فريد بوكاس
(Farid Boukas)
الحوار المتمدن-العدد: 8852 - 2026 / 10 / 8 - 17:24
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ألمانيا : فريد بوكاس ، صحفي باحث و ناشط سياسي
منذ توليه الحكم في عام 1999، رُوِّج للملك محمد السادس على أنه «ملك الإصلاحات» وصاحب «العهد الجديد» الذي سيقود المغرب نحو الانفتاح والديمقراطية. غير أن الواقع السياسي خلال العقدين الماضيين يكشف مسارًا مغايرًا تمامًا، حيث شهدت البلاد موجات متتالية من الاعتقالات ذات الطابع السياسي، حطّمت أرقامًا قياسية في تاريخ المغرب الحديث، وأعادت البلاد إلى مناخ الخوف والرقابة الذاتية.
في ظل شعارات الحداثة والتنمية، وجد مئات النشطاء والصحفيين والمدونين أنفسهم خلف القضبان بتهم وُصفت بأنها «قانونية»، لكنها في جوهرها سياسية بامتياز. فمن محاكمات الصحفيين المستقلين إلى ملاحقة المدافعين عن حقوق الإنسان وأعضاء الحركات الاحتجاجية، مثل حراك الريف وجرادة، أصبح القضاء المغربي، في تقديري، أداةً فعّالة لإسكات المعارضين بدلًا من أن يكون حصنًا لحماية الحقوق والحريات.
ووفقًا لتقارير صادرة عن منظمات دولية، مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، تستخدم السلطات المغربية منظومةً من القوانين الفضفاضة لتجريم التعبير السلمي، خصوصًا فيما يتعلق بما يُصنَّف ضمن «المس بالمقدسات» أو «تهديد الأمن الداخلي للدولة». وأرى أن هذه التهم تمنح السلطات غطاءً قانونيًا لملاحقة الأصوات المعارضة وتصفية الحسابات السياسية معها، في وقت يتحدث فيه الإعلام الرسمي عن «التعددية» و«سيادة القانون».
وترافقت هذه الاعتقالات مع حملات تشهير ممنهجة ضد المعتقلين، تشارك فيها منصات إعلامية موالية للسلطة، وتستهدف السمعة الشخصية أكثر مما تناقش المواقف السياسية. وبذلك، يتحول السجن إلى عقوبة جسدية، والتشهير إلى عقوبة رمزية تهدف إلى تحطيم المعنويات وإرهاب كل من يفكر في معارضة السلطة أو انتقادها.
القبضة السياسية: فؤاد علي الهمة ونفوذ القصر
لا يمكنني، في قراءتي للمشهد السياسي المغربي، تجاهل الدور الذي لعبه ويلعبه فؤاد علي الهمة، صديق الملك محمد السادس ومستشاره، والذي أعتبره أحد أبرز الوجوه السياسية القريبة من القصر. فمن خلال موقعه وعلاقاته بمراكز القرار، أرى أن حضوره يتجاوز الدور الاستشاري التقليدي ليعكس جانبًا من منظومة النفوذ السياسي التي تحيط بالقصر.
وأعتبر أن النفوذ السياسي المحيط بالقصر يساهم في رسم حدود الممارسة الحزبية وتوجيه التوازنات السياسية، بما يجعل استقلال القرار الحزبي والحكومي موضع تساؤل حقيقي. وفي تقديري، لا يمكن فهم طبيعة الحياة السياسية في المغرب من خلال الأحزاب والانتخابات وحدها، بل يجب النظر أيضًا إلى مراكز النفوذ المحيطة بالمؤسسة الملكية ومدى تأثيرها في تحديد الخيارات السياسية الكبرى.
القبضة الأمنية: عبد اللطيف الحموشي والتجسس الرقمي
إلى جانب هذه القبضة السياسية، تبرز القبضة الأمنية المرتبطة بدور عبد اللطيف الحموشي، المدير العام للأمن الوطني ومديرية مراقبة التراب الوطني. وفي قراءتي لطبيعة النظام المغربي، أرى أن النفوذ الأمني يمثل أحد الأعمدة الأساسية التي يقوم عليها ضبط المجال العام ومراقبة التوازنات السياسية.
كما أن الانتقادات الحقوقية المرتبطة بمراقبة المعارضين والتعامل مع الاحتجاجات وملاحقة بعض الأصوات المنتقدة للسلطة تثير تساؤلات جدية حول حدود الحريات العامة. وأعتبر أن تداخل النفوذ الأمني مع المجال السياسي يساهم في تضييق هامش المعارضة وتعزيز مناخ الخوف، حيث يصبح التعبير عن الرأي محفوفًا بمخاطر الملاحقة والتشهير والاعتقال.
ولا تقتصر مخاوفي بشأن القبضة الأمنية على مراقبة الاحتجاجات وملاحقة الأصوات المعارضة، بل تمتد إلى مجال التجسس الرقمي وانتهاك الخصوصية. فقد أثارت قضية برنامج «بيغاسوس» جدلًا دوليًا واسعًا بشأن استخدام تقنيات التجسس لاستهداف هواتف صحفيين ونشطاء وشخصيات عامة، كما وُجّهت اتهامات إلى المغرب بالوقوف وراء عمليات تجسس، وهي اتهامات نفتها السلطات المغربية.
وفي تقديري، فإن نفي الدولة المغربية لهذه الاتهامات لا ينهي الجدل، بل يجعل المطالبة بتحقيق مستقل وشفاف أمرًا ضروريًا لكشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات. كما تثير إمكانية استغلال الهواتف الذكية والتطبيقات الرقمية في جمع المعلومات عن المواطنين مخاوف جدية بشأن الخصوصية والحريات الفردية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالصحفيين والمعارضين والنشطاء الحقوقيين.
وأرى أن توظيف التكنولوجيا في مراقبة المواطنين، إذا ثبت حدوثه خارج الضوابط القانونية، يمثل امتدادًا للقبضة الأمنية إلى الحياة الخاصة، ويحوّل الهاتف الذكي من وسيلة للتواصل والتعبير إلى مصدر محتمل للمراقبة. كما أن احتمال استخدام تطبيقات أو أدوات رقمية سرية لجمع المعلومات عن المستخدمين يستدعي ضمانات قانونية ورقابة مستقلة تحول دون استغلال التكنولوجيا في التضييق على الحريات.
فالدولة التي تتحدث عن الحداثة والديمقراطية مطالبة بضمان أمن مواطنيها الرقمي، لا أن تجعلهم يعيشون تحت هاجس التجسس على اتصالاتهم ومراسلاتهم وتحركاتهم.
الملك والحكومة: من يملك القرار الفعلي؟
من القضايا الجوهرية التي أتناولها في قراءتي للنظام السياسي المغربي مسألة العلاقة بين الملك والحكومة، وحدود استقلال السلطة التنفيذية عن القصر. فعلى الرغم من أن الدستور ينص على وجود حكومة تتكون من رئيس الحكومة والوزراء، ويمنح رئيس الحكومة صلاحيات في قيادة العمل الحكومي، فإن الملك يترأس المجلس الوزاري الذي يتداول في القضايا والتوجهات الاستراتيجية لسياسة الدولة، كما أن الدستور ينص على أن الملك يعيّن رئيس الحكومة من الحزب الذي تصدر انتخابات مجلس النواب، ويعيّن أعضاء الحكومة باقتراح من رئيس الحكومة.
ومن هنا أعبّر عن قناعتي بوضوح: في المغرب، الملك هو الحكومة، والحكومة هي الملك؛ ليس بالمعنى الدستوري الحرفي، وإنما بالمعنى السياسي الذي أستخلصه من طبيعة توزيع السلطة ومراكز القرار. فالحكومة، في تقديري، لا تستطيع تجاوز الإرادة السياسية للقصر في الملفات الكبرى والاستراتيجية، مهما كانت نتائج الانتخابات أو تركيبة الأغلبية البرلمانية.
وفي هذا السياق، لا أرى في فؤاد علي الهمة وعبد اللطيف الحموشي مركزَي قرار مستقلين عن الملك، بل أراهما جزءًا من منظومة السلطة المحيطة به. وفي قراءتي للمشهد السياسي المغربي، فإن كليهما يؤدي دورًا داخل هذه المنظومة، ويعمل ضمن التوجهات التي يحددها الملك ومؤسسة القصر. ولذلك فإن الحديث عن النفوذ السياسي للهمة أو الدور الأمني للحموشي لا يعني، بالنسبة إليّ، أنهما صاحبا القرار النهائي، وإنما يعني أنهما من أبرز المنفذين للسياسات والتوجهات الصادرة عن مركز القرار الملكي.
فالملك، في تقديري، هو مركز الثقل الحقيقي في النظام السياسي المغربي، وما الحكومة والأحزاب والمؤسسات المنتخبة إلا أجزاء من منظومة أوسع تظل المؤسسة الملكية في قمتها. وحتى عندما تتغير الحكومات وتتبدل الأحزاب المشاركة فيها، تبقى مراكز القرار الاستراتيجي ثابتة إلى حد كبير، وهو ما يجعلني أطرح السؤال: إذا كانت الحكومة لا تستطيع تغيير التوجهات الكبرى للدولة، فأين تكمن السلطة التنفيذية الفعلية؟
الاقتصاد والخصخصة: من خدمة المواطن إلى خدمة المصالح المرتبطة بالقصر
ولا يمكن فصل السياسة عن الاقتصاد في المغرب، لأن السيطرة على القرار السياسي تنعكس، في تقديري، بصورة مباشرة على توزيع الثروة والفرص الاقتصادية. وأرى أن خصخصة أو تفويت عدد من القطاعات الحيوية، أو فتحها بصورة متزايدة أمام رأس المال الخاص والأجنبي، يطرح سؤالًا جوهريًا حول الجهة التي تستفيد فعليًا من هذه التحولات.
فالتعليم والصحة والخدمات الأساسية، إلى جانب عدد من الشركات والمؤسسات الوطنية، أصبحت خلال السنوات الماضية جزءًا من مسار أوسع لإعادة تشكيل الاقتصاد المغربي، حيث تتوسع حصة القطاع الخاص والاستثمارات الأجنبية في قطاعات كانت الدولة تؤدي فيها دورًا مركزيًا. وأنا أرى أن الخطر لا يكمن في الاستثمار الخاص أو الأجنبي في حد ذاته، وإنما في غياب الشفافية الكافية حول المستفيد الحقيقي من عمليات التفويت والصفقات والامتيازات، وحول مدى استفادة المواطنين من هذه السياسات.
كما أرى أن تنامي نفوذ الهولدينغ الملكي والمجموعات الاقتصادية المرتبطة بالمؤسسة الملكية يطرح مسألة تضارب المصالح بين السلطة السياسية والمصالح الاقتصادية. وقد تناولت تحقيقات ومواد صحفية دولية، على مدى سنوات، علاقة الثروة الملكية بمجموعات اقتصادية كبرى، ودور محمد منير الماجدي، الكاتب الخاص للملك والمدير المرتبط بإدارة ثروته ومصالحه المالية، في هذا المجال.
وأذهب في تحليلي أبعد من ذلك؛ إذ أرى أن بعض الاستثمارات الأجنبية والصفقات الاقتصادية التي تدخل إلى المغرب لا يمكن فصلها دائمًا عن شبكة النفوذ السياسي والاقتصادي المحيطة بالقصر. كما أرى أن الاتهامات التي تحدثت عن تقديم منافع أو حصص أو أسهم لمصالح مرتبطة بالهولدينغ الملكي مقابل تسهيل بعض الصفقات والاستثمارات تستحق التحقيق المستقل والكشف الكامل عن المستفيدين الحقيقيين. ولا أتعامل مع هذه الاتهامات باعتبارها حقيقة قضائية محسومة، وإنما باعتبارها جزءًا من الأسئلة الكبرى التي تطرحها طبيعة تداخل السلطة السياسية والثروة الخاصة في المغرب.
وتزداد خطورة هذا الوضع عندما يكون المسؤول السياسي أو صاحب القرار قريبًا في الوقت نفسه من المصالح الاقتصادية المرتبطة بالقصر. فحين تتداخل السلطة السياسية مع الثروة، وحين تكون المؤسسات التي يفترض أن تراقب الاقتصاد خاضعة بدورها لموازين السلطة نفسها، يصبح المواطن أمام منظومة يصعب فيها التمييز بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة.
وفي هذا السياق، أرى أن محمد منير الماجدي يمثل شخصية محورية في فهم العلاقة بين القصر والاقتصاد، ليس فقط باعتباره الكاتب الخاص للملك، وإنما أيضًا بسبب الأدوار التي نُسبت إليه في إدارة المصالح المالية والأعمال المرتبطة بالمؤسسة الملكية. وقد تناولت مصادر صحفية دولية هذا التداخل بين موقعه داخل القصر وعلاقته بالمصالح الاقتصادية الملكية.
الانتخابات: هل هي مجرد مسرحية؟
وانطلاقًا من هذه القراءة، أعتبر أن الانتخابات المغربية تحولت إلى مجرد مسرحية سياسية؛ إذ تتنافس الأحزاب على المقاعد، ويُقدَّم للمواطنين مشهد يوحي بالتداول الديمقراطي على السلطة، بينما تظل مراكز القرار الأساسية، في تقديري، بعيدة عن التأثير الحقيقي للنتائج الانتخابية.
فالمشكلة، من وجهة نظري، ليست في إجراء الانتخابات في حد ذاته، بل في محدودية قدرتها على تغيير موازين السلطة الفعلية أو تمكين الحكومة من ممارسة استقلال حقيقي في اتخاذ القرارات الكبرى. ولذلك أرى أن الانتخابات، في ظل هذه الاختلالات، تؤدي دورًا في إضفاء الشرعية على النظام القائم أكثر مما تتيح للمواطنين تغيير السياسات ومحاسبة المسؤولين.
وفي هذا السياق، أعتبر أن التعددية الحزبية لا تكفي وحدها لإثبات وجود ديمقراطية فعلية، ما دامت قدرة المؤسسات المنتخبة على اتخاذ القرار المستقل موضع تساؤل. فالديمقراطية ليست مجرد صناديق اقتراع أو أحزاب تتنافس على المقاعد، بل هي أيضًا فصل حقيقي للسلطات، واستقلال للمؤسسات، وربط للمسؤولية بالمحاسبة، وتمكين للمواطنين من التأثير في القرارات التي تحدد حاضرهم ومستقبلهم.
وبهذا المعنى، فإن تغيير رئيس الحكومة أو الوزراء لا يعني بالضرورة تغييرًا في مركز القرار السياسي. فالحكومات تأتي وتذهب، والأحزاب تتغير، والانتخابات تتعاقب، بينما يبقى مركز السلطة الحقيقي ثابتًا. وهذه هي النقطة الأساسية التي أريد إبرازها في هذا المقال: المشكلة ليست في الأشخاص الذين يتولون المناصب الحكومية، وإنما في بنية السلطة نفسها، حيث يبقى القرار النهائي، في تقديري، داخل المؤسسة الملكية.
الاستقرار السياسي على حساب الحريات
وما يثير قلقي أكثر هو صمت المجتمع الدولي، ولا سيما الشركاء الغربيين للمغرب، الذين أرى أنهم يفضلون غض الطرف عن الانتهاكات حفاظًا على مصالحهم الاقتصادية والأمنية. فالمغرب يُقدَّم اليوم بوصفه نموذجًا لـ«الاستقرار» في منطقة مضطربة، بينما أرى أن هذا الاستقرار، في ظل استمرار التضييق على الحريات، يأتي على حساب حرية التعبير والحقوق الأساسية للمواطنين.
إن ما يجري في المغرب اليوم ليس مجرد أزمة حقوقية، بل تراجع شامل عن وعود الإصلاح السياسي التي صاحبت بداية الألفية الجديدة. وفي قراءتي للمشهد، كلما ارتفعت الأصوات المطالبة بالمحاسبة والعدالة الاجتماعية، اشتدت القبضة الأمنية واتسعت مساحة القمع، وتقلص هامش التعبير الحر عن الرأي.
وفي بلد يطمح إلى أن يكون «بوابة إفريقيا إلى الديمقراطية»، أرى أن استمرار هذا النهج لا يهدد سمعة النظام فحسب، بل يضعف الثقة في أي مشروع إصلاحي مستقبلي، ويطرح تساؤلات جدية حول مدى قدرة المؤسسات المنتخبة على تمثيل إرادة المواطنين والاستجابة لتطلعاتهم.
لقد آن الأوان للمجتمع الدولي، حكوماتٍ ومنظماتٍ مدنية، أن يعيد النظر في تعامله مع الرباط، وأن يدعم بوضوح الحق في التعبير والمساءلة السياسية، بدلًا من الاكتفاء بخطابات المجاملة الدبلوماسية وتقديم المصالح الاستراتيجية على المبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان.
فالمغرب لا يحتاج إلى مزيد من الصمت الدولي، بل إلى تضامن حقيقي مع مواطنيه الذين يدفعون ثمنًا باهظًا لمجرد أنهم تجرؤوا على الكلام. كما يحتاج، في تقديري، إلى إصلاح سياسي حقيقي يضمن استقلال المؤسسات، ويضع حدًّا للإفلات من المساءلة، ويجعل الانتخابات وسيلةً فعلية للتغيير، لا مجرد واجهة لتكريس موازين السلطة القائمة.
#فريد_بوكاس (هاشتاغ)
Farid_Boukas#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟