أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كامل الدلفي - مشروع العدل والمساواة في وطن المختلفين، من الكوفة إلى بغداد.














المزيد.....

مشروع العدل والمساواة في وطن المختلفين، من الكوفة إلى بغداد.


كامل الدلفي

الحوار المتمدن-العدد: 8879 - 2026 / 11 / 4 - 09:26
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


إن الذين يسيرون على نهج الإمام علي، أو هكذا يقولون، ملزمون باستيعاب منهجه والعمل في ضوئه. فكما أنجز الإمام علي إضافته النوعية إلى مسار الحضارة العراقية، فهم ملزمون بمواصلة المسيرة لا بهدمها.
لقد حوّل الإمام علي بنجاح ميدان التنوع العراقي إلى ساحة اختبار لتحقيق العدل والمساواة، وكان انتقال عاصمة خلافته من يثرب إلى الكوفة، التي تبعد عنها أكثر من ألف كيلومتر، خطوة ذات دلالات سياسية وحضارية عميقة. فتحقيق العدالة بين المختلفين في العرق والدين والثقافة والانتماء العصبي كان ميدان الاختبار الأساسي للمشروع العلوي، بما مثّله ذلك من نقلة نوعية في حينه.
فقد آخى بين الفاتحين وشعوب البلدان المفتوحة، وألغى امتيازات الفاتحين، وسار وفق محددات النهج الرسالي الجديد: «إنما المؤمنون إخوة»، كما عبّر عن ذلك في عهده إلى مالك الأشتر بقوله: «الناس صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق». وهكذا فكّك أرجحية قريش والحجاز على بقية الأعراق والبلدان.
فلم يكتفِ بفعل الغزو الذي يحقق الغلبة فحسب، وإنما سعى إلى تأسيس نموذج لدولة إسلامية جعل من الكوفة عاصمة لها، لينشد تحقيق العدل في عراق متنوع الأعراق والإرادات، وليكون هذا النموذج الرسالي قابلاً للاتساع إلى بقية الأرض. وكاد هذا المشروع أن يمتد أفقياً لولا شهوات السلطة والأنانية التي استبدت بنفوس بعض المتصدين لمسيرة الفتح الإسلامي، إذ تناسوا جوهر الفكرة القائمة على العدل والمساواة، واعتمدوا التوسع السلطوي وتحقيق الملذات.
فالعدل والمساواة بين الناس لا يحظيان بقبول الجميع، ولا سيما أصحاب المواقع الأرستقراطية، الذين يخشون المنافسة أو يأنفون من مساواة الآخرين بهم، وخصوصاً من قريش، التي كان بعض أبنائها يفخرون على الآخرين بانتسابهم إلى عشيرة النبي الأكرم (ص). وقد شكّلت إجراءات الإمام علي العملية في إقرار المساواة بين الناس سبباً آخر لعداوة قريش له، يضاف إلى السبب الأول، المتمثل في قتله، بين يدي النبي (ص)، كبار مشركيها دفاعاً عن دعائم الدين الجديد.
إلا أن الامتداد العمودي لمشروع الإمام لم يتوقف، بل لقي تفاعلاً حقيقياً من سكان العراق الذين ظلوا أوفياء لنهجه القويم، ولقوا صنوف الاضطهاد والتنكيل من السلطات المناقضة لنهجه. وقد اشتد عود حاملي مشروع التغيير السياسي والديني والحضاري، والتقت جهودهم بجهود رجال الدعوة العباسية، حتى بلغت وحدة الجهود في العراق وخراسان مستوى ثورة كبرى، يمكن النظر إليها بوصفها ثورة للمختلفين؛ فهي ثورة نشأت من تنوع المجتمع، واستمدت وحدتها من تطلعات المساواة، لا من وحدة العرق أو النسب أو المذهب.
وقد أسهمت تلك التحولات في إنتاج خلاص حضاري خلاق، تمثّل في قيام إمبراطورية جديدة دام مجدها قرابة خمسة قرون، اتخذت من حاضرة جديدة، هي بغداد، مركزاً لتدفق سيول التمدن والعلوم والآداب والإبداع، مستفيدة من الإرث الحضاري العراقي الذي أسهمت الكوفة وغيرها من حواضره في تشكيله.
وهنا يبلغ الجهد الإنساني المتنوع، المتصل بهذا الحدث الحضاري وبهذه الذاكرة العلوية، جذراً عميقاً في فكرة المواطنة العراقية الحديثة، من دون ريب أو محاولات تشويه مقصودة.
وعليه، أرى أن أي انتقاص من فكرة الوطنية العراقية المتداولة أخيراً في وسائل الإعلام ليس سوى محاولة بائسة لهدم سيرورات تاريخية تعمّدت بالدماء والنضال والاجتهاد المعرفي، وهي تخاريص لا تصمد أمام عملاقين أسطوريين: العراق ونهج الإمام علي.
إن العراق ليس وطناً تشكّلت وحدته من تشابه أبنائه، وإنما وطن راكم وحدته عبر تاريخ طويل من التفاعل بين المختلفين. وقدّمت الذاكرة العلوية أحد روافده الأخلاقية الكبرى، حين جعلت العدل والمساواة أساساً للعلاقة بين الناس، لا النسب والعرق والامتيازات الموروثة. ومن هنا تلتقي الذاكرة العلوية مع مشروع المواطنة العراقية الحديثة، لا بوصفهما مشروعاً تاريخياً واحداً، بل بوصف الأولى رافداً قيمياً للأخيرة.



#كامل_الدلفي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كونفرنس الألواح، الحلوى المرة قصتان قصيرتان جدا
- الدينار في حكاية شهرزاد للملك شهريار - قصة قصيرة ساخرة
- الممكن والمحتمل قصة قصيرة
- مدارات الفوضى
- عشبة الذاكرة -قصة قصيرة
- قرار الإقصاء والاحتواء في تجربة الدكتور أحمد الجلبي
- مقالب الشيخوخة-قصة قصيرة
- سألوا الديك مرة عن البيضة، فقال: أنا المفتاح.
- الوحدة الوطنية مصدر القوة للأمة والدولة العراقية
- عقيدة الهدم الأمريكية في العراق: من خطايا (بريمر) إلى قذائف ...
- وعي الحداثة تنقشه التجربة لا القراءة وحدها
- انطباعات واقعية عن زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى واشنطن عام ...
- لامين يامال.. حين تعود الهجرة من المغرب إلى التاريخ في هيئة ...
- الحكمة الشعبية العميقة في تناول موضوع الفساد و الحرامية.
- من يصنع الفاسد؟
- من أمن العقوبة ساء الأدب: زيد تحسين يكرر الخطأ ويكشف العلة ا ...
- منتخبنا الوطني في تحدٍّ وليس لقمةً سائغةً لأبناء الغال.
- تشجيع المنتخب الوطني واجب وطني أصيل.
- الغدير: مفتاح للتغيير العصري للأمة العراقية والعربية والإسلا ...
- ديالكتيك الأمة المدنية العراقية


المزيد.....




- استمع إلى إشادة بيل كلينتون بعبدالرحمن السيد خلال خطاب عام 2 ...
- استخدم شعار بايدن.. ترامب يحث أنصاره على مساعدته في -إنجاز ا ...
- من تركيا إلى أمريكا.. كيف تختلف نظرة شعوب العالم إلى إسرائيل ...
- بعد خسائر فادحة.. تكهنات بأن ترامب سيبحث عن -كبش فداء- لملف ...
- أمن الخليج في مواجهة تحديات الحرب.. كيف تتشابك التحالفات الد ...
- السعودية تنفذ -حد الغيلة- بمواطن أدين بجريمة في مكة وتكشف تف ...
- أنصار ترامب يعزون هزيمة الجمهوريين إلى حرب إيران
- أول مسلم من أصول مصرية يمثل نيوجيرسي في الكونغرس.. من هو آدم ...
- ترامب: ملف إيران كان أحد عوامل خسارة الجمهوريين لكن الأمريكي ...
- هزيمة شقيقة ليندسي غراهام الجمهورية في انتخابات مجلس الشيوخ ...


المزيد.....

- حين يصيح الولاء اقوى من الحقيقة / حسين محمود صالح
- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كامل الدلفي - مشروع العدل والمساواة في وطن المختلفين، من الكوفة إلى بغداد.