فريد بوكاس
(Farid Boukas)
الحوار المتمدن-العدد: 8876 - 2026 / 11 / 1 - 01:06
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ألمانيا : فريد بوكاس ، صحفي باحث و ناشط سياسي
تُشكّل العلاقات الجزائرية المغربية أحد أعقد المحاور الجيوسياسية في منطقة شمال إفريقيا، حيث يُمثّل نزاع الصحراء الغربية نقطة الارتكاز الأساسية في حالة التوتر الهيكلي المستمر بين البلدين منذ عقود. ومنذ تأسيس جبهة البوليساريو في السبعينيات من القرن العشرين، تبنّى صانع القرار في الجزائر استراتيجية دعم مستدام للجبهة، وهي استراتيجية تتداخل فيها الأيديولوجيا المعلنة مع الحسابات الجيواستراتيجية والمصالح الاقتصادية الإقليمية.
من الناحية الاقتصادية واللوجستية، تفتقر الأدبيات السياسية إلى بيانات رسمية أو إحصاءات بنيوية دقيقة صادرة عن الحكومة الجزائرية، تحدد الحجم التراكمي للإنفاق على جبهة البوليساريو، نظراً إلى إدراج هذه النفقات ضمن بنود الموازنات الدفاعية والدبلوماسية والمساعدات الإنسانية غير المفصّلة علناً. ومع ذلك، ترصد تقارير مراكز الأبحاث الدولية والدراسات المقارنة تقديرات متفاوتة لحجم هذا الإنفاق التراكمي منذ عام 1975، حيث تتراوح الأرقام بين 250 مليار دولار، وتتجاوز في بعض القراءات الحديثة حاجز 600 مليار دولار أمريكي. ويشمل هذا العبء المالي الدعم العسكري المباشر، والتسليح، وإدارة مخيمات تندوف، إلى جانب كلفة البعثات الدبلوماسية ولجان الدعاية الخارجية؛ إذ تُقدّر بعض المصادر الغربية الكلفة السنوية بنحو 850 مليون يورو في فترات ذروة النزاع، في حين تشير قراءات موازناتية أخرى إلى مخصصات دورية تتراوح بين 120 و180 مليون دولار سنوياً لتغطية التحركات الإدارية والإعلامية لمسؤولي الجبهة.
أما فيما يتعلق بالمحددات التفسيرية لخلفيات هذا الدعم، فيمكن تصنيفها، وفق القراءات التحليلية الاستراتيجية، إلى ثلاثة أبعاد رئيسية:
أولاً: بُعد المنفذ الجيوسياسي على المحيط الأطلسي
حيث تفيد التحليلات الاستراتيجية بأن قيام كيان سياسي حليف أو خاضع للنفوذ الجزائري في منطقة الصحراء يمنح الجزائر إطلالة جغرافية مباشرة على المحيط الأطلسي. ويسهم هذا المنفذ في كسر الانغلاق النسبي للجزائر المطلة حصراً على حوض البحر الأبيض المتوسط، مما يعزز مرونتها التجارية في تصدير الموارد الطبيعية والمعدنية، فضلاً عن توفير عمق بحري وعسكري جديد للاستراتيجية الدفاعية الجزائرية.
ثانياً: بُعد التوازن الحدودي وملف الصحراء الشرقية
إذ يربط سياق التحليل التاريخي بين النزاع الحالي والخلافات الحدودية الموروثة عن الحقبة الاستعمارية، مثل منطقتي تندوف وبشار. ففي أعقاب «حرب الرمال» عام 1963، اتجهت المقاربة الجزائرية نحو إشغال المغرب بملف استنزافي طويل الأمد في الصحراء الغربية، كأداة ضغط استراتيجية تدفعه إلى القبول بالأمر الواقع والاعتراف النهائي بالحدود الحالية، وتحييد قدرته على إثارة أي مطالب ترابية مستقبلاً بخصوص الحدود المشتركة.
ثالثاً: بُعد التنافس على الريادة الإقليمية
حيث تُدار العلاقات الثنائية وفق مفهوم «المعادلة الصفرية» وسباق النفوذ في شمال إفريقيا. ومن هذا المنطلق، فإن نشوء دولة مستقرة في الصحراء يؤدي جغرافياً إلى محاصرة المغرب وتطويقه، ويمنع امتداده الجيوسياسي نحو عمقه الإفريقي (موريتانيا ودول غرب إفريقيا)، مما يؤدي بالتبعية إلى تحجيم النفوذ الإقليمي للرباط وتعديل ميزان القوى لصالح الجزائر.
رابعاً: البُعد الاجتماعي والاقتصادي وكلفة الصراع على الشعبين الجزائري والمغربي
بعيداً عن الحسابات الجيوسياسية والاستراتيجية، تبرز الكلفة الاجتماعية والاقتصادية لهذا الصراع باعتبارها أحد أكثر أبعاده إشكالية، إذ إن فاتورة التنافس الإقليمي ودعم الأطراف المتنازعة لا تُسدّد من أرصدة الأنظمة السياسية أو من موارد مالية مستقلة، وإنما تتحملها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، خزائن الدول ومواردها العمومية، أي من ثروات الشعبين الجزائري والمغربي. فالمليارات التي تُوجّه إلى إدارة هذا النزاع، وتمويل امتداداته العسكرية والدبلوماسية والإعلامية، تمثل في جوهرها موارد كان بالإمكان توظيفها في بناء المستشفيات، وتطوير المنظومات التعليمية، وتحسين البنية التحتية، وتوفير فرص الشغل، والارتقاء بالخدمات الاجتماعية والصحية.
وفي الوقت الذي تُستنزف فيه الموارد المالية في صراع إقليمي طويل الأمد، لا تزال شرائح واسعة من المجتمعين الجزائري والمغربي تواجه تحديات معيشية متفاقمة، تتجلى في البطالة، والفقر، والهشاشة الاجتماعية، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتفاوت فرص الاستفادة من الخدمات الصحية، فضلاً عن الاختلالات التي تعرفها المنظومتان التعليميتان. وهنا تبرز المفارقة السياسية والاقتصادية الكبرى: كيف يمكن لدول تمتلك من الإمكانات الطبيعية والموارد البشرية ما يؤهلها لتحقيق تنمية إقليمية مشتركة، أن تظل أسيرة سباق استراتيجي يستنزف إمكاناتها، بينما تتزايد احتياجات مواطنيها إلى أبسط مقومات العيش الكريم؟
إن الإشكال لا يكمن فقط في حجم الأموال التي تُنفق على هذا النزاع، بل في طبيعة الأولويات التي تحكم القرار السياسي في البلدين. فبدلاً من توجيه الموارد نحو معالجة الاختلالات البنيوية وتحقيق التنمية المستدامة، تحوّل الصراع إلى أحد المحددات الرئيسية للسياسات الخارجية والداخلية، وأصبح جزءاً من معادلة الشرعية السياسية وتعبئة الرأي العام. وفي ظل استمرار هذا الوضع، يجد المواطن الجزائري والمواطن المغربي نفسيهما أمام معادلة غير متكافئة، يدفعان فيها كلفة التنافس السياسي والاستراتيجي، دون أن يجنيا ثماره، بل ويتحملان نتائج تعطيل فرص التعاون الاقتصادي والتجاري والتنموي بين بلدين يجمعهما التاريخ والجغرافيا والمصالح المشتركة.
خامساً: البُعد الدولي وتقاطعات المصالح الأجنبية في الصراع المغاربي
لا يمكن تحليل استمرار التوتر الجزائري المغربي بمعزل عن السياق الدولي وتوازنات القوى الكبرى، إذ إن منطقة شمال إفريقيا والساحل والصحراء تمثل مجالاً استراتيجياً بالغ الأهمية بالنسبة إلى القوى الدولية، بالنظر إلى موقعها الجغرافي، وثرواتها الطاقية والمعدنية، وامتداداتها الأطلسية والمتوسطية، فضلاً عن أهميتها في معادلات الأمن والطاقة والتجارة الدولية.
وفي هذا السياق، تتقاطع مصالح قوى دولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، مع التوازنات السياسية والعسكرية في المنطقة، حيث تمثل العلاقات العسكرية والتسليحية، والشراكات الاقتصادية، والتحالفات الدبلوماسية، أدوات رئيسية لتعزيز النفوذ الخارجي. فالولايات المتحدة تسعى إلى ترسيخ حضورها الاستراتيجي والأمني والاقتصادي في المنطقة، في حين تحافظ روسيا على مصالحها العسكرية والتسليحية وشبكة علاقاتها التقليدية، خصوصاً مع الجزائر، باعتبارها أحد أبرز شركائها في مجال التسليح.
ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة استمرار التوتر بين البلدين ضمن بيئة دولية تستفيد فيها بعض القوى الخارجية من حالة التنافس الإقليمي، سواء من خلال توسيع أسواق السلاح، أو تعزيز مواقعها التفاوضية، أو استثمار التباينات السياسية لتأمين مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية. ولا يعني ذلك بالضرورة وجود إدارة خارجية مباشرة للصراع أو تطابق كامل بين أجندات هذه القوى ومواقف النظامين، بقدر ما يعكس واقعاً تتداخل فيه الحسابات الوطنية مع المصالح الدولية، بما قد يجعل استمرار الانقسام الإقليمي عاملاً مساعداً على توسيع النفوذ الأجنبي.
وتكمن المفارقة في أن البلدين، بدلاً من استثمار موقعهما الجغرافي وثقلهما الاقتصادي والبشري لبناء تكتل مغاربي قادر على التفاوض من موقع القوة مع الشركاء الدوليين، يظلان منشغلين بصراع يحدّ من قدرتهما على صياغة استراتيجية إقليمية مستقلة. فالتبعية في مجال التسليح، وتضارب التحالفات، وتغليب الحسابات الأمنية الضيقة، كلها عوامل تجعل القرار الاستراتيجي المغاربي أكثر عرضة للتأثر بتوازنات القوى الخارجية، وتحدّ من هامش المناورة المستقل أمام العواصم الدولية الكبرى.
صراع الأنظمة وثمن الشعوب
إن المأساة الحقيقية في استمرار التوتر الجزائري المغربي لا تكمن فقط في تعثر تسوية نزاع الصحراء الغربية، ولا في التنافس على النفوذ والريادة الإقليمية، بل في تحول هذا الخلاف إلى عبء تاريخي واقتصادي واجتماعي تتحمل الشعوب المغاربية نتائجه جيلاً بعد جيل. فالشعبان الجزائري والمغربي ليسا طرفين في معادلة العداء، ولا ينبغي أن يكونا وقوداً لصراعات تتجاوز أولوياتهما المعيشية والتنموية، بل إن مصالحهما الحقيقية تكمن في الاستقرار والتعاون والتكامل الاقتصادي والانفتاح المتبادل.
إن الأموال التي تُستنزف في سباق التسلح والتنافس السياسي والدبلوماسي كان يمكن أن تتحول إلى استثمارات في الصحة والتعليم والسكن والتشغيل، وأن تساهم في تحسين شروط الحياة لملايين المواطنين في البلدين. كما أن الحدود المغلقة والتوتر المستمر لا يحولان دون التعاون السياسي فحسب، بل يعطلان فرصاً اقتصادية وتجارية واستثمارية كان من الممكن أن تجعل المغرب العربي فضاءً إقليمياً أكثر قوة وازدهاراً.
وفي ظل التحولات الدولية المتسارعة، لم يعد مقبولاً أن تظل المنطقة رهينة حسابات تاريخية وصراعات نفوذ تستنزف مقدراتها، بينما تتقدم تكتلات إقليمية أخرى نحو تعزيز وحدتها الاقتصادية والاستراتيجية. فالقوة الحقيقية للدول لا تُقاس فقط بحجم ترساناتها العسكرية أو قدرتها على فرض مواقفها الدبلوماسية، وإنما أيضاً بقدرتها على توفير الكرامة الاجتماعية والرفاه الاقتصادي والصحة والتعليم لمواطنيها.
وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال الجوهري: إلى متى ستظل الشعوب المغاربية تؤدي ثمن صراعات لم تخترها، وتُضحّي بفرص تنميتها ومستقبل أجيالها من أجل حسابات سياسية واستراتيجية لم تنجح، بعد عقود من التوتر، في تحقيق استقرار دائم أو بناء توازن إقليمي مستدام؟
#فريد_بوكاس (هاشتاغ)
Farid_Boukas#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟