدّره الانتخابات؟
-
انتخابات 23 شتنبر 2026 في المغرب: صناديق الاقتراع أم إعادة ت
...
-
المغرب تحت كشاف الظلال: شبابٌ يتحولون إلى أرقام... وانتخابات
...
-
فتح السفارات المغربية والإسرائيلية: تطبيع قديم وإعلان في توق
...
-
المغرب: أناشيد الكناسين وصمت المسجونين
-
انتخابات المغرب: حين تصبح الديمقراطية مجرد ديكور... والورقة
...
-
الانتخابات في المغرب: هل ننتخب الحكومة أم نعيد انتخاب الواجه
...
-
المرأة ليست سلعة ولا سلاحًا ولا شعارًا موسميًا
-
المغرب: من يملك مفتاح البيت؟
-
العاهل المغربي… أين «حفيد الرسول» عندما يُطعن في أحاديث جده؟
-
الشارع المغربي والكرسي المحمدي
-
الملكية في المغرب: من الرعية إلى المواطن وتفكيك أسطورة البطل
المزيد.....
-
حتى حيوانات الميركات في حديقة الحيوانات هذه تستعد للهالوين..
...
-
محمد رمضان يكشف عن أول صورة من مسلسله الجديد -عشماوي-
-
الجيش الأمريكي ينشر فيديو ضرب سفينة شحن حاولت خرق الحصار على
...
-
السعودية.. ماذا نعلم عن استهداف الحوثي لمطار الرياض؟.. مراسل
...
-
ابنة صدام حسين تعلق على استهداف الحوثي للسعودية وتذكر بتحذير
...
-
-ملتزمون بأمن المملكة-.. رئيس وزراء باكستان يعلق بعد هجوم ال
...
-
12 قتيلا و أكثر من 300 جريح بعد الهجوم على مطار الملك خالد ف
...
-
محتجزون اختفى أثرهم بعد اعتقالهم.. شهادات تتحدث عن نزع أعضاء
...
-
أقدم سلحفاة برية في العالم.. ماذا تكشف عن طول عمر البشر؟
-
كندا تدين استهداف مطار الملك خالد في الرياض
المزيد.....
-
ضحايا صدام حسين
/ صباح يوسف ابراهيم
-
الزمن المقلوب
/ رائد الجحافي
-
عيوب الذكاء الاصطناعي
/ رائد الجحافي
-
عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي
/ رائد الجحافي
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
المزيد.....
|