فريد بوكاس
(Farid Boukas)
الحوار المتمدن-العدد: 8878 - 2026 / 11 / 3 - 00:07
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ألمانيا : فريد بوكاس ، صحفي باحث و ناشط سياسي
صادرات بمليارات الدولارات.. شركات كبرى وعائلات نافذة.. والسوق المغربية تحت ضغط الغلاء
في الوقت الذي تغزو فيه المنتجات الفلاحية المغربية الأسواق الأوروبية، وتحقق شركات التصدير عائدات بمليارات الدولارات، يجد المواطن المغربي نفسه أمام واقع اقتصادي مؤلم، عنوانه الارتفاع المتواصل لأسعار الخضروات والفواكه وتآكل القدرة الشرائية. وبين رهانات جلب العملة الصعبة ومصالح كبار المستثمرين، تبرز تساؤلات حول خريطة الشركات المتحكمة في القطاع الفلاحي، وطبيعة الاستثمارات والعلاقات التي تقف وراءها، ومدى تأثيرها على تموين السوق الداخلية والأمن الغذائي للمغاربة. فمن يستفيد من ثروات الأرض المغربية؟ ولماذا تتحول وفرة الإنتاج والتصدير إلى غلاء يثقل كاهل المواطن؟ والأهم، هل تملك الحكومة الجرأة والإرادة لمواجهة مراكز النفوذ الاقتصادي وحماية حق المغاربة في خيرات بلادهم؟
بعد وعود لقجع وزير المالية والأقتصاد ورئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري بوضع حد للمضاربة في السوق المغربي وخصوصاً فيما يتعلق بارتفاع الأسعار في الخضروات والفواكه، إذ بالشعب المغربي ينصدم بداية هذا الشهر بارتفاع خطير في الأسعار. لكن من وراء كل هذا الارتفاع؟
صادرات المغرب الفلاحية.. لغة الأرقام وأسرار الخريطة الاستثمارية بين حيتان السوق والأسواق المحلية
في الوقت الذي تصنف فيه الفلاحة كركيزة أساسية للاقتصاد المغربي، يثير قطاع تصدير الخضروات والفواكه الطازجة جدلاً واسعاً بين طموحات الدولة لجلب العملة الصعبة والحفاظ على التوازنات الماكرواقتصادية، وبين القوة الشرائية للمواطن المغربي الذي يكتوي بنيران أسعار المواد الأساسية في الأسواق المحلية. فكيف تبدو خريطة الأرقام لعامي 2025 و2026؟ ومن هي القوى الاستثمارية والشركات العملاقة التي تقود هذا القطاع العابر للقارات؟
الموسم الفلاحي في لغة الأرقام: قفزات مالية وتحديات مناخية
تؤكد البيانات الرسمية المندمجة أن صادرات المنتجات الفلاحية والغذائية المغربية تقترب من تحقيق مستويات تاريخية غير مسبوقة. فبحلول نهاية الربع الثالث من عام 2026، بلغت القيمة المالية للصادرات حوالي 7.4 مليارات دولار، مسجلة نمواً بنسبة 10.7% على أساس سنوي. ويأتي هذا الأداء امتداداً للطفرة القياسية التي سُجلت في سنة 2025، حيث استقرت العائدات عند 86.2 مليار درهم (حوالي 9.2 مليار دولار)، بحجم صادرات إجمالي قارب 4.7 ملايين طن (منها 2.38 مليون طن من الخضار والفواكه الطازجة)، ليصبح القطاع الفلاحي ثالث أكبر مصدر للعملة الصعبة بالمملكة بنسبة 18% من إجمالي الصادرات الوطنية.
وعلى مستوى المنتجات، تواصل الطماطم المغربية تسيّد المشهد الدولي بحجم تصدير بلغ 745 ألف طن وعائدات ناهزت 1.2 مليار دولار، مما جعل المغرب ثالث أكبر مصدر للطماطم في العالم. بالمقابل، يواجه قطاع الحوامض (المندريين والبرتقال) تراجعاً نسبياً بنحو 12% ليستقر عند 553 ألف طن نتيجة توالي سنوات الجفاف، وهو النقص الذي تعوضه الشركات الكبرى بالتوسع في زراعات ذات قيمة مالية أعلى مثل الأفوكادو والفواكه الحمراء (التوت الأزرق والفراولة).
التصدير مقابل السوق المحلي: معادلة الأمن الغذائي المفقودة
رغم الإشادة الرسمية بهذه الأرقام، فإن الأثر المباشر على السوق المحلي يظل محل قلق متزايد. وتشير التقارير الميدانية إلى أن سعي المنتجين وراء اليورو والدولار في الأسواق الأوروبية والبريطانية يؤدي دورياً إلى تقليص الكميات المعروضة في الأسواق الشعبية المغربية، مما يتسبب في قفزات قياسية لأسعار المواد الأساسية كالطماطم والبصل والبطاطس، فضلاً عن توجيه المنتجات ذات الجودة العالية نحو الخارج، وترك السلع الأقل جودة للمستهلك المحلي.
ولم يقف التأثير عند التضخم، بل امتد ليتجاوز ذلك إلى استنزاف الفرشة المائية الجوفية في ظل أزمة إجهاد مائي غير مسبوقة تعيشها البلاد. هذا الوضع دفع الحكومة مخرّاً إلى التوجه نحو فرض "كوطا" وتقنين صادرات بعض المنتجات لحماية السوق الداخلي، توازياً مع التوسع في إنشاء محطات تحلية مياه البحر (مثل محطة اشتوكة آيت باها) لتخفيف الضغط عن المياه العذبة الموجهة للشرب.
تمركز القوة: 10% من الشركات تسيطر على 90% من التصدير
تتميز البنية الهيكلية لقطاع التصدير الفلاحي في المغرب بتمركز شديد؛ حيث تستحوذ 10% فقط من الشركات الكبرى المتكاملة (تنتج وتعبئ وتصدر) على نحو 90% من إجمالي الشحنات المتوجهة نحو الخارج، لا سيما نحو الاتحاد الأوروبي الذي يستقبل وحده 62% من الصادرات المغربية.
وتنقسم ملكية هذه الشركات المهيمنة إلى ثلاث فئات رئيسية:
أولاً: المجموعات العائلية المغربية
وتتصدرها "مجموعة ديلسوس" (Delassus Group) العريقة التي تأسست عام 1948 وتملكها عائلة بنشقرون (تديرها كاميليا بنشقرون)، وتضم فروعاً عملاقة مثل "Duroc" المتخصصة في طماطم السناك و"Prim Rose" للحوامض. وتليها "مجموعة أزورا" (Azura Group) الرائدة عالمياً في تصدير الطماطم الكرزية، وهي شراكة مغربية فرنسية تديرها عائلة التوزاني بالشراكة مع عائلة "بيريس" الفرنسية. إلى جانب شركة "إكسبورت أوبتيموم" المملوكة لرجال أعمال مغاربة يرأسهم عبد الله اليملايحي رئيس جمعية مصدري الأفوكادو.
ثانياً: الاستثمارات الأجنبية المباشرة
وتمثلها شركات مثل "مايزدور ماروك" (Maisadour Maroc)، وهي فرع مملوك بالكامل لتعاونية فلاحية فرنسية عملاقة، تستغل الأراضي المغربية لإنتاج وتصدير الخضروات الجاهزة نحو المتاجر الأوروبية الكبرى. بالإضافة لـ "إليت هارفست ماروك" المدعومة برساميل خليجية إماراتية.
ثالثاً: الاستثمارات الفلاحية للمحيط الملكي والأمراء
وتحتل مكاناً استراتيجياً في الخارطة الفلاحية. فعلى الجانب الملكي العام، تبرز شركة "الضيعات الفلاحية" (Les Domaines Agricoles) التابعة لهولدينغ "سيجير" الشخصي للملك محمد السادس (منفصل تماماً عن هولدينغ المدى)، وتدير أكثر من 12 ألف هكتار، وتصدر منتجاتها عبر أذرع لوجستية مثل "Les Domaines Export" وشركة "GEDA"، وتشتهر باحتكارها لصنف المندريين الفاخر "Nadorcott".
أما على صعيد الاستثمارات الشخصية المباشرة لشقيق الملك والأميرات، فإنها تدار عبر هولدينغات عائلية خاصة تأسست لتنويع المحافظ المالية والاستثمار في الفلاحة التصديرية عالية القيمة (الأفوكادو والفواكه الحمراء) في مناطق الغرب واللوكوس. حيث يسير الأمير رشيد استثماراته عبر شركة "أغري كابيتال" (Agri Capital) المتفرعة عن مجموعته "بروفيدونس القابضة" التي تأسست عام 2009، إلى جانب ضيعات "شليحات" و"بروفيدونس فيرت". بينما تدير الأميرات الثلاث (مريم، أسماء، و حسناء) ضياعهن الفلاحية عبر هولدينغاتهن الشخصية: "أونيكا هولدينغ" (مريم)، "إيكست هولدينغ" عبر فرع "يانو بارتيسيباسيون" (أسماء)، و"ستارتك هولدينغ" عبر فرع "ستار فينانس" (حسناء).
خلاصة القول، ثروة تصديرية أم أزمة على مائدة المغاربة؟
يظل قطاع التصدير الفلاحي في المغرب بمثابة الدجاجة التي تبيض ذهباً (عملة صعبة) للاقتصاد الكلي، ومحركاً استثمارياً جذاباً لكبار العائلات والرأسمال الأجنبي والمحيط الملكي. لكن التحدي الأكبر لعام 2026 وما بعده يكمن في مدى نجاح السلطات في كبح جماح هذا التصدير المقنن لضمان ألّا يكون نمو أرقام الشركات على حساب مائدة المواطن البسيط وفرشته المائية المهددة بالزوال.
السؤال السياسي الذي لا يمكن الهروب منه: هل يواجه لقجع والمنصوري هذا الأخطبوط؟
فهل يستطيع لقجع، وزير المالية والاقتصاد، وفاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة، مواجهة هذا الأخطبوط الاقتصادي الذي يستنزف خيرات البلاد ويساهم في ارتفاع الأسعار وإضعاف القدرة الشرائية للمواطن المغربي؟ وهل تملك الحكومة الإرادة السياسية لفتح هذا الملف الشائك، والكشف عن حقيقة شبكات المصالح والاستثمارات التي تتحكم في جزء مهم من القطاع الفلاحي والتصديري؟
إن السؤال الأكثر حساسية هو: كيف يمكن للحكومة أن تتعهد بمحاربة المضاربة وحماية القدرة الشرائية للمغاربة، في الوقت الذي تثار فيه تساؤلات حول تمركز الاستثمارات الفلاحية والتصديرية لدى مجموعات اقتصادية وعائلات نافذة، من بينها جهات تربطها علاقات بالمحيط الملكي، وشركات مرتبطة بأفراد من الأسرة الملكية؟
فهل يمكن مطالبة المواطن المغربي بتحمل تبعات الغلاء، بينما تظل خريطة المصالح الاقتصادية الكبرى بعيدة عن نقاش عمومي شفاف؟ وهل يستطيع المسؤولون الحكوميون مواجهة هذه المصالح الاقتصادية، أم أن الوعود بمحاربة المضاربة ستظل مجرد تصريحات للاستهلاك الإعلامي؟
إن المطلوب اليوم ليس مجرد تصريحات حكومية أو وعود بمحاربة المضاربة، بل كشف واضح عن هوية المستفيدين من الثروة الفلاحية الوطنية، ومدى تأثير مصالحهم التصديرية على تموين السوق الداخلية وأسعار المواد الأساسية.
فالمغاربة لا يطالبون بإيقاف التصدير أو محاربة الاستثمار، وإنما يطالبون بالعدالة الاقتصادية، وتكافؤ الفرص، وضمان ألا تتحول خيرات البلاد إلى مصدر للثراء بالنسبة للقلة، بينما يصبح المواطن عاجزاً عن توفير أبسط المواد الغذائية لأسرته.
فهل يجرؤ لقجع وفاطمة الزهراء المنصوري على مواجهة هذا الأخطبوط، أم أن مصالح كبار المستثمرين ستظل أقوى من الوعود الحكومية، وستبقى جيوب المغاربة هي من تدفع الثمن؟
#فريد_بوكاس (هاشتاغ)
Farid_Boukas#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟