|
|
الفساد في المغرب: إعفاءات تُسكّن الغضب ومحاسبة لا تستأصل الورم
فريد بوكاس
(Farid Boukas)
الحوار المتمدن-العدد: 8873 - 2026 / 10 / 29 - 21:46
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
توجد حلقة مفقودة في معالجة ملفات الفساد المالي، وتتضح أكثر بعد أن يحال بعضها على العدالة، لتظل رهينة رؤية تقليدية تقتصر على الإدانة بل الإعفاء وإحالة الفاسد على التقاعد مدى الحياة ، دون استئصال «الورم» من أساسه. الرأي العام لاحظ أن تحريك الملفات يتسم بغياب بإرادة النظام المتورط لطي صفحة «ناهبي المال العام»، سواء تحت ضغط شعارات تدفع إلى نصب مقاصل لإعدام «المفسدين» أو العجز عن وضع حد للمال السايب الذي يشجع على السرقة...
فقصص ملفات الفساد المالي والإداري لم تطو نهائيا، منذ بدايتها في السنوات الأولى لاستقلال المغرب، بل امتدت إلى مؤسسات عمومية كبرى، مثل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، والقرض العقاري والسياحي، والقرض الفلاحي، والمكتب الوطني للمطارات، مرورا بملف المطاحن والتلاعب في حصص الدقيق المدعم، وانتهاء بتجاوزات كبرى لرجال سلطة بالقصر الملكي وعلى رأسهم الملك المستحوذ ومستشاره فؤاد العالي الهمة ومدير أفعاله عفوا أعماله منير الماجدي وبرلمانيين ومنتخبين و... أي أن المعالجة الحالية للملفات بمثابة مسكنات ينتهي مفعولها بانتهاء الإعفاءات.
الفساد الذي يعود بأسماء جديدة
إن أخطر ما في ملفات الفساد المالي والإداري ليس فقط حجم الأموال التي يشتبه في تبديدها أو طرق الاستيلاء عليها، بل قدرة الاختلالات على إعادة إنتاج نفسها، حتى بعد الكشف عن بعض خيوطها أو إحالة ملفاتها على القضاء. فالمشكلة لا تتعلق بأشخاص يغادرون مناصبهم أو يحالون على التقاعد، وإنما ببيئة إدارية وسياسية واقتصادية قد تسمح بتكرار الممارسات نفسها، وتمنح المتورطين المحتملين فرصا جديدة للالتفاف على قواعد المحاسبة.
إن إعفاء مسؤول من منصبه لا يعني بالضرورة محاسبته، كما أن إحالته على التقاعد لا تعني استرجاع الأموال التي قد تكون ضاعت أو صرفت خارج الأغراض المخصصة لها. وبين الإعفاء والمساءلة تضيع، في كثير من الأحيان، الأسئلة الجوهرية: من استفاد؟ وكيف جرى تمرير الاختلالات؟ ومن قصر في المراقبة؟ وأين انتهت الأموال؟ وهل استعيدت الممتلكات والعائدات غير المشروعة، متى ثبت وجودها، أم أن الملف يغلق إداريا قبل استكمال حلقاته المالية والقضائية؟
هذه هي الحلقة المفقودة التي ينبغي أن تكون في صلب أي نقاش جدي حول محاربة الفساد: الانتقال من تدبير تداعيات الفضيحة إلى تفكيك آليات إنتاجها، ومن التضحية ببعض الوجوه إلى مساءلة كل من تثبت مسؤوليته، مهما كانت صفته أو موقعه أو شبكة علاقاته.
فلا معنى لمكافحة الفساد إذا كانت نهايتها إعفاء المسؤول، وتعيين آخر مكانه، ثم انتظار فضيحة جديدة لتتكرر الدورة ذاتها. ولا معنى لفتح الملفات إذا لم يكن الهدف كشف الحقيقة كاملة، وتحديد المسؤوليات، واسترداد الأموال التي يثبت تبديدها، وإصلاح الثغرات التي سمحت بوقوع التجاوزات.
إن الفساد الذي لا تترتب عليه محاسبة فعلية يتحول إلى مخاطرة محسوبة في نظر من قد يفكر في استغلال المنصب لتحقيق منافع خاصة؛ إذ يصبح أسوأ ما يمكن أن يواجهه، في بعض الحالات، هو فقدان كرسيه، بينما تظل الأسئلة المتعلقة بالمكاسب والممتلكات والمصالح قائمة بلا أجوبة واضحة.
حين يتحول الإعفاء إلى مخرج آمن
لا يمكن بناء الثقة في المؤسسات بمجرد الإعلان عن إعفاء مسؤول هنا أو إبعاد آخر هناك. فالإعفاء إجراء إداري لا يثبت الإدانة ولا يعوض المساءلة القضائية، ولا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لإنهاء الجدل العام أو امتصاص الغضب الشعبي.
وإذا انتهت قضية تثير الشبهات إلى مغادرة المسؤول مكتبه من دون توضيح نتائج التحقيقات، أو بيان مصير الأموال المعنية، فإن ذلك يترك انطباعا بأن تغيير الأشخاص قد يكون أيسر من إصلاح المؤسسات.
والمفارقة أن المسؤول الذي يغادر منصبه قد يحتفظ بما راكمه من امتيازات مهنية أو اجتماعية، بينما تظل المؤسسة التي أُديرت في عهده مطالبة بتدبير آثار الاختلالات، ويظل المواطن مطالبا بتحمل كلفة الخسائر المحتملة من خلال المال العام الذي يفترض أن يوجه إلى الصحة والتعليم والنقل والسكن والبنيات الأساسية.
وهنا يتحول الفساد من قضية محاسبة إدارية إلى قضية عدالة اجتماعية، لأن فاتورته لا يؤديها المتورط وحده، بل يؤديها مجتمع بأكمله.
وإذا كان التقاعد حقا قانونيا لا يجوز المساس به خارج الضوابط المعمول بها، فإن المشكلة تكمن في استعماله، أو في الإعفاء من المنصب، بديلا عن التحقيق والمحاسبة واسترداد الأموال عند ثبوت الاستيلاء عليها أو تبديدها. فلا ينبغي أن تكون مغادرة المكتب نهاية للمساءلة، ولا أن يتحول مرور الزمن إلى مظلة تحجب الحقيقة أو تمنع ترتيب المسؤوليات وفق القانون. إن المحاسبة التي تنتهي عند باب المكتب ليست محاسبة مكتملة، والإعفاء الذي لا يتبعه كشف للحقيقة قد يغير الواجهة، لكنه لا يضمن معالجة الخلل.
الثروة في القمة والهشاشة في القاعدة
لا يمكن فتح نقاش جدي حول الفساد المالي في المغرب من دون التوقف عند التفاوت الصارخ بين الثروات المتركزة في قمة الهرم الاقتصادي، والأوضاع الاجتماعية لفئات واسعة من المواطنين الذين يكافحون يوميا لتأمين أبسط شروط العيش الكريم.
فبين الثروات الضخمة والمصالح الاقتصادية المرتبطة بالعائلة الملكية وبمحيط مراكز النفوذ، من جهة، والأسر التي ترهقها تكاليف السكن والغذاء والعلاج والتعليم، من جهة أخرى، تبرز أسئلة محرجة حول العدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، وحدود التداخل بين السلطة والثروة، ومدى شفافية المصالح الاقتصادية المرتبطة بمراكز القرار.
لقد تناولت تقارير صحفية دولية حجم الاستثمارات والمصالح الاقتصادية المرتبطة بالعائلة الملكية المغربية، بما فيها المجموعة القابضة «المدى»، التي تنشط في قطاعات اقتصادية متعددة. ويثير هذا الحضور الاقتصادي الواسع أسئلة مشروعة بشأن شفافية المصالح، وتكافؤ الفرص، والضمانات التي تمنع تضارب المصالح، خصوصا عندما تتقاطع الثروة الاقتصادية مع مراكز السلطة والنفوذ.
ولا يتعلق السؤال بمجرد امتلاك الثروة أو ممارسة الاستثمار، بل بمدى وضوح الحدود الفاصلة بين السلطة السياسية والمصالح الاقتصادية، وبمدى توافر الرقابة المستقلة والإفصاح والضمانات التي تحمي المنافسة وتضمن خضوع الجميع للقواعد نفسها.
فحين تكون المصالح الاقتصادية كبيرة، وتكون المعلومات المتعلقة بتفاصيلها محدودة بالنسبة إلى الرأي العام، تصبح الشفافية ضرورة لا ترفا، وتصبح المساءلة شرطا لتعزيز الثقة في المؤسسات. ولا ينبغي أن يتحول النفوذ، أيا كان مصدره، إلى عامل يمنح بعض الفاعلين أفضلية غير مبررة أو يجعل مساءلتهم أكثر صعوبة.
إن السؤال السياسي والاجتماعي الذي يفرض نفسه هو: كيف يمكن الحديث عن العدالة الاجتماعية وتقليص الفوارق، في ظل استمرار تفاوتات كبيرة في الثروة والقدرة على الوصول إلى الفرص الاقتصادية؟ وكيف يمكن إقناع المواطن بأن قواعد المنافسة عادلة إذا لم تتوافر له معلومات كافية تسمح بفهم العلاقة بين السلطة والمصالح الاقتصادية؟
هذه أسئلة لا تستدعي إطلاق أحكام مسبقة على الأفراد، ولا تعفي أي طرف من قرينة البراءة، لكنها تستوجب شفافية تتناسب مع حجم المسؤولية العامة، وتضمن أن المصالح الخاصة لا تتقدم على المصلحة العامة.
12 مليون مغربي: حين يصبح الدعم عنوانا للهشاشة
في قلب هذه المعادلة الاجتماعية، يبرز رقم 12 مليون مغربي بوصفه رقما ذا دلالة كبيرة في النقاش حول الحماية الاجتماعية. فقد أعلنت الوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي أن برنامج الدعم الاجتماعي المباشر يشمل نحو 12 مليون مستفيد، موزعين على قرابة أربعة ملايين أسرة، قبل أن تشير الحصيلة الحكومية المنشورة مطلع سنة 2026 إلى نحو 12.5 مليون مستفيد خلال سنة 2025. ويجب التمييز هنا بين عدد المستفيدين من البرنامج وعدد الأشخاص المصنفين إحصائيا ضمن فئة الهشاشة، لأن المؤشرين ليسا متطابقين ومع ذلك، فإن اتساع دائرة المستفيدين يطرح سؤالا جوهريا حول واقع الأسر التي تحتاج إلى دعم مباشر لمواجهة تكاليف الحياة، ومدى كفاية هذا الدعم في حماية قدرتها الشرائية وصون كرامتها.
فوراء الأرقام الرسمية أسر تعاني محدودية الدخل، وأشخاص يواجهون هشاشة مهنية واجتماعية، وعائلات تخشى أن يؤدي مرض مفاجئ أو فقدان العمل أو ارتفاع الأسعار إلى دفعها نحو مزيد من العوز. وهناك أيضا مواطنون يشتغلون بانتظام، لكن مداخيلهم لا تكفي لتغطية احتياجات أسرهم الأساسية.
إن الهشاشة لا تعني دائما انعدام الدخل، بل قد تعني أيضا أن يكون دخل الأسرة غير كاف لتأمين الغذاء والسكن والعلاج والتعليم، أو أن تعيش تحت ضغط دائم يجعلها عاجزة عن مواجهة أي طارئ مالي. ومن هنا فإن النقاش حول 12 مليون مستفيد لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد استعراض لحصيلة برنامج حكومي، بل يجب أن يمتد إلى قياس الأثر الفعلي للدعم في الحياة اليومية للمواطنين.
فهل استطاع الدعم أن يخرج الأسر المستفيدة من دائرة الهشاشة، أم أنه يخفف بعض آثارها من دون معالجة أسبابها؟ وهل تكفي المبالغ الممنوحة لمواجهة النفقات الأساسية، أم أن كثيرا من الأسر لا تزال مضطرة إلى الاستدانة أو تقليص احتياجاتها لتتمكن من إتمام الشهر؟
إن قيمة أي برنامج اجتماعي لا تقاس فقط بعدد المستفيدين منه، بل بمدى قدرته على تحسين ظروف عيشهم، وتقليص تعرضهم للفقر، وتوفير حد أدنى من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
دعم لا يكفي حتى لفاتورة الماء والكهرباء
تزداد المفارقة قتامة حين يصبح الدعم الاجتماعي، الذي يفترض أن يشكل شبكة أمان للفئات الهشة، عاجزا في حالات كثيرة عن تغطية أبسط الالتزامات الشهرية للأسر المستفيدة ،فبالنسبة إلى بعض الأسر محدودة الدخل، قد لا يكفي المبلغ الذي تتوصل به حتى لأداء فاتورتي الماء والكهرباء، فما بالك بتوفير الغذاء، وأداء واجبات الكراء، وتغطية مصاريف العلاج، ومستلزمات الدراسة، وتكاليف النقل، وغيرها من الضروريات التي لا تقبل التأجيل.
كيف يمكن مطالبة أسرة تعيش على دخل محدود، أو لا تتوفر على دخل قار أصلا، بتدبير شؤونها في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، بينما لا يغطي الدعم المخصص لها سوى جزء من أعبائها؟ وأي معنى للحماية الاجتماعية إذا كان المستفيد يضطر إلى الاختيار بين أداء فاتورة الكهرباء وشراء بعض المواد الغذائية، أو بين تسديد مستحقات الماء وتوفير احتياجات أطفاله الأساسية؟
إن المشكلة ليست في مبدأ الدعم الاجتماعي، الذي يشكل ضرورة لحماية الفئات الأكثر احتياجا، بل في مدى كفايته وملاءمته للواقع المعيشي. فالمساعدة التي لا تراعي حجم الأسرة ومستوى الدخل وتكاليف السكن والخدمات الأساسية قد تتحول إلى مساهمة محدودة في مواجهة الفقر، من دون أن تتيح للمستفيد الخروج من دائرة العوز أو استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.
ولا يمكن اختزال الكرامة الاجتماعية في تحويل مالي شهري، مهما كانت أهميته. فالحماية الحقيقية تقتضي توفير فرص عمل مستقرة، وتحسين الأجور، وضمان الولوج إلى خدمات صحية وتعليمية جيدة، ومراجعة آليات الدعم بما يجعلها أكثر استجابة للاحتياجات الفعلية للأسر، كما تقتضي تقييما علنيا لمدى كفاية المبالغ الممنوحة مقارنة بتكاليف المعيشة، حتى لا تتحول الحماية الاجتماعية إلى أرقام تعرض في التقارير الرسمية، بينما يظل المواطن منشغلا بتدبير عجز ميزانيته من شهر إلى آخر.
إن المعيار الحقيقي لنجاح الدولة الاجتماعية ليس عدد المستفيدين المسجلين في البرامج وحده، بل مدى قدرتهم على العيش بكرامة. فإذا ظل المواطن محتاجا إلى دعم لا يكفي، في حالات كثيرة، لتغطية فواتيره الأساسية وبقية ضروريات الحياة، فمن المشروع التساؤل عن كفاية المبالغ الممنوحة، وعن مدى ملاءمتها لتكاليف المعيشة، وعن الآليات التي تضمن انتقال الأسر من دائرة الاعتماد على المساعدة إلى دائرة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. فإذا كان الدعم الاجتماعي لا يكفي بعض الأسر الهشة حتى لأداء فاتورة الماء والكهرباء، فهل نجح فعلا في حمايتها من الهشاشة، أم أنه يخفف بعض آثارها من دون أن يعالج أسبابها؟
المال العام ليس غنيمة إدارية أو سياسية
إن المال العام ليس ملكا لمسؤول أو حزب أو مؤسسة، ولا هو غنيمة توزعها شبكات النفوذ وفق موازين الولاء والمصالح. إنه مال المواطنين، يجمع من الضرائب والرسوم ومختلف الموارد العمومية، ويفترض أن يخضع لتدبير شفاف ورقابة صارمة ومحاسبة فعلية وكل اختلال يثبت أنه ألحق ضررا بالخزينة العامة ينبغي أن يثير سؤال المسؤولية، لا أن يختزل في تبادل الاتهامات أو في بيانات التبرير التي سرعان ما يطويها النسيان.
ومن هنا تبرز ضرورة تتبع الصفقات العمومية، ومساطر تفويت الممتلكات، والتراخيص، والدعم العمومي، والتدبير المالي للمؤسسات والشركات التابعة للدولة. فهذه المجالات تحتاج إلى قواعد واضحة للمنافسة والشفافية، وإلى رقابة مستقلة وفعالة، وإلى نشر المعلومات التي تسمح للمواطنين والصحافة والهيئات الرقابية بفهم كيفية اتخاذ القرارات وصرف الأموال كما أن مكافحة الفساد لا تكتمل بتحديد المسؤول المباشر عن قرار مشبوه، بل تقتضي البحث في سلسلة القرارات التي جعلته ممكنا، وفي أدوار المراقبة والتدقيق والتأشير والتنفيذ.
فحين تتكرر الاختلالات داخل المؤسسة نفسها، لا يعود من المنطقي الاكتفاء بتفسير كل قضية باعتبارها انحرافا فرديا معزولا، بل يصبح من الضروري فحص مواطن الخلل في الأنظمة الداخلية، ومدى استقلالية أجهزة الرقابة، وقدرتها على التنبيه والتدخل قبل وقوع الضرر.
والأهم من ذلك أن نتائج المحاسبة يجب أن تنعكس على حياة المواطنين. فالأموال العمومية التي يثبت تبديدها ليست مجرد أرقام في دفاتر الحسابات، بل موارد كان يمكن أن تسهم في تجهيز مستشفى، أو بناء مدرسة، أو تحسين شبكة النقل، أو توسيع خدمات الحماية الاجتماعية وهنا تلتقي مكافحة الفساد بمحاربة الهشاشة: كلما تحسنت إدارة الموارد العمومية، وتعززت الرقابة، وتراجعت فرص الاستغلال غير المشروع للنفوذ، ازدادت إمكانية توجيه الأموال نحو الأولويات الاجتماعية والتنموية.
القضاء وحده لا يكفي إذا غابت الوقاية والشفافية
لا خلاف على أن القضاء يشكل ركيزة أساسية في مكافحة الفساد، وأن أي اتهام ينبغي أن يخضع للتحقيق والمحاكمة وفق ضمانات المحاكمة العادلة وقرينة البراءة. لكن إحالة الملفات على العدالة، مهما كانت أهميتها، لا تعفي المؤسسات من واجب إصلاح الآليات التي سمحت بظهور الاختلالات، ولا تعفي أجهزة الرقابة من تتبع الأموال وتحديد المسؤوليات الإدارية والمالية.
فالمحاسبة الفعلية ليست مجرد حكم قضائي يصدر في نهاية مسار طويل؛ إنها منظومة متكاملة تبدأ بالوقاية، وتمر بالكشف المبكر والتدقيق المستقل والتحقيق الجاد، وتنتهي بترتيب الجزاءات القانونية واسترداد الأموال المستحقة، كلما ثبتت مسؤولية الأشخاص المعنيين. أما ترك الملفات تتراكم، ثم التحرك تحت ضغط الرأي العام، فيجعل محاربة الفساد أقرب إلى إدارة الأزمات منها إلى سياسة مؤسساتية مستمرة.
ويظل السؤال مطروحا حول مصير التقارير الرقابية التي تكشف اختلالات مالية أو إدارية: هل تتحول ملاحظاتها إلى إجراءات تصحيحية ملموسة؟ وهل تتابع التوصيات إلى حين تنفيذها؟ وهل تعلن النتائج للرأي العام بالقدر الذي يسمح بتعزيز الثقة، مع احترام سرية التحقيقات وحقوق الأطراف المعنية؟ إن قيمة التقارير لا تقاس بعدد الصفحات التي تتضمنها، بل بما تحدثه من تغيير في طرق التدبير، وبقدرتها على منع تكرار المخالفات.
من يحمي المال العام من تضارب المصالح؟
تتضاعف مخاطر الفساد عندما تتداخل المسؤوليات السياسية والإدارية والاقتصادية، أو حين تغيب الضمانات الكافية لمنع تضارب المصالح واستغلال النفوذ فالمناصب العمومية ليست امتيازات شخصية، والسلطة التقديرية ليست تفويضا مفتوحا لاتخاذ قرارات تخدم المصالح الخاصة. وكلما اتسعت مساحة القرارات غير المعللة، وضعفت إمكانية الاطلاع على المعلومات، ازدادت الحاجة إلى رقابة مستقلة وإلى قواعد صارمة تمنع توظيف الموقع العام لتحقيق منافع شخصية أو لفائدة المقربين.
ولذلك فإن الحديث عن محاربة الفساد لا ينبغي أن يتوقف عند أسماء بعينها، ولا أن يتحول إلى تصفية حسابات سياسية. المطلوب هو إخضاع الجميع للقواعد نفسها، وتطبيق القانون دون انتقائية، والتحقيق في كل ملف تتوافر بشأنه معطيات جدية، بصرف النظر عن موقع المعنيين به أو نفوذهم فالمساواة أمام القانون لا تقاس بصرامة العقوبات المفروضة على المسؤولين محدودي النفوذ فقط، بل بمدى قدرة المؤسسات على تطبيق القواعد ذاتها على الجميع.
كما أن حماية المال العام تقتضي توفير شروط حقيقية لعمل الصحافة الاستقصائية، وحماية المبلغين عن الفساد وفق القانون، وتيسير الوصول إلى المعلومات العمومية، وتمكين هيئات الرقابة من أداء مهامها باستقلالية وفعالية. فالمعلومة ليست تهديدا للمؤسسات، بل وسيلة لتصحيح الأخطاء وتعزيز الثقة فيها؛ والرقابة ليست خصومة مع الدولة، بل ضمانة لحماية مواردها من سوء التدبير والاستغلال.
المواطن يدفع الثمن مرتين
حين تتعرض الموارد العمومية للهدر أو سوء التدبير، فإن الضرر لا يظل حبيس الأرقام المحاسبية. إنه يظهر في مستشفى تنقصه التجهيزات، ومدرسة تفتقر إلى شروط التعلم، وطريق تتأخر صيانته، ومشروع تنموي لا يحقق الأهداف التي رصدت له الأموال، وبذلك يصبح الفساد، متى ثبتت وقائعه، اعتداء على فرص التنمية وعلى حقوق المواطنين في خدمات عمومية ذات جودة.
ويدفع المواطن الثمن مرتين: مرة عندما لا يحصل على الخدمات التي كان يفترض أن تمولها الموارد العمومية، ومرة عندما تتراجع ثقته في قدرة المؤسسات على حماية المال العام ومحاسبة المسؤولين. وحين تتسع الهوة بين الخطاب الرسمي حول النزاهة وبين ما يراه المواطن من نتائج ملموسة، تصبح الوعود وحدها عاجزة عن إقناعه بأن شيئا قد تغير.
ولا يمكن سد هذه الهوة بالشعارات أو بحملات ظرفية تستحضر عند اشتداد الانتقادات ثم تخفت مع مرور الوقت. فالثقة تبنى بالنتائج القابلة للتحقق، وبالمعلومات الدقيقة، وبالمحاسبة التي لا تتوقف عند حدود الإعفاء، وبإصلاحات تمنع تكرار الاختلالات بدل الاكتفاء بمعالجة آثارها بعد وقوعها.
وإذا كانت الدولة تراهن على توسيع الحماية الاجتماعية، فإن نجاح هذا الرهان ينبغي أن يقاس بمدى تراجع الحاجة إلى المساعدة، وتحسن القدرة الشرائية، وتقلص الفوارق المجالية والاجتماعية، وتوفر فرص الشغل والخدمات الأساسية. أما الاكتفاء بتقديم الدعم المالي من دون معالجة أسباب الهشاشة، فيترك ملايين المواطنين معرضين للعودة إلى نقطة البداية كلما واجهوا ظرفا طارئا. المطلوب استئصال الأسباب لا تجميل الواجهة
إن الاختبار الحقيقي لأي سياسة لمكافحة الفساد ليس عدد المسؤولين الذين غادروا مناصبهم، ولا عدد الملفات التي أعلن عن فتحها، بل مدى قدرتها على الحد من الاختلالات، واستعادة الأموال التي ثبت تبديدها أو الاستيلاء عليها، وضمان عدم تكرار التجاوزات. فالمطلوب ليس صناعة مشهد موسمي للمحاسبة، بل بناء قواعد مؤسساتية تجعل الإفلات من المسؤولية أصعب، وتجعل اكتشاف المخالفات والتعامل معها أكثر سرعة وشفافية.
ويقتضي ذلك تعزيز استقلالية الرقابة، وتحسين أنظمة التدقيق، وإرساء قواعد واضحة لتضارب المصالح، وتفعيل التوصيات الرقابية، ونشر نتائج المتابعة بما لا يمس بسير التحقيقات أو بحقوق الأفراد. كما يتطلب تقييما دوريا لمدى تنفيذ الإصلاحات، حتى لا تتحول الاستراتيجيات المعلنة إلى وثائق إدارية إضافية تحفظ في الأرشيف، بينما تستمر مواطن الخلل في إنتاج النتائج نفسها.
إن الدولة التي تريد استعادة ثقة مواطنيها في مؤسساتها مطالبة بإثبات أن حماية المال العام ليست مجرد شعار، وأن النزاهة ليست امتيازا أخلاقيا يطلب من الضعفاء وحدهم، وأن المسؤولية العمومية تستتبع واجبا دائما في التفسير والمراقبة والمساءلة. فالمناصب، مهما علت، لا ينبغي أن تتحول إلى حصانة من السؤال، كما أن النفوذ لا يجوز أن يكون حاجزا أمام تطبيق القانون. وإذا كان الهدف هو بناء دولة اجتماعية، فلا بد أن تتكامل الحماية الاجتماعية مع إصلاح اقتصادي ومؤسساتي أوسع، يضمن عدالة الفرص، ويحمي المال العام، ويجعل توزيع ثمار التنمية أكثر إنصافا.
لا إصلاح بلا محاسبة فعلية
إن استمرار ملفات الفساد المالي والإداري في إثارة الأسئلة، جيلا بعد جيل، يفرض تجاوز المقاربة التي تختزل المعالجة في الإعفاءات والإحالات على التقاعد أو في الإعلان عن فتح التحقيقات. فهذه الإجراءات، على أهميتها في سياقاتها، لا تكفي ما لم تستكمل بكشف الحقيقة، وتحديد المسؤوليات، وترتيب الآثار القانونية، واسترداد الأموال حيث يثبت موجب ذلك، وإصلاح المؤسسات التي سمحت بوقوع الاختلالات. أما الرهان على النسيان، أو انتظار انطفاء الغضب الشعبي، أو الاكتفاء بتغيير الوجوه، فلن يؤدي إلا إلى تعميق أزمة الثقة.
فالمجتمع لا يحتاج إلى مقاصل رمزية ولا إلى محاكمات تصنعها الشعارات، بل إلى عدالة مستقلة، ومؤسسات شفافة، وقانون يطبق على الجميع، ومحاسبة تستند إلى الأدلة لا إلى الولاءات و في المقابل، لا يمكن مطالبة الأسر الهشة بالصبر إلى ما لا نهاية، ولا الاكتفاء بتذكيرها بأرقام المستفيدين من الدعم الاجتماعي، بينما تظل تكاليف الغذاء والسكن والعلاج والتعليم والماء والكهرباء تشكل عبئا يوميا على ميزانياتها.
إن المواطن لا يقيس نجاح السياسات العمومية بما يقرأه في البيانات الرسمية فقط، بل بما يتبقى في جيبه بعد أداء الفواتير، وبما يستطيع توفيره لأبنائه، وبمدى قدرته على مواجهة المرض أو فقدان العمل دون السقوط في دوامة الديون والعوز فالفساد لا يستأصل بإبعاد بعض المسؤولين عن مكاتبهم، ولا بإحالتهم على التقاعد، بل بتفكيك شبكاته حيث تثبت، وتجفيف منابع تضارب المصالح، وإغلاق منافذ استغلال النفوذ، وضمان ألا تتحول السلطة إلى وسيلة للاغتناء غير المشروع وما لم تنتقل المعالجة من تدبير الفضائح إلى إصلاح الأسباب، ستظل الملفات تعود بأسماء جديدة، وستظل الإعفاءات مجرد مسكنات مؤقتة لمرض لم يعالج من جذوره.
إن الرهان الحقيقي ليس في عدد الملفات التي تفتح، بل في عدد الأسباب التي تزال، والأموال التي تسترد، والحقوق التي تصان، والأسر التي تنجح في الخروج من الهشاشة. فالمحاسبة التي لا تغير الواقع تظل ناقصة، والتنمية التي لا يشعر بها المواطن في حياته اليومية تظل وعدا مؤجلا.
#فريد_بوكاس (هاشتاغ)
Farid_Boukas#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
المغرب: فسادٌ يحمي الديكتاتورية، وديكتاتوريةٌ تحمي الفساد… ح
...
-
التعذيب في المغرب: لماذا ينشغل المغاربة بالمنفذين ويتجاهلون
...
-
صراخ تحت قبة البرلمان.. فمن يملك القرار الحقيقي في المغرب؟
-
بين سحر -الدارجة- وعناد الأرقام وصمت الحقوق: قراءة نقدية في
...
-
المغرب: دولة تحكمها العصابة
-
الفساد في المغرب: لماذا تُعفى مديحة خيير بينما يستمر آخرون ف
...
-
اقتصاد النفوذ في المغرب: الملكية والثروة والسلطة في مواجهة ا
...
-
اللجنة الرابعة للأمم المتحدة وقرارات الجمعية العامة: قراءة ق
...
-
المشهد السياسي في المغرب بين عبث التحالفات الحزبية وواقع مغا
...
-
الجزائر: توقيف 61 مغربياً في وهران: أسئلة أمنية وقانونية وإع
...
-
قصيدة : حاكم المغرب وخطب السراب
-
خطاب ملك المغرب: حين تصطدم شرعية الملكية بواقع الإقصاء السيا
...
-
معلقة المنفى المغربي
-
لمغرب بين شعارات الإصلاح وواقع القبضة السياسية والأمنية والا
...
-
إسبانيا والمغرب: الانتخابات تبيّن الفرق بين المملكتين
-
هل تخلى المغرب عن سبتة ومليلية؟
-
المعتقلون السياسيون في المغرب بين مطرقة الملكية وسندان حزب ا
...
-
المغرب: رئاسة الحكومة والفساد
-
حين يصبح في المغرب رئيس الحكومة مزوراً
-
حزب الأصالة والمعاصرة المغربي: من الهمة إلى المنصوري... من أ
...
المزيد.....
-
لماذا تُعتبر -صدمة- ترامب لإسرائيل بشأن المساعدات -تحولاً تا
...
-
محكمة أمريكية تجيز استبعاد بطاقات من يشتبه بعدم حيازتهم الجن
...
-
خلافات واضطرابات استخباراتية أمريكية تعطل تقارير عن إيران
-
ترامب: لا خطط فورية لضرب إيران ومستعدون للتحرك عسكريا إذا لز
...
-
تهديد بوجود قنبلة يعطل مركز اقتراع في ميشيغان الأمريكية
-
ترامب: روسيا وأوكرانيا تقتربان من التوصل إلى اتفاق
-
موسكو: الوضع في مجال حرية الإعلام في الغرب يستمر في التدهور
...
-
المعارضة الإسرائيلية تتفق على تشكيل حكومة لإطاحة نتانياهو وت
...
-
من ترمب إلى العالم.. عدوى -سرقة الانتخابات- تهدد الديمقراطيا
...
-
مفاجأة وارتباك وقلق.. كيف استقبلت إسرائيل إعلان ترمب وقف الم
...
المزيد.....
-
حين يصيح الولاء اقوى من الحقيقة
/ حسين محمود صالح
-
ضحايا صدام حسين
/ صباح يوسف ابراهيم
-
الزمن المقلوب
/ رائد الجحافي
-
عيوب الذكاء الاصطناعي
/ رائد الجحافي
-
عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي
/ رائد الجحافي
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
المزيد.....
|