أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فريد بوكاس - اقتصاد النفوذ في المغرب: الملكية والثروة والسلطة في مواجهة الفقر والبطالة… من يتحكم في البلاد ومن يدفع الثمن؟















المزيد.....


اقتصاد النفوذ في المغرب: الملكية والثروة والسلطة في مواجهة الفقر والبطالة… من يتحكم في البلاد ومن يدفع الثمن؟


فريد بوكاس
(Farid Boukas)


الحوار المتمدن-العدد: 8861 - 2026 / 10 / 17 - 22:21
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ألمانيا : فريد بوكاس ، صحفي باحث و ناشط سياسي

حين تتركز السلطة السياسية والثروة الاقتصادية في دوائر محدودة، وحين تتشابك المصالح التجارية الكبرى مع مراكز القرار، يصبح السؤال الحقيقي: من يحدد مستقبل الاقتصاد المغربي؟ ومن يستفيد من ثروات البلاد؟ ولماذا يتحمل المواطن وحده كلفة الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية؟

لم تعد الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في المغرب مجرد نتيجة لتقلبات الأسواق العالمية أو ارتفاع أسعار الطاقة أو تداعيات الأزمات الدولية. فهذه العوامل تؤثر في اقتصادات العالم، لكنها لا تفسر وحدها استمرار الفقر والهشاشة والبطالة، وتراجع القدرة الشرائية، وضعف الخدمات العامة، واتساع الفجوة بين فئات المجتمع.

إن جوهر المشكلة يرتبط بنموذج اقتصادي وسياسي يقوم على تركّز النفوذ والثروة، ويثير أسئلة جدية حول حدود الفصل بين السلطة السياسية والمصالح الاقتصادية الكبرى، وحول مدى قدرة المؤسسات المنتخبة والرقابية على ضمان أن تكون المصلحة العامة فوق مصالح أصحاب النفوذ.

إن الاتهام السياسي الصريح الذي ينبغي طرحه هو أن النموذج القائم يمنح المصالح الاقتصادية الكبرى موقعاً قوياً في تحديد اتجاهات الاقتصاد الوطني، بينما لا يملك المواطن العادي سلطة مماثلة للتأثير في القرارات التي تحدد مستقبله ومستقبل أبنائه. وحين تتسع هذه الفجوة، يصبح الحديث عن التنمية والعدالة الاجتماعية مجرد شعارات ما لم تُترجم إلى نتائج ملموسة وإلى قواعد شفافة للمحاسبة.

أولاً: الملكية والنفوذ الاقتصادي… من يحكم الاقتصاد المغربي فعلياً؟
لا يمكن تحليل الاقتصاد المغربي بمعزل عن طبيعة النظام السياسي وتوزيع السلطة والثروة داخله. فالملكية في المغرب ليست مجرد مؤسسة رمزية، بل تحتل موقعاً محورياً في بنية النظام السياسي، فيما ترتبط بالمحيط الملكي مجموعات اقتصادية كبرى تتمتع بحضور مؤثر في عدد من القطاعات.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: كيف يمكن ضمان المنافسة الاقتصادية العادلة عندما تتداخل مراكز النفوذ السياسي مع مصالح اقتصادية ضخمة؟ وكيف يمكن للمقاولات الصغيرة والمتوسطة أن تنافس في بيئة يشعر فيها كثيرون بأن القرب من مراكز القرار قد يمنح بعض الفاعلين أفضلية في الوصول إلى الفرص والموارد والأسواق؟

إن النقد السياسي الموجه إلى هذا النموذج لا يتعلق بمجرد وجود شركات كبرى أو استثمارات ضخمة، بل بتركيز القوة الاقتصادية في أيدي مجموعات محدودة، وبمدى خضوع هذه القوة لقواعد الشفافية والمساءلة والمنافسة العادلة.

المشكلة ليست في أن يحقق المستثمر أرباحاً، بل في أن تصبح الثروة وسيلة لتعزيز النفوذ، وأن يتحول النفوذ إلى عامل مؤثر في تحديد السياسات الاقتصادية والأولويات العمومية.

ومن هنا، فإن مسؤولية الأزمة لا ينبغي أن تُختزل في الحكومة وحدها، ولا أن يُعفى أصحاب النفوذ الاقتصادي والسياسي من النقاش العام. فحين تُرسم التوجهات الكبرى للاقتصاد، يجب أن تكون المسؤولية عن نتائجها واضحة، وأن تكون المؤسسات القادرة على التأثير في تلك التوجهات مستعدة للإجابة عن الأسئلة المتعلقة بمصلحة المجتمع.

إن أي نموذج تنموي لا يستطيع أن يثبت أن قواعده تطبق على الجميع دون استثناء، يفتح الباب أمام الشك في عدالة توزيع الفرص والثروة. ولا يكفي الرد على هذه الانتقادات بالحديث عن الاستثمارات الكبرى أو الإنجازات العمرانية؛ المطلوب هو إظهار أثر هذه الإنجازات على التشغيل والأجور والخدمات ومستوى معيشة المواطنين.

ثانياً: تراجع الدرهم والعجز التجاري… فاتورة الاختلالات يدفعها المواطن

إن تراجع الدرهم أمام الدولار، وفق النسبة المتداولة التي تبلغ 5.4%، وارتفاع العجز التجاري وفق المعطيات المطروحة، يثيران أسئلة جوهرية حول قدرة الاقتصاد المغربي على حماية قدرته الشرائية وتعزيز استقلاله الإنتاجي.

فعندما تضعف العملة المحلية أمام الدولار، يمكن أن ترتفع تكلفة الواردات المسعّرة به، بما في ذلك الطاقة والمواد الأولية والتجهيزات. وقد تنتقل هذه الزيادة إلى تكاليف الإنتاج وأسعار السلع والخدمات، لتجد الأسر نفسها أمام أعباء إضافية لا تتناسب بالضرورة مع دخولها.

أما استمرار العجز التجاري، فيطرح سؤالاً أساسياً: لماذا لا يستطيع الاقتصاد توسيع قاعدة إنتاجه المحلي بالقدر الكافي لتقليص اعتماده على الواردات؟ ولماذا لا تتحول الاستثمارات المعلنة إلى قوة صناعية وتصديرية أوسع، توفر فرص الشغل وتخلق قيمة مضافة داخل البلاد؟

إن اختلال الميزان التجاري ليس مجرد رقم في التقارير الاقتصادية؛ إنه يعكس، ضمن عوامل أخرى، تحديات الإنتاج والتنافسية والاعتماد على الأسواق الخارجية. وعندما تتكرر الاختلالات دون إصلاحات فعالة، فإن المواطنين والمقاولات المنتجة يصبحون أكثر عرضة للصدمات.

والسؤال السياسي هنا واضح: من يتحمل مسؤولية اختيارات اقتصادية لم تنجح بالقدر الكافي في بناء قاعدة إنتاجية متينة، وفي حماية الفئات الهشة من تقلبات الأسعار والأسواق؟

لا يمكن للحكومة أن تكتفي بتفسير الأزمات بالعوامل الخارجية، كما لا يمكن للفاعلين الاقتصاديين الكبار أن يتحدثوا عن نجاح استثماراتهم بمعزل عن أثرها في الاقتصاد الوطني. المطلوب هو تقييم شفاف للنتائج، ومحاسبة السياسات التي لم تحقق أهدافها، وإعادة توجيه الأولويات نحو الإنتاج المحلي والصناعات التصديرية والمقاولات التي تخلق فرص العمل.

ثالثاً: «المدى» وOCP… الثروة الكبرى والأسئلة التي لا يجوز تجاهلها
تحتل مجموعة «المدى»، المرتبطة بالمحيط الملكي، ومجموعة المكتب الشريف للفوسفاط (OCP) موقعاً مهماً في النقاش حول تركّز الثروة والنفوذ الاقتصادي في المغرب.

ومن حق المواطنين أن يسألوا عن طبيعة استثمارات هذه المجموعات، وحجم مساهمتها في الاقتصاد الوطني، وأثرها في التشغيل والصادرات والضرائب والتنمية الصناعية، ومدى استفادة المقاولات المغربية من أنشطتها وسلاسل التوريد المرتبطة بها.

إن المجموعة التي تتمتع بوزن اقتصادي كبير لا يمكن أن تطالب بالثقة المطلقة، ولا يمكن أن تعتبر مكانتها أو صلاتها السياسية سبباً لإبعاد أنشطتها عن النقاش العام. وكلما اتسع تأثير مؤسسة اقتصادية في الاقتصاد الوطني، ازدادت أهمية الشفافية بشأن نتائجها والتزاماتها وأثر قراراتها في المصلحة العامة.

وبالنسبة إلى مجموعة «المدى»، فإن السؤال لا يتعلق فقط بحجم أنشطتها داخل المغرب، بل أيضاً باستثماراتها الخارجية، وطبيعة العائدات الناتجة عنها، ومدى مساهمة تلك العائدات في الدورة الاقتصادية الوطنية.

أما OCP، باعتباره فاعلاً استراتيجياً في قطاع الفوسفاط ومشتقاته، فمن المشروع مساءلته بشأن القيمة المضافة التي يخلقها داخل المغرب، وفرص العمل التي يوفرها، ومدى تطوير الصناعات التحويلية والبحث والتكنولوجيا، وحجم مساهمته في التنمية المحلية.

إن الاتهام السياسي الموجه إلى نموذج الاقتصاد المتمركز حول مجموعات كبرى هو أنه لا يقدم للمواطنين دائماً ما يكفي من المعلومات لتقييم العلاقة بين حجم الثروة المتراكمة والمصلحة العامة التي يُفترض أن تخدمها التنمية الاقتصادية.

وهذه المساءلة لا تعني افتراض ارتكاب مخالفات من دون دليل، بل تعني رفض اعتبار النفوذ الاقتصادي حصانة من الأسئلة. فإذا كانت الاستثمارات قانونية وتحقق منافع واسعة، فإن نشر البيانات والتقارير المدققة يعزز الثقة بها. وإذا ظهرت أدلة على تضارب مصالح أو امتيازات غير مبررة أو مخالفات مالية، فيجب التحقيق فيها ومحاسبة المسؤولين عنها دون استثناء.

رابعاً: الاستثمارات الخارجية ومصير العائدات… هل تخدم الثروة الاقتصاد المغربي؟

إن الاعتراض على استثمارات المجموعات الاقتصادية الكبرى في الخارج لا يتعلق بمجرد اختيار أسواق أجنبية، بل بمصير الأموال والعائدات، وبمدى استفادة الاقتصاد المغربي والخزينة العامة منها.

فعندما تُوظَّف رؤوس أموال ضخمة خارج البلاد، وتتحقق أرباح في أسواق أجنبية، يبرز سؤال مشروع: ما الحصة التي تعود إلى المغرب في شكل ضرائب مستحقة ومداخيل عمومية واستثمارات منتجة وفرص عمل؟ وهل توجد معلومات كافية تسمح بتقييم أثر هذه العمليات في الاقتصاد الوطني؟

إن خروج الأموال إلى الخارج مع بقاء عائداتها خارج الدورة الاقتصادية الوطنية قد يثير مخاوف جدية بشأن استنزاف فرص التمويل والاستثمار المحلي، خصوصاً عندما يحتاج البلد إلى توسيع قاعدته الصناعية ودعم المقاولات وخلق وظائف مستقرة.

وإذا جرى تحويل الأموال أو الأرباح بصورة تخالف قوانين الصرف أو الالتزامات الضريبية، فإن الأمر لا يعود مجرد اختيار استثماري، بل يصبح شبهة تستوجب التحقيق والمحاسبة.

أما إذا كانت التحويلات قانونية، فإن ذلك لا يلغي السؤال السياسي المتعلق بالأولويات: هل تحصل الخزينة المغربية على الضرائب المستحقة؟ وهل تُستثمر حصة كافية من العائدات في الاقتصاد الوطني؟ وهل تخضع المعاملات العابرة للحدود للرقابة اللازمة لمنع التهرب الضريبي وتضارب المصالح ومخالفة قواعد الصرف؟

إن وصف تحويلات محددة بأنها تهريب للأموال يتطلب أدلة تثبت مخالفتها للقانون، ولا يكفي مجرد إيداع الأموال في بنوك أجنبية لإثبات وقوع جريمة. لكن هذا التمييز القانوني لا ينبغي أن يُستخدم لإغلاق النقاش بشأن خروج رؤوس الأموال، أو مدى استفادة المجتمع من الثروة المتولدة عن النشاط الاقتصادي.

إن ما يستحق الإدانة السياسية هو أن يُترك مصير الاستثمارات والعائدات الكبرى غامضاً بالنسبة إلى المواطنين، بينما يُطلب منهم تحمل أعباء الغلاء والبطالة وضعف الخدمات العامة.

والمطلوب هو الكشف عن البيانات المتاحة بشأن الاستثمارات الخارجية، والعائدات، والضرائب، والتحويلات، وضمان أن تخضع الأنشطة الاقتصادية الكبرى لقواعد واضحة تحمي المصلحة العامة. فالثروة التي تتحرك عبر الحدود لا ينبغي أن تكون خارج نطاق الرقابة والمساءلة، مهما كانت مكانة أصحابها أو نفوذهم.

خامساً: شركة «مناجم» والثروة المعدنية… من يستفيد من ذهب المغرب وفضته؟
لا يكتمل النقاش حول تركّز الثروة الاقتصادية في المغرب من دون التطرق إلى شركة «مناجم»، العاملة في قطاع التعدين والمرتبطة بالهولدينغ «المدى».

وتُطرح في هذا السياق أسئلة بشأن مسار ملكية الشركة، ودور الدولة في تاريخ القطاع، وكيفية انتقال السيطرة على المؤسسات التعدينية الكبرى، ومدى انعكاس استغلال الثروات المعدنية على الإيرادات العمومية والتنمية المحلية.

ويجب التمييز بين تاريخ الشركة نفسها وتاريخ المجموعات التي ارتبطت بها؛ فلا يصح الجزم بأن شركة «مناجم» كانت مملوكة للدولة ثم انتقلت مباشرة إلى الهولدينغ الملكي من دون وثائق توضح مسار الملكية والصفقات المعنية. لكن ذلك لا يمنع مساءلة المسار العام لملكية الثروات والأنشطة الاستراتيجية، ولا يلغي حق المواطنين في معرفة كيف تُدار موارد بلادهم.

وتثير قضية الذهب والفضة أسئلة إضافية بشأن حجم الإنتاج والكميات المصدرة والجهات المستفيدة والعائدات التي تبقى داخل المغرب. كما تُطرح ادعاءات بشأن خروج مئات الكيلوغرامات من الذهب والفضة، ووجود علاقات تجارية مع أسواق مثل تركيا وسويسرا وإيطاليا.

هذه ادعاءات ينبغي التحقق من تفاصيلها ووثائقها لتحديد الكميات والجهات والفترات المعنية، والتمييز بين الصادرات المسجلة قانونياً وأي عمليات تهريب محتملة. فوجود تجارة مع أسواق أجنبية لا يثبت وحده التهريب، لكن أي شبهة تتعلق بتجاوز القوانين الجمركية أو قواعد الصرف أو الالتزامات الضريبية تستوجب تحقيقاً جدياً.

ومع ذلك، يبقى السؤال السياسي والاقتصادي مشروعاً: هل يحصل المغاربة على معلومات كافية بشأن مصير الثروات المعدنية التي تُستخرج من بلادهم؟ وهل توجد رقابة فعالة على الإنتاج والتسويق والتصدير؟ وما حجم العائدات والضرائب التي تعود إلى الدولة؟ وما نصيب المناطق التي تُستخرج منها هذه الموارد من التنمية وفرص العمل والخدمات؟

إن الثروة المعدنية ليست مجرد مادة خام تُستخرج وتُباع؛ إنها مورد وطني ينبغي أن يساهم في بناء اقتصاد منتج، وتطوير الصناعات المحلية، وخلق وظائف ذات قيمة مضافة، وتحسين الإيرادات العمومية.

وإذا كانت الثروات تُستخرج من المغرب بينما تظل عائداتها وآثارها الاقتصادية غير واضحة للرأي العام، فإن المطالبة بالشفافية ليست اتهاماً بلا أساس، بل حق مشروع للمواطنين.

أما إذا ثبتت مخالفات أو عمليات تهريب، فيجب نشر نتائج التحقيقات ومحاسبة المسؤولين عنها. فلا ينبغي أن تتحول قوة المجموعات الاقتصادية أو علاقاتها السياسية إلى حاجز أمام تطبيق القانون.

سادساً: الحكومة والمسؤولية السياسية… من يخدم المصلحة العامة؟
الحكومة مسؤولة عن السياسات العمومية والميزانية والتشغيل والاستثمار والخدمات الاجتماعية، والأحزاب المشاركة فيها مسؤولة عن اختياراتها وقراراتها أمام المواطنين.

لكن النقاش السياسي يجب ألا يتوقف عند أسماء الوزراء أو الانتماءات الحزبية؛ بل ينبغي أن يتجه إلى القرارات التي اتخذتها الحكومة، وطبيعة المستفيدين منها، ومدى تأثيرها في المنافسة الاقتصادية وتوزيع الفرص والثروة.

إذا كانت السياسات الحكومية تمنح بعض المجموعات مزايا غير مبررة، أو تجعل المقاولات الصغيرة والمتوسطة أقل قدرة على المنافسة، أو تسمح بتضارب المصالح، فإن ذلك يستوجب مساءلة سياسية ومؤسساتية. وإذا ظهرت أدلة على مخالفات، فيجب التحقيق فيها بصورة مستقلة.

أما القول إن حزباً معيناً يسيطر على أهم الحقائب الوزارية أو على لجنة المالية في البرلمان، فينبغي أن يستند إلى التشكيلة الرسمية وتوزيع المسؤوليات الفعلي. والأهم هو تقييم القرارات والنتائج، لا الاكتفاء بالشعارات الحزبية.

إن الاتهام السياسي الذي ينبغي توجيهه إلى الحكومة هو أنها تتحمل مسؤولية خياراتها الاقتصادية، ولا يمكنها الاحتماء بشعارات الاستثمار والنمو إذا لم تنعكس سياساتها على حياة المواطنين.

فإذا كانت الحكومة تمنح الأولوية لمشاريع كبرى لا تُظهر نتائج كافية في التشغيل وتحسين الخدمات، أو لا توفر بيئة عادلة للمقاولات الوطنية، فإن من حق المواطنين الاعتراض والمطالبة بتغيير الأولويات.

كما أن المسؤولية السياسية لا تنحصر في الحكومة وحدها، بل تشمل بنية اتخاذ القرار الاقتصادي برمتها، ومدى قدرة المؤسسات المنتخبة والرقابية على ممارسة صلاحياتها، وضمان ألا تصبح المصالح الاقتصادية الكبرى أكثر تأثيراً من الحاجات الاجتماعية للمواطنين.

سابعاً: صندوق النقد الدولي وتراجع النمو المتوقع… إلى أين يتجه الاقتصاد المغربي؟

إن الحديث عن النمو الاقتصادي لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لتقديم صورة وردية عن الأوضاع، خصوصاً عندما تشير التوقعات التي يستند إليها النقاش إلى احتمال تراجع معدل النمو خلال السنة المقبلة.

ووفق المعطيات المطروحة في هذا المقال، فإن توقعات صندوق النقد الدولي تشير إلى تباطؤ النمو الاقتصادي المغربي في السنة المقبلة مقارنة بالسنة الحالية. وهذا يعني أن وتيرة التوسع الاقتصادي المتوقعة قد تكون أضعف، حتى لو ظل معدل النمو إيجابياً.

والأهم من النسبة نفسها هو السؤال عن طبيعة النمو: هل سيخلق فرص شغل مستقرة؟ هل سيحسن القدرة الشرائية؟ هل سيساعد على تقليص الفقر والهشاشة؟ وهل ستصل ثماره إلى المقاولات الصغيرة والمتوسطة والأسر ذات الدخل المحدود؟

قد ينمو الاقتصاد من الناحية الإجمالية، بينما تظل البطالة مرتفعة، وتستمر الفوارق الاجتماعية، ولا تتحسن الخدمات العامة بالقدر المطلوب. ولذلك لا يكفي الاحتجاج بمعدلات النمو من دون تقديم مؤشرات واضحة عن التشغيل والدخل الحقيقي والإنتاج المحلي وتوزيع المنافع.

إن تباطؤ النمو المتوقع ينبغي أن يدفع إلى مراجعة الأولويات الاقتصادية، لا إلى الاكتفاء بتبرير الصعوبات. فالمغرب يحتاج إلى توسيع قاعدته الصناعية، ودعم الصادرات، وتطوير الإنتاج المحلي، وتحسين مناخ المنافسة، وتوجيه الاستثمارات نحو الأنشطة التي تخلق فرص العمل والقيمة المضافة.

إن الحكومة والفاعلين المؤثرين في القرار الاقتصادي مطالبون بإثبات أن النمو يخدم المجتمع بأسره، لا أن يظل مؤشراً إجمالياً لا يشعر المواطن بنتائجه.

ثامناً: كأس العالم 2030… مشاريع ضخمة أم أولويات مختلة؟
يُقدَّم تنظيم كأس العالم 2030 باعتباره فرصة لتطوير البنية التحتية وتحسين صورة المغرب وجذب السياحة والاستثمار. وقد يحقق الحدث منافع اقتصادية، لكن هذه المنافع ليست مضمونة تلقائياً، بل تعتمد على كلفة المشاريع وطريقة تمويلها واستعمال المنشآت بعد البطولة ومدى استفادة الاقتصاد المحلي منها.

وتتداول تقديرات تضع تكلفة الاستعدادات والمشاريع المرتبطة بالمونديال فوق 25 مليار دولار. وينبغي التعامل مع هذا الرقم بوصفه تقديراً مطروحاً في النقاش، مع ضرورة تحديد المشاريع والفترة التي يشملها قبل اعتباره ميزانية نهائية.

لكن السؤال الأهم لا يتعلق بالرقم وحده: هل تُعد هذه المشاريع أولوية أعلى من تحسين المستشفيات والمدارس والنقل العمومي؟ وهل تُنشر تفاصيل العقود والتكاليف ومصادر التمويل؟ وهل تُقاس منافعها الفعلية في التشغيل والاستثمار المحلي؟ وهل ستبقى المنشآت مفيدة للمواطنين بعد انتهاء البطولة؟

إن الاعتراض ليس على الرياضة أو على استضافة الأحداث الدولية، بل على احتمال تحويل المونديال إلى واجهة للإنجازات بينما تستمر مشكلات اجتماعية واقتصادية أساسية في انتظار حلول فعالة.

فلا معنى لبناء منشآت ضخمة إذا كان المواطن يعاني من ضعف الخدمات الصحية أو صعوبة الحصول على تعليم جيد أو انعدام فرص العمل. ولا يجوز أن تتحول الطموحات الدولية إلى مبرر لتأجيل الإصلاحات الاجتماعية أو تهميش المقاولات الصغيرة والمتوسطة.

إن الاتهام السياسي هنا هو أن اختلال ترتيب الأولويات قد يجعل صورة البلاد في الخارج أكثر أهمية من جودة الحياة داخلها. وإذا كانت المشاريع الكبرى تحقق فعلاً منافع واسعة، فعلى الجهات المسؤولة أن تثبت ذلك من خلال حسابات شفافة وتقييم مستقل للتكاليف والعوائد.

تاسعاً: الفقر والبطالة والغلاء… المواطن يدفع ثمن الاختلالات
تظهر الأزمة الاقتصادية في الحياة اليومية قبل أن تظهر في التقارير: في فاتورة الغذاء، وتكاليف السكن والنقل والطاقة، وصعوبة العثور على وظيفة مستقرة، والانتظار الطويل للحصول على خدمة صحية أو تعليمية جيدة.

والفئات محدودة الدخل هي الأكثر تعرضاً للصدمات، لأنها تنفق نسبة كبيرة من مواردها على الحاجات الأساسية، ولا تملك دائماً مدخرات تحميها من ارتفاع الأسعار أو فقدان العمل. كما أن ارتفاع تكاليف الإنتاج قد يدفع بعض المقاولات إلى تقليص التوظيف أو تأجيل الاستثمار، وهو ما ينعكس بدوره على الأسر.

وتُطرح في النقاش العام أرقام تشير إلى أن الفقر والهشاشة يطالان أعداداً كبيرة من المغاربة، بل يصل بعضها إلى 15 مليون شخص. ويجب توضيح ما إذا كانت هذه الأرقام تقيس الفقر وفق معيار محدد، أم الهشاشة الاقتصادية، أم التعرض لخطر الفقر؛ فهذه مفاهيم مختلفة ولا يجوز الخلط بينها.

لكن الجدل حول تعريف الفقر لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لتجاهل المعاناة الاجتماعية. فالمطلوب هو مواجهة الواقع المعيشي من خلال سياسات قابلة للقياس، وتحسين الدخل الحقيقي، وتوفير فرص عمل مستقرة، وضمان خدمات عامة ذات جودة.

إن أي نموذج اقتصادي لا يضع حماية القدرة الشرائية وتوسيع فرص العمل وتقليص الفوارق في صلب أولوياته، يخاطر بتراكم الثروة في جانب واتساع انعدام الأمان الاقتصادي في الجانب الآخر.

ولا يمكن مطالبة المواطنين بالصبر إلى أجل غير محدد، ولا يمكن تبرير كل إخفاق بأن الإصلاح يحتاج إلى وقت. فالمساءلة تقتضي أهدافاً معلنة ومواعيد واضحة ومؤشرات منشورة وتقييماً دورياً يبيّن ما تحقق وما تعثر ومن يتحمل المسؤولية.

إن المواطن المغربي ليس مسؤولاً عن رسم السياسات الاقتصادية الكبرى، لكنه غالباً ما يكون أول من يدفع ثمن نتائجها: عبر الغلاء والبطالة وضعف الخدمات وانعدام الاستقرار. ومن هنا يصبح الإصلاح الاقتصادي قضية عدالة اجتماعية وسياسية، لا مجرد نقاش تقني حول الأرقام.

عاشراً: ما الذي يجب تغييره؟
إن معالجة هذه الاختلالات تتطلب أكثر من تغيير بعض الوجوه الحكومية أو إطلاق مشاريع جديدة. المطلوب هو مراجعة القواعد التي تحكم العلاقة بين السلطة والثروة، وتعزيز الشفافية والمساءلة، وتوجيه الاقتصاد نحو الإنتاج والتشغيل والتنمية المحلية.

أولاً، نشر المعلومات المتاحة عن الاستثمارات الكبرى داخل المغرب وخارجه، وتوضيح أثرها على التشغيل والإنتاج والصادرات والضرائب.
ثانياً، تقوية الرقابة على تضارب المصالح، وضمان تطبيق قواعد المنافسة على جميع الفاعلين دون استثناء، وتعزيز استقلال الجهات الرقابية.
ثالثاً، إخضاع المشاريع العمومية الكبرى، بما فيها المشاريع المرتبطة بكأس العالم 2030، لتقييم مستقل للتكاليف والعوائد، ونشر المعلومات الأساسية عن العقود والتمويل والنتائج.
رابعاً، دعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة، وتحسين وصولها إلى التمويل والصفقات والأسواق، وربط الحوافز الاستثمارية بنتائج واضحة في التشغيل والقيمة المضافة المحلية.
خامساً، وضع سياسة صناعية تقلل الاعتماد على الواردات حيثما كان ذلك ممكناً اقتصادياً، وتدعم الصناعات التصديرية والبحث والتطوير والتكوين المهني.
سادساً، تعزيز الرقابة على استغلال الثروات المعدنية، ونشر البيانات المتاحة عن الإنتاج والتصدير والعائدات والضرائب، والتحقيق في أي شبهات موثقة تتعلق بالتهريب أو التهرب الضريبي.
سابعاً، إعطاء الأولوية للخدمات العامة والحماية الاجتماعية، ونشر مؤشرات واضحة عن الفقر والهشاشة والبطالة والدخل الحقيقي.
ثامناً، تمكين البرلمان والصحافة والمجتمع المدني والهيئات الرقابية من ممارسة أدوارها في المساءلة، وضمان ألا تتحول المكانة السياسية أو الاقتصادية لأي جهة إلى حاجز أمام الأسئلة المشروعة.

و أخيرا : من يحاسب أصحاب النفوذ؟
إن جوهر الأزمة التي ينبغي أن يناقشها المغاربة ليس مجرد تراجع الدرهم أو ارتفاع العجز التجاري أو تباطؤ النمو أو تكلفة بطولة رياضية. إنها أزمة تتعلق بتوزيع السلطة والثروة، وبمدى قدرة المؤسسات على ضمان أن تكون المصلحة العامة هي المعيار الأعلى في توجيه الاستثمارات والميزانيات والقرارات.

إن نقد النموذج الاقتصادي المرتبط بتركيز النفوذ والثروة ليس عداءً للاستثمار، ولا رفضاً لنجاح الشركات، بل مطالبة بأن تكون قواعد النجاح عادلة، وأن تخضع المؤسسات الكبرى للمساءلة، وأن تنعكس الثروة الوطنية على حياة المواطنين.

ومن حق المغاربة أن يسألوا عن العلاقة بين السلطة والمصالح الاقتصادية الكبرى، وعن أثر الاستثمارات الخارجية على الاقتصاد الوطني، وعن مصير عائدات الثروات المعدنية، وعن تكلفة المشاريع الضخمة، وعن جدوى السياسات التي لا تحقق تحسناً ملموساً في التشغيل والخدمات والقدرة الشرائية.

إن الاتهام السياسي الأساسي هو أن نموذجاً يتركز فيه النفوذ الاقتصادي والسياسي في دوائر محدودة، من دون شفافية ومساءلة كافيتين، يعرّض التنمية لخطر التحول إلى عملية تراكم للثروة لا تتوزع ثمارها بعدالة.

وإذا أرادت المؤسسات القائمة إثبات أن هذا النموذج يخدم المغاربة جميعاً، فعليها تقديم الدليل: قواعد منافسة عادلة، وبيانات قابلة للتحقق، ورقابة مستقلة، ومحاسبة لا تستثني أصحاب النفوذ، ونتائج ملموسة في التشغيل والقدرة الشرائية والخدمات العامة.

أما إذا استمرت الأسئلة المتعلقة بتوزيع الثروة والفرص بلا أجوبة كافية، فسيظل النقد السياسي قائماً، وستظل المطالبة بالإصلاح والمحاسبة حقاً مشروعاً للمواطنين.

لا تنمية بلا مساءلة، ولا ثقة بلا شفافية، ولا عدالة اقتصادية إذا كان النفوذ أقوى من القانون. ولا يمكن لأي نموذج اقتصادي أن يدّعي النجاح بينما يظل المواطن يشعر بأن ثروات بلاده لا تنعكس بما يكفي على حياته ومستقبل أبنائه.



#فريد_بوكاس (هاشتاغ)       Farid_Boukas#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اللجنة الرابعة للأمم المتحدة وقرارات الجمعية العامة: قراءة ق ...
- المشهد السياسي في المغرب بين عبث التحالفات الحزبية وواقع مغا ...
- الجزائر: توقيف 61 مغربياً في وهران: أسئلة أمنية وقانونية وإع ...
- قصيدة : حاكم المغرب وخطب السراب
- خطاب ملك المغرب: حين تصطدم شرعية الملكية بواقع الإقصاء السيا ...
- معلقة المنفى المغربي
- لمغرب بين شعارات الإصلاح وواقع القبضة السياسية والأمنية والا ...
- إسبانيا والمغرب: الانتخابات تبيّن الفرق بين المملكتين
- هل تخلى المغرب عن سبتة ومليلية؟
- المعتقلون السياسيون في المغرب بين مطرقة الملكية وسندان حزب ا ...
- المغرب: رئاسة الحكومة والفساد
- حين يصبح في المغرب رئيس الحكومة مزوراً
- حزب الأصالة والمعاصرة المغربي: من الهمة إلى المنصوري... من أ ...
- حزب المخدرات والجرار في المغرب : من وراء تصدّره الانتخابات؟
- انتخابات 23 شتنبر 2026 في المغرب: صناديق الاقتراع أم إعادة ت ...
- المغرب تحت كشاف الظلال: شبابٌ يتحولون إلى أرقام... وانتخابات ...
- فتح السفارات المغربية والإسرائيلية: تطبيع قديم وإعلان في توق ...
- المغرب: أناشيد الكناسين وصمت المسجونين
- انتخابات المغرب: حين تصبح الديمقراطية مجرد ديكور... والورقة ...
- الانتخابات في المغرب: هل ننتخب الحكومة أم نعيد انتخاب الواجه ...


المزيد.....




- الحوثيون يعلنون إسقاط طائرة استطلاع سعودية من طراز -كاريال- ...
- -عدوى فرنسية-.. أحداث شغب ونهب بمدينة ميلانو الإيطالية تسفر ...
- الدفاعات الجوية الروسية تسقط 87 مسيرة كانت متجهة إلى موسكو م ...
- روبيو يبرر تعليق العقوبات على روسيا: الديزل سيباع بطريقة أو ...
- روبيو: لا علاقة للبيت الأبيض بتقييد عمل -ستارلينك- في أوكران ...
- احتجاجات فرنسا: حريق يُدمر بلدية ليموج
- تنظيم الدولة يعلن قتل 21 عسكريا بهجوم على قاعدة للجيش في نيج ...
- بعد 65 عاما.. الشرطة الأمريكية تحل لغز جريمة قتل وهوية القات ...
- معرض باريس للسيارات يشعل المشهد العالمي بموجة من الطرازات ال ...
- عاجل | وزير الخارجية الأمريكي: طالبنا إسرائيل باتخاذ إجراءات ...


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فريد بوكاس - اقتصاد النفوذ في المغرب: الملكية والثروة والسلطة في مواجهة الفقر والبطالة… من يتحكم في البلاد ومن يدفع الثمن؟