|
|
عشبة الذاكرة -قصة قصيرة
كامل الدلفي
الحوار المتمدن-العدد: 8826 - 2026 / 9 / 12 - 22:17
المحور:
الادب والفن
لم تتضح له هوية الرجل الممدد في شارع السعدون، ولم يعرف شيئًا عما جرى له؛ لعلّه تعرّض لحادث سير، أو كان واحدًا من المدمنين، الذين يكثر وجودهم في منطقة البتاويين وحديقة الأمة . ورجّح في نفسه أن يكون ضحيةً من ضحايا موجة العنف التي تنامت مؤخرًا، فرأى أن من واجبه أن يوقف سيارته وينزل لإسعافه. ومن حسن الحظ أنّ سيارة النجدة وصلت إلى الرجل المجهول قبل وصوله بدقيقة واحدة. قال ضابط الشرطة: - لا تقترب منه . فأجاب: ـ أنا طبيب، دعني أفحصه. لاقت الفكرة استحسان الضابط. فحص الطبيب الرجل والمناطق المتضررة من جسده، وتبيّن له أنه ضحية حادث سير. أشار إلى جرح ينزف في رأسه، وقال بصوت مسموع : ما يزال حيًّا، ينبغي إسعافه حالًا. وصلت سيارة الإسعاف قبل أن ينتهي من فحصه، وقامت بنقله إلى طوارئ مستشفى حكومي قريب. قرر الطبيب، مدفوعًا بفلسفة اليوغا التي يؤمن بها ويمارسها، أن يتبع سيارة الإسعاف ويتحرى عن مصير هذا الإنسان المجهول. وقف على مسافة من السرير الذي أُلقي عليه المصاب، ولم يتدخل في إجراءات المعالجة ، إذ كانت تسير بصورة طبيعية لا تستدعي تدخله أو كشف هويته بوصفه طبيبًا اختصاصيًا. سمع حوارًا بين ضابط الشرطة الذي كان يدون محضر التحقيق، وبين ممثل إدارة المستشفى. الضابط: الضحية لا يحمل هوية شخصية، ولا يوجد في جيبه مبلغ مالي، أو هاتف نقال يمكن أن يوصلنا إلى معلومات عنه. ممثل الإدارة: ربما سقطت هذه الأشياء من جيبه بسبب شدة الصدمة. الضابط: الأسباب كثيرة ، المهم أن مختار المحلة أخبر عن الحادث. زاد ذلك من إصرار الطبيب على البقاء إلى جانب الضحية، فأثقلت هذه المعطيات ضميره، فهذا الرجل الآن مجرد إنسان في محنة، فاقدًا للوعي، بلا مال ولا هوية ولا مستلزمات. وقبل أن يغادر ضابط الشرطة ردهة الطوارئ، حدث أمر مهم؛ إذ دخل رجل من الاستعلامات يحمل كيسًا صغيرًا سلّمه إلى الضابط، الذي سأله فورًا: ـ ما هذا؟ قال: أوراقه وهاتفه النقال، جاء بها أحد المارة. بدت علامات الارتياح على وجه الضابط وهو يقلّب محتويات الكيس: بطاقة وطنية موحدة، ومبلغ مئة وخمسة وسبعين ألف دينار عراقي، وهاتف نقال قديم. ثم ابتسم قائلًا: الحمد لله، هذه خطوة اختصرت علينا كثيرًا من المتاعب. الرجل إيزيديّ ، اسمه شمدين مراد مسافر. وإلى هذا الحد أصبح التحقيق في الحادث مكتملًا تقريبًا. ونترك المجال لكم. في الممر لمح الضابط وجه الطبيب، لكن كثرة الوجوه جعلته لا يعيره اهتمامًا، فمضى. عرف الطبيب اسم المريض وهويته، فشعر بضرورة أن يعود إلى منزله، فقد تأخر الوقت، وينبغي أن ينهض مبكرًا إلى عمله صباح الغد لإجراء عملية كبرى في العمود الفقري لأحد مرضاه. وفي صباح اليوم التالي، جلس مع زوجته إلى مائدة الإفطار، وأخبرها عن سبب تأخره في الليلة الماضية. ابتسمت قائلة: - حسنًا فعلتَ. بعد نهاية الدوام عاد ليطمئن على المصاب الملقى في صالة الطوارئ. التقى مصادفةً، عند سرير المريض، بزميلٍ جرّاح ، عملا معًا منذ سنوات. وتبادل معه الأسئلة بشأن حالة المريض وما تقوله الفحوصات. وقبل الجواب سأله الزميل عن علاقته بالمريض، فشرح له تفاصيل الواقعة، وأنه جاء بدافع إنساني لاغير. ثم أجاب الزميل: أكدت الفحوصات سلامة الدماغ من الإصابة، وقد يستعيد وعيه في أية لحظة. واهله صاروا على علم بالخبر، وقد يصلون غدًا فهم في إحدى قرى سنجار. الطبيب: هل يمكنني زيارته لاحقًا؟ ابتسم الزميل: وما المانع؟ فقال الطبيب: إذا اخرجتموه من الطوارئ، اقترح نقله إلى القسم الخاص، وأنا اتكفل بجميع ما يلزم ولما استعاد شمدين وعيه، فتح عينيه ببطء، فوقعت نظرته الأولى على رجل في الخمسين بملامح لم يألفها في قريته، ولا في الأسواق التي يعمل فيها، ولا في أي مكان مرّ به من قبل. لم يمهله الرجل فرصة للتساؤل، بل بادره بالترحيب وتمنيات السلامة والشفاء. كان الطبيب يدرك أن شمدين تعرض إلى كسور، وكانت ساقاه مجبّرتين بالجبس. فسأله: هل تحتاج إلى شيء؟ شكره شمدين وهزّ رأسه بالنفي. راح يتأمل الغرفة بدهشة؛ باقات من ورد النرجس موزعة بعناية، ومناشف جديدة لم تُستعمل بعد، وصورة لمعبد لالش معلقة أمامه. حدّث نفسه: هل وصل أهلنا بهذه السرعة؟ ثم سأل الرجل: من علّق هذه الصورة؟ ابتسم الطبيب: وهل في ذلك ما يزعجك؟ قال: لا، بل ما يثير عجبي، من أنت؟ ولماذا أنت معي؟ أجاب: أنا الرجل الذي أسعفك. وسأشرح لك كل شيء لاحقًا. وواو وصل الطبيب وزوجته وشمدين إلى قرية النور في سنجار، بناءً على دعوة شيخ القرية ووجهائها. فكان أهل القرية مجتمعين لاستقبال شمدين العائد من محنته، ومعه ضيفان من بغداد. صدحت الموسيقى والطبول والدفوف والرقصات الشعبية، وكأنهم يؤدون طقوسًا روحية تطرد الظلام والشرور. جاء الرجال يتقدمهم الشيخ حمو المكلف بإدارة مزار القرية، يرافقه الشيخ سمعو وهو حارس المزار، يتبعهم بعض من "قوالين" في المزار . وحضر أهالي القرية نساء ورجال، يحيّون الطبيب وزوجته لما أسدوه لولدهم شمدين.. ألقى الشيخ حمو كلمة ترحيب مزدانة بمشاعر الامتنان، والسعادة، بالضيفين ، وطلب أن تستمر الأفراح والولائم إكرامًا لهما، ارتفعت الزغاريد والطبول مجددًا. وفي اليوم الثالث للزيارة الذي وافق النصف من شهر تموز المميز بارتفاع الحرارة، وكان أهل القرية، مثل كثير من العراقيين في الشمال والجنوب، يختارون هذا الوقت لختان الصبية، اعتقادًا شعبيًا منهم بأن حرارة الصيف تساعد على سرعة التئام الجروح . أشار الشيخ حمو إلى المطهِّر أن يقترب منه، فأخبره أن يستعد لختان سبعة صبية صغار من أبناء القرية بالتعاقب في حضن الطبيب الضيف. ليصبح منذ تلك اللحظة كريفًا لسبع عائلات، ومن خلالها يكون كريفًا لأهل القرية جميعًا. عاد الطبيب وزوجته إلى بغداد حاملين ثقة عالية بالنفس وشعورًا غريبًا يغمر داخلهما حبورًا وطمأنينة. وفي طريق العودة لم ينس الطبيب أن يعرّج في الحديث مع زوجته على أنهما كسبا أخوّةَ سبع عائلات. ابتسمت الزوجة وهي تربت على كتفه قائلة : خطوة ناجحة في طريق طويل .. وصلة دم لا تنفصم بسهولة . وبحلول ربيع العام الجديد، وجه شمدين دعوة إلى الطبيب وزوجته لقضاء عطلة الربيع بينهم. وكان شمدين والوجهاء حريصين على أن يتجول الطبيب وزوجته في ربوع قريتهم العامرة بالجمال والمحاصيل والزهور. ولزهرة النرجس تحديدًا تناغم مع حاسة الشم لدى الطبيب منذ دراسته في كلية الطب بجامعة الموصل. ثمانية أعوام مضت على تلك اللحظة التي مرّ فيها الطبيب بجسد ملقى في شارع السعدون، أعوام نضجت فيها الصدفة حتى صارت قرابة . زار الطبيب قرية النور وعائلة شمدين مرة كل عام وأحيانا مرتين. ولم يأتهم بيدين خاليتين، بل محمّلًا بالهدايا. بمرور الوقت اقتربت سيدات القرية منه، ومن زوجته، كعائلة من بين عائلات القرية. أخذ يشرف خلال كل زيارة على صحة الكبار والكبيرات في السن. وذات مرة ذهب الى مزار القرية ليسلم على شيخ حمو ، الذي لم تسع الأرض فرحته بقدوم الطبيب عليه، كانت ساعتين من البهجة والصفاء ولما طلب الطبيب الإذن بالذهاب ، ابتدره الشيخ: يا جناب الأخ الوفي كلمت عنك فضيلة بابا شيخ الإيزيديين ومرجعهم الروحي في معبد لالش، فأسعده ما سمع مني، هو وجماعة من حوله ، وبعض من خدام المعبد فسعدوا أيضا، وطلب أن أوجه لكم دعوة باسمه لزيارته في المعبد .. قبل الطبيب دعوة البابا شيخ الأكبر بسرور كبير. وعقب يومين توجهت من الصباح الباكر قافلة من اربع سيارات ترافق سيارة الطبيب وزوجته، وضعوا سيارة الطبيب في منتصف الرتل احترامًا لمنزلته بينهم. كانت رحلة حفرت أثرًا في اعماق الزائرين البغداديين، زوجة الطبيب هي الدكتورة رواء متخصصة في التربية وعلم النفس، تجيد فن الفوتوغراف وكتابة النصوص والمذكرات، . وثّقت بعدستها أكثر المشاهد روعة، ولم يفتها متابعة الطقوس والصلوات وتقديم النذور، وإيقاد الشموع وآلات الموسيقى والدفوف. دوّنت رؤوس أقلام عن كل شيء في عالم كانت تراه لأول مرة، وكتبت عند عودتها إلى بيتها سرديات تليق بكل فقرة دونتها. لما خرجوا من لالش أحست بأعماقها ثمة بياض يملأها. رجع الوفد إلى قرية النور وقام الطبيب بزيارة أهالي الصبية السبعة ليتفقد ويتابع مستواهم الدراسي ووضع عوائلهم المعيشي. وفي ذات عشاء كبير أقامه مختار القرية على شرف الطبيب الذي لم يعد ضيفا، بل أخا، حضره الشيخ حمو وعلية القوم في القرية. نهض الطبيب وتكلم بتهذيب عال قائلا: ما يربطني بكم ، هي لحظة نورانية أخذت بيدي الى مدار إنساني يجمعنا معا، أعدكم بشرفي أيّ عمل أو حاجة لأيّ شخص من أهل القرية في بغداد، فأنا مسؤول عن تلبيتها، كما أعلن أمامكم مسؤوليتي عن شؤون الصبية السبعة وإكمال دراستهم من الآن حتى التخرج من الجامعة، واتعهد بجميع التكاليف اللازمة لذلك. لما أنهى كلامه ضجت السيدات المسنات بالبكاء فصاح بهن الشيخ حمو : هذا لا يصح، وعليكن بالزغاريد والهلاهل، فابتدأت الدبكات الجماعية وصدح صوت أنثوي ملائكي بالغناء: (اوي نرگس نرگس نرگس/ نرگس زينه ر جوانا ) كان ذلك هو صوت مهاباد ، زوجة شمدين، الذي ابدع في العزف على الناي في ذلك الحفل الاستثنائي.. توجهت الدكتورة رواء من فورها إلى مهاباد فاحتضنتها بحرارة وقبلت جبينها، وارتفع التصفيق عاليًا من كل زوايا المكان. تكررت زيارات شمدين إلى بيت الطبيب، وكان في كل مرة يأتي محمّلًا بأكياس منوعة من البقوليات والسمسم، والحمص ، وعلب السمن الحيواني . ويحتفي الطبيب وزوجته وولداه بوجوده بينهم، وهم يسبغون عليه حنانا دافقا كأنه أحدهم، بل أنه صار كذلك. وفي إحدى زياراته جاء إلى الطبيب بخبر جعل السعادة تتفجر في أعماقه : شمدين : أتذكر الكريف رشو ابن الشهيد حسن شنگالي وأمه الأرملة الخياطة " فايان".. ؟ - ما به؟ شمدين: كان من بين الأوائل على محافظة نينوى، والأول على قضاء سنجار. قفز الطبيب من محله فرحًا، صائحًا: - يا للروعة .. وصلت رواء على إثر صوته تستفهم بيديها.. الطبيب وهو يقبّل شمدين، يطلب منه أن يقص الخبر على رواء. رواء: سأقيم الليلة حفلًا مصغرًا يليق برشو.. وأخرجت صورة رشو الموثقة في ارشيفها وطلبت من الطبيب أن يذهب إلى محل التصوير لسحبها ورقيا بحجم لائق ووضعها في اطار جميل.. احتفلوا بالمناسبة وصورت رواء فيلما قصيرًا، قام شمدين بإرساله إلى بريد مهاباد الإلكتروني، فتداوله أهل القرية سريعا. حتى أصبح الحدث علامة فارقة في أحاديث أهل القرية. جاء الشيخ حموإلى بغداد مع مرافقين له من رجال القرية وحلوا ضيوفًا مكرمين في منزل الطبيب، وبعد سهره معهم في الليلة الأولى من وصولهم طلب الطبيب الأذن منهم فقد آثر أَنْ يَدعهُم للراحة، بعد عناء السَّفَرِ. فأشار إليه الشيخ أن يدنو منه. الطبيب: تفضل شيخنا.. الشيخ بصوت خافت : بعد تشرفي بزيارتكم والاطمئنان عليكم ، يا أخي، جئت إلى بغداد لإجراء فحوصات طبية ، أشعر بأن قلبي ليس على ما يرام. الطبيب : وأنت الآن في بيتك وبين أهلك، نباشر الفحوصات من صباح يوم غد. اطمئن ياشيخ، وأرجو أن تنام براحة وطمأنينة .. تصبحون على خير. ابتسم الشيخ .. وأسلم جسده إلى رقاد لذيذ. بدأت من الصباح رحلة الفحص في العيادات التخصصية لأمراض القلب، و تبين أن الشيخ بحاجة إلى قسطرة تشخيصية للقلب، وكان كل شيء على ما يرام ، وقضوا عشرة أيام في بغداد كأنها ومضة حلم.. قال الشيخ في صباح السفر إلى سنجار : لا أعرف أن أعبر عن داخلي المليء بالامتنان والمحبة لجناب الطبيب وأسرته، وأسأل الله أن يحرسهم ويديم بيننا الاخاء والحب، أرى أن تدنو مني، فدنا إليه الطبيب ، قرأ الشيخ دعاءً بلغتهم الدينية في أذن الطبيب اليمنى، ثم مال إلى أذنه اليسرى، وقرأ فيها دعاءً آخر.. المدن التاريخية في بلاد الرافدين لم تؤسس هويتها العريقة خارج كينونة الهوية الأم، بل شيدتها عبر صراع طويل مع الزمن. وإن بقاءها إلى اليوم لدليلٌ على انتصارها وشموخها. لا تلتفت تلك المدن إلى خلفها؛ تمخر عباب الزمن كما تمخر السفن العملاقة البحار، لا تلوي على شيء. ولأنها ليست حجرًا فحسب، فقد ظلت تستشعر الأخطار المحدقة قبل وقوعها، وزوّدت نفسها بقدرة الاستجابة لصنوف التحديات، وتصفية الارادة وتنقيتها مما علق بها من شوائب الزمن. وحين هوت مدينة تلعفر تحت مطارق الوحوش، اعترى قلب سنجار الرؤوم وجع غريب. في خلوة مع النفس قرأت بتمعّن كفّ الجبل العملاق، فأحسّت بخطورة ما قرأت؛ رأت خطوات الوحش تقترب منها، خطوة بعد أخرى. ويلٌ لسنجار من خذلان الأصدقاء! كانت الدماء تفور في عروقها لهبًا. ها هي تُترك عارية، وحيدة، أمام قطعان الوحوش. أولًا بأول كان الطبيب ورواء يتابعان الأحداث. وفي مساء خيّم عليه اليأس، عرضت شاشة الجزيرة تحقيقًا حيًا من ساحة الحدث؛ عشرات الآلاف من الفارين يشقون طريقهم نحو جبل سنجار طلبًا للنجاة. وجوه ذابلة وأجساد خاوية، تتناهبها مشاعر الخوف والجوع والفقد والضياع، كانوا في أقصى درجات اليأس البشري. تنتقل الكاميرا بين وجوه مختلفة: شيخ في الستين، ومعلم، وموظف في البلدية، وامرأة تحمل طفلًا وتقود صبيًا آخر. كان المذيع يسألهم عن أسباب الانهيار المفاجئ، وسر انعدام المقاومة. قال الطبيب لرواء: ـ الله يعينهم على هذا البلاء. قالت رواء: ـ هذه إجابات لا تعدو أن تكون ردود أفعال. هزّ الطبيب رأسه موافقًا، لكنه ما لبث أن قال على عجل: ـ اسمعي... كان المتحدث الآخر قد ظهر على الشاشة، وفي كلامه شيء جديد؛ شيء يفصح عن مضمون خطير: قال:- تعرضنا إلى خذلان الأصدقاء في اللحظة الأخيرة . وبعد أزمة الموصل وتلعفر، وضعنا ثقتنا بهم، ونُشرت قواتهم العسكرية في سنجار، وتعهدوا بحمايتها. لكن قبل يوم واحد من الغزو، انسحبت تلك القوات بأكملها إلى سرادق الأمان ، وتركت مواقعها خالية، من دون أن تخبر أحدًا من إدارة سنجار. ثم أضاف: ـ إنها عملية خذلان تاريخية، ونحن ندفع ثمنها الآن. وما زاد الطين بلّة أن أصدقاء من بعض القبائل العربية المجاورة، التي تربطنا بهم علاقات تاريخية، وروابط الجيرة والكريف والمصالح التجارية والعهود والمواثيق، تنكرت لكل ذلك، وتحول بعض رجالها إلى أدلاء للغزاة ضدنا. قفز الطبيب من مكانه غضبًا: ـ اسمعي الحقائق يا رواء! ما يقوله هذا الرجل دقيق جدا، سنجار ليست موقعًا عابرًا. هي بيضة القبان في عراق ما بعد 2003؛ يتسابق أصحاب المشاريع على بسط نفوذهم فيها. بعد تلك الليلة، لم يعد الطبيب وزوجته يحتملان الصبر على تفاصيل ما تعرضه القنوات الفضائية. كانت الأخبار تتوالى، لكن كل خبر كان يبدو كأنه نافذة أخرى على فاجعة أكبر؛ تفاصيل لا يتسع لها وصفٌ. كان ذلك موسم الخراب، والقبح، والانتكاس القيمي، في عالم مفتوح على تجارة الإنسان وتحويله إلى سلعة. قالت رواء بهمس: ـ أخبار الشاشات لا تأتينا بشيء عن قرية النور، ولا عن شمدين ومهاباد، والصبية السبعة، وبقية البيوت. ظل الطبيب صامتًا لحظة، ثم قال: ـ أفتش عن خيط أمل يربطنا بأصدقائنا، بل بأهلنا الذين عرفناهم عن كثب. لم يعثر على ما يطمئن قلبه. كانت الأخبار مجرد ظلال لفاجعة كبرى، ما تزال جراحها مفتوحة في الذاكرة. قال بعد صمت: ـ رواء، الشتاء على الأبواب، وقد مضى أكثر من شهرين، ولا نعرف معلومة واحدة تدلنا عليهم. أرى أن أسافر وحدي، ولن أتأخر. سافر الطبيب إلى سنجار. رأى الأشياء على حقيقتها، لكنه لم يتمكن من الوصول إلى القرية، ولم يعرف أخبار أهلها. وقبل أن يقرر العودة إلى بغداد، رأى قلة من باعة مجتمعين في فناء مهدم، كأنه بقايا سوق طاله الخراب. كانت معالم الحرق وآثار الدمار واضحة في كل معالمه. تقدم نحوهم بأدب، وألقى التحية، ثم سألهم ، كمن يؤدي فرضًا في اللحظة الأخيرة من اليأس: ـ هل تعرفون شيئًا عن أهل قرية النور؟ نهض رجل كان جالسًا على حجر، ومسح سرواله من التراب. بدا مثقلًا بالأسى، لكنه رحّب بالسائل. ـ عمن تسأل؟ ـ عن شمدين وعائلته. تأمله الرجل قليلًا: ـ من أين أنت؟ ومن تكون؟ ـ أنا صديقهم من بغداد. تغيرت ملامح الرجل، وقال: ـ إذن، أنت الطبيب، صديق شمدين؟ ـ تمامًا. مدّ الرجل يده إليه: ـ أنا صالح، ابن خالة شمدين. هيا بنا إلى بيتي، إنه قريب من هنا. لم يرفض الطبيب. سار معه حتى بلغ البيت. وما إن دخل حتى خرجت امرأة لترى القادمين، وقالت: ـ أهلًا بك في دارك. أنا جيان، أخت شمدين... وأختك إن شاء الله. لم يكن الحديث طويلًا، لكن الطبيب عرف منه أن شمدين وعائلته أحياء يرزقون، وأنهم في أحد مخيمات النازحين. كتب الطبيب من فوره رسالة إلى شمدين، وطلب من صالح أن يوصلها إليه بأي طريقة. وتبادلا أرقام الهواتف للتواصل عند ظهور أي خبر جديد. وقبل أن يغادر، دسّ حزمةً من النقود في جيب صالح. أبى صالح في أول الأمر، لكنه رضخ تحت إصرار الطبيب . ودّع صالح وجيان، وعاد إلى بغداد. بعد شهرين، تلقى اتصالًا من صالح يطمئنه على سلامة شمدين، ويخبره أن الرسالة وصلت إليه، وأنه تأثر بها كثيرًا. مضت أربعة أشهر أخرى، فقرر الطبيب وزوجته أن يتوجها إلى بيت صالح وجيان. وهناك عرفا أن شمدين عاد قبل يومين بمفرده، وهو الآن في القرية يتفقد داره وأغراضه ولوازمه. لم يتوان الطبيب لحظة . فانطلق هو ورواء وصالح إلى القرية. ولما أصبحوا على مشارفها، أحس الطبيب بذلك الهدوء القديم الذي عرفه أيام صداقته لأهلها؛ لكنه هذه المرة كان هدوءًا منكمشًا، ليس كعهده القديم. بدا كأنه تسطح في جزيئات الطين، يتألم من أقدام الغزو. هدوء يصرخ بصمت مبحوح. يتصاعد بين أعشاب التاريخ النائمة على عتبات قرية الإنسان، التي تأخذ من لالش فيض نورها وروحانيتها وصبرها على الفجيعة، لمح شمدين سيارة الطبيب تشق الطريق نحو القرية. في لحظة الاندهاش، لا يعرف الإنسان ماذا يفعل. هل يبقى ثابتًا على قدميه منتظرًا وصول صديقه؟ أم يركض بكل ما أوتي من قوة ليصل إليه ويحتضنه؟ تردد شمدين حائرًا أول الأمر، لكن اللقاء بين الرجلين أكبر من الكلام. أجهش الصديقان في بكاء صامت؛ بكاء بلا دموع، فقد أعيت الدموع أن تستجيب. كانت أنياط القلوب تتقطع رويدًا. جلسا متعانقين على قنفة مخلوعة المساند في طارمة الدار. ذهب صالح ليعد الشاي. مسحت رواء عينيها، وسألت: ـ أخي شمدين، وكيف حال أختي مهاباد والأولاد؟ أجهش شمدين ببكاء حارق. قال بصوت متقطع: ـ وقعت مهاباد أسيرة في أيديهم . تفاقم الحزن في قلب الطبيب ورواء، وانفجرا في بكاء مر. ـ وكيف حدث ذلك؟ قال شمدين: ـ لم تستطع أن تنجو من الغزاة، اجتاحوا القرية وكانت تتفقد آليات الزراعة في الأرض، فوقعت في أسرهم. رفع الطبيب كأس الشاي، وشرب منه قبل أن يبرد. كان يحتاج إلى شيء يعيد إليه توازنه، ولو للحظات. ثم بدأ يسأل نفسه.. أين اختفى جمال القرية؟ كيف همدت أنفاسها الدافئة؟ وكيف آل النرجس إلى ذبول شاسع؟ جلس الجميع إلى مائدة بسيطة أعدها صالح. ظل الطبيب لا يمد يده إلى الطعام، ثم قال: ـ اسمعني يا شمدين، وأنت يا صالح. الحياة لا تنتهي عند هذا الخراب الهمجي. علينا أن نشكل فريق عمل فاعلًا. نحن الآن خمسة وقد نصبح خمسين ، وقبل كل عمل، علينا أن نؤمن بقوة إرادتنا، وأن نحذف اليأس من قاموسنا، ونحدد سلسلة أعمالنا القادمة. سكت لحظة، ثم تابع: ـ شعوب كثيرة تجاوزت صعوبات ومآسٍ أكبر مما لقينا، وانتصرت عليها، هذه الليلة نبيت في بيت صالح، ونجتمع مع جيان. أريد أن أسمع منك يا شمدين كل تفاصيل الأحداث، حتى نعرف كيف نتعامل مع الأمور بواقعية .أرجوكم... ابتسموا لنبتسم جميعًا. نظر إليهم واحدًا واحدًا، وقال: ـ الابتسامة ليست ترفًا، الابتسامة قلب قوي، وقد تكون بداية الحل.. نهضوا. صعدوا إلى السيارة. قال الطبيب: ـ شمدين. ـ نعم. ـ إذا كانت قطعان الغزو ودباباته قد داست نرجس القرية الوافر وأحرقته، واختطفت مهاباد، فلنحيِي ذكرى مهاباد والنرجس بصوتك الهادر. ثم قال له: ـ غنِّ. تردد شمدين لحظة، ثم صدح: «أوي نرگس نرگس نرگس نرگس زينه ر جوانا» خرج الصوت من بين أوجاعه ودموعه، كأنه يستعيد صوت مهاباد المشبع بالأمل قبل الغزو. كان في الصوت شيء يشبه النهوض؛ كأن شمدين تلقى في تلك اللحظة لقاحًا ضد اليأس، مهّد في وعيه وقلبه إرادة الانقلاب على الخراب، وبذور الثورة على الهزيمة.. ثم، نظر إلى الطبيب طويلًا، وقال في نفسه: كيف يمكن أن نكون من غير هذا الرجل؟ ومنذ تلك اللحظة، دخلت صفة جديدة إلى قاموسهم؛ فلم يعد أحد يقول: - الطبيب، بل صاروا يقولون: - الحكيم .. لم تعد قرية النور مؤهلة لعودة أبنائها النازحين؛ فإجراءات إعادة الإعمار بطيئة، والأهالي يركزون أولًا على توفير احتياجاتهم اليومية. صارت الطرق المؤدية إليها شبه مهجورة، لا تحفل بحركة إلا نادرًا. وعلى مفرق طرق رئيسي، حفل ببعض مكاتب المنظمات الدولية والمحلية، كانت مساحة فارغة يحدها من الطرف الأيمن مبنى للصليب الدولي، ويجاورها من اليسار مكتب للهلال الأحمر العراقي. وفي المساحة نفسها بناء مكوّن من غرفتين وملحق واحد . صفّ الحكيم سيارته في الفناء أمام الغرفتين، وترجل منها مسرعًا. لحقت به رواء، ثم شمدين وصالح وجيان. تفحّص الغرفتين جيدًا، وأعطى رأيه بثقة: ـ هذا هو مكتبنا من الآن. سنقوم بإصلاح ما يحتاج إلى إصلاح، ونأتي بأثاث بسيط. قام الخمسة بحملة تنظيف واسعة، جعلت المكان ملائمًا لبداية لائقة بالمهمة. في اليوم التالي عقد الحكيم أول اجتماع للأعضاء المؤسسين، وقال: ـ أنتم الأعضاء المؤسسون لـ«منظمة النور للإنقاذ والإغاثة». ستكون وظيفتي التنظيم والعلاج. وأتمنى أن يحدد كل منكم وظيفته بكل وضوح.. حتى ندونها في محضر الاجتماع. قال شمدين: ـ أنا قادر على متابعة ما يحدث. وقال صالح: ـ علاقتي جيدة بأطراف متنوعة .ص٩ أما رواء فتحدثت عن قدرتها على الأرشفة والتوثيق، وتعهدت جيان بالشؤون الإدارية، فهي تجيد الطباعة والتصميم على الحاسوب. ابتسم الحكيم وقال: ـ هذا ممتاز، أصبحنا نمتلك نواة صلبة. لا بأس أن ندون ذلك في محضر الاجتماع. ثم التفت إلى جيان: ـ اكتبي وظيفة كل عضو أمام اسمه: شمدين ـ المتابعة. صالح ـ العلاقات. جيان ـ الإدارة. رواء ـ الذاكرة. الحكيم : ـ التنظيم والعلاج، ونحتاج إلى أن نؤثث له مكانًا ملائما ليكون عيادة للعلاج والطوارئ.. ثم قال: ـ الآن ننتقل إلى بديهيات العمل. أكدنا سابقًا أن الابتسامة درع في وجه المحن، وقد لاحظت التزامكم الإيجابي بها، الأمر الذي خفف كثيرًا من شعور الحزن الثقيل. واليوم أؤكد أمرًا ثانيًا لابد أن نلتزم به من الآن فصاعدًا: لا تغضب في أي حال، وإن دفعوك إلى ذلك دفعًا. سكت قليلًا، ثم تابع: ـ سنرى أهمية هذا الأمر في حياتنا العملية القادمة. في ظروف مثل الظروف التي نعيشها حاليًا، من الصعب أن نجد أفرادًا أو مجموعات مسترخية، الناس مشدودة، متأزمة، قلقة. وما علينا إلا أن نستوعب ذلك قولًا وفعلًا. ثم أضاف: ـ أما دائرة عملنا، فهي غير محصورة بسكان قرية النور وحدهم، بل تشمل كل الناس المعرضين للغزو والاستباحة في هذه المنطقة. لكن اهتمامنا بأهل قرية النور يظل مقدمًا على غيره من الاهتمامات. صمت الحكيم برهة، ثم قال: ـ الآن لدينا استراحة نصف ساعة. نهضت جيان إلى الغرفة الثانية وعادت بكيسين. أخرجت من الأول ترمسًا مليئًا بالشاي وأكوابًا بلاستيكية، ومن الثاني خبزًا وجبنًا. فرشت رواء قطعة نايلون على طاولة بلاستيكية، ووضعت الخبز والجبن في المنتصف، ثم وزعت أكواب الشاي، ووضعت "الشكر دان" في منتصف المائدة أيضًا. تناولوا إفطارهم وقوفًا. كان الحكيم يراقب المشهد بصمت. بدا له أن هذه اللحظة، ببساطتها، تحمل شيئًا أعمق من مجرد استراحة بين جلستين. لخمسة أشخاص في غرفة متواضعة، أمام خبز وجبن وشاي، لكنهم كانوا يتصرفون كأنهم وضعوا حجر الأساس لشيء أكبر من الغرفة ومن القرية. استأنفوا النصف الثاني من الاجتماع برغبة أشد في التماسك. بدأ الحكيم بسؤال بدا لهم غريبًا: ـ كيف ننسى مهاباد؟ أليست هي والنرجس توأمين في رمزية أعمالنا القادمة؟ في تلك اللحظة سمعوا أصواتًا وجلبة قريبة منهم. خرج شمدين، فرأى ثلاثة رجال تغلب على ملامحهم الخشونة، وعلى طباعهم العناد والفوضوية. ص١٠ استقبلهم شمدين: ـ أهلًا وسهلًا. لكنهم قابلوه بنظرات ساخرة وكلمات استخفاف. قال أكبرهم: ـ شو، فاتحين جايخانه؟ قال شمدين بإصرار: ـ تفضلوا. كانت تلك خطوة أولى للتعريف بالمكتب. دخل الرجال، وأخذوا ينظرون بعجب إلى الأربعة الذين نهضوا لاستقبالهم وفسحوا لهم مكانًا للجلوس. قال أحدهم: ـ ظاهركم يقول إنكم لستم أجانب، ولستم من الحكومة، ولستم لصوصًا... فهل أنتم جواسيس؟ أشار الحكيم إلى جيان أن تقدم لهم الشاي. قال آخر، مخاطبًا الحكيم: ـ أنت كبيرهم إذن؟ أجابه الحكيم بهدوء: ـ اشربوا شايكم ونتحدث بعد ذلك. كان الحوار الذي جرى بينهم مختلفًا عما اعتادوه. تحدث الحكيم عن أهمية عملهم، وعن ضرورة وجودهم في مثل هذه اللحظات الحرجة. قال: ـ لقد فاتنا الكثير، لأن كفة القوى غير متساوية. علينا أن نصنع توازنًا في موازين القوة. سأله أحدهم: ـ وماذا نملك من قوة؟ قال الحكيم: ـ الصدق، والبساطة، والأخلاق... ألا تكفي برأيك؟ ظل الرجل ينظر إليه مندهشًا. أدرك الحكيم أن وراء سؤاله نقطة ضعف، فقال: ـ قوتنا التي ذكرتها هائلة، لكنها تفتقر إلى شيء واحد: التنظيم. اهتز الرجل من الجواب، وعاد إلى كرسيه مستسلمًا. أحس بفرصة حلٍّ لحيرته وحيرة شباب كثيرين غيره. ولما تلألأت في مآقيه دموع الحيرة، احتضنه الحكيم، وقدموا له كأس ماء من الترمس حتى هدأت أعصابه. قال الرجل: ـ اسمحوا لنا. نهض الرجال وغادروا. وقبل أن يبتعدوا، قال السائل: ـ سنحكي عنكم ونعود. ظل الحكيم يتابعهم بنظره. كانت تلك أول لحظة تطبيقية لمبدأ كظم الغضب، وأول اختبار حقيقي لطريقة التعريف بالمهمة. ولم يكن أحد منهم بحاجة إلى أن يشرح للآخرين ما حدث؛ فقد فهموا جميعًا أن الرجل الذي دخل ساخرًا خرج متعاطفًا. ارتفعت معنويات المؤسسين. ولم يضيّع شمدين الفرصة، فخاطب الحكيم: ـ لدينا في بيوت القرية ما يكفي لتأثيث المكتب. ونحن أحق به من أن يسرقه المارقون. ص١١ ابتسم الحكيم. ابتسامة لم تكن مجرد تعبير عن الفرح، بل ممارسة في مواجهة الأخطاء والأخطار. قال لشمدين: ـ وأين ذهبت مروءتنا؟ أليس من الأصلح أن نحميها، وألا نأخذ شيئًا غير مرخص لنا به؟ ثم أردف: ـ غدًا تذهب إلى أقرب مكتب طباعة وتصميم، وتعمل لافتة فليكس باسم المنظمة، حتى لو اضطررت إلى الذهاب إلى الموصل. أما نحن، فنحتاج إلى إجازة لمدة أسبوع، نرتب فيها أمور البيت والعائلة، ونستحصل على إجازات رسمية من دوائرنا. بعد أن وصلا إلى بغداد، قاما بترتيب كل تفاصيل التفرغ التام رسميًا، واستقدما خالة ولديهما إلى البيت للاعتناء بشؤونهما، فهما طالبان في المرحلة الثانوية. وطلبت الجدة " أم رواء" من الحكيم أن تنتقل من بيتها إلى جانبهما أيضا. اكملا ترتيب الأمور التي عادا بسببها، ثم عزما على السفر إلى المنظمة بعد نفاد الاجازة. أوى شمدين إلى ظلال شجرة الجوز في فناء مبنى المنظمة، عصر ذلك اليوم، يقلب أوجاعه. وبرهةً، انقطع حسيًّا عن المكان، حتى خُيّل إليه أن أنينًا خافتًا يتناهى إلى سمعه، ونشيجَ دموع. كان شغوفًا بأن يرتشف حزن هذه اللحظة الداهمة، وأن يصنع من صميم قلبه نشيدًا تسمعه الأفئدة الكليمة وتضطرب له؛ فقلبه ما عاد سويًّا، يتفتت نتفًا بين شهقات النائحات. وحدها السماء صافية فوق رؤوسهن، مواسيةً تهز مهود الأحزان برفق. ولهؤلاء الثكالى، والخدور المنتهكة، تسهر أضواء السماء على خرير دموعهن الحارقة، وتبعث الهدوء إلى قلبه في موجة الحزن تلك. أخذت الأضواء بزمام روحه نحوها، فأبصر أن في عمق أي مأساة طريقًا إلى بؤرة من جمال، وومضة من سعادة. وقال في نفسه: لقد توارتا إلى الأبد عن هذه النقطة من الأرض. كاد أن يرى صورة العناق الروحي مع المأساة في هذا الحلم العميق؛ وكانت تلك خطوة فارقة في مساره المعتاد. ولما أفاق، لم يجد حوله مخيم النائحات الذي كان قد سمعه ورأى ما فيه بوضوح. كان حلمًا راوده تحت ظلال شجرة الجوز الوارفة. نهض شمدين بهمة ونشاط، يطرد اليأس من جوانحه. كانت مهاباد، وإن لم يرها بين النائحات، حاضرةً تغزل سدى الحلم. سار بهدوء إلى غرفة الحكيم، فوجد بقية المؤسسين حوله. سلّم وجلس، فقابله الحكيم بابتسامة دافئة، مرحبًا به، وباغته بسؤال من الذاكرة: ـ أتذكر يا شمدين هذه الجملة: نحن اليوم خمسة وقد نصبح خمسين؟ ابتسم شمدين: ـ وكيف أنسى جملة البداية؟ قال الحكيم: ـ في غيابك، كنا عند جيان لنرى مفردات التقرير الفصلي لعمل المنظمة. فكنت سعيدًا حين أبلغتني بأن الخمسة، النواة الأولى، قد تضاعف حضورهم، وأصبح صدى أعمالنا يُسمع في كل سنجار ونينوى، وبين صحافة البلاد ومنظماتها. هذا جهد كبير، وثمرة يانعة لجهود الجميع، وبالأخص الناجين، ونخبة من النازحين والعائدين إلى الأرض. ثم التفت إلى شمدين وقال: ـ وأحب أن أثني على جهودك الكبيرة يا شمدين. كنت بوصلة دقيقة في جغرافيا المكان، وأقربنا إلى الناس والأكثر إحساسًا بهمومهم . وبلغت في العلاقات شأنًا جعل أبواب المنظمة مفتوحة للقاصدين ليل نهار. سكت الحكيم لحظة، ثم قال: ـ لهذا أعلن، وأمام الأعضاء المؤسسين، أنك أصلح مرشح لإدارة المنظمة. لم يتبرم بقية المؤسسين، بل تبادلوا نظرات الرضا والقبول، ثم صفقوا موافقين على القرار. في هذه الأثناء، طُرق الباب، فنهض صالح ليرى ما الأمر. وجد أحد العاملين، فأخبره: ـ سيارتان فيهما ضباط من الشرطة والأمن الوطني في زيارة للمنظمة. أشار الحكيم إلى استقبالهم في صالة الزائرين. وبعد برهة وجيزة مضى نحوهم، يتبعه شمدين ورواء، بينما بقيت جيان في غرفة القيادة. ألقى الحكيم تحيته، ثم مرّ على الضيوف يصاقحهم واحدًا بعد آخر، يتبعه شمدين ورواء خطوةً بخطوة. ثم جلس في صدر المجلس، وبدأ بكلمة تعريفية عن المنظمة. قال ضابط الأمن الوطني: ـ لا يخفى علينا، ولا على الرأي العام، جهودكم وتفاعلكم مع تداعيات المجزرة الإنسانية. وقال ضابط الشرطة: ـ إن صدى منظمتكم واسع في الإعلام وفي أوساط المحافظة. لكن كل نجاح يجد ما يعترض سبيله من المنافسين والحاسدين، ومن الذين تحركهم الغيرة والضغينة. فقد صدر إلينا أمر من الجهات العليا بتشكيل لجنة مشتركة من الداخلية والأمن الوطني للتحقيق في النزاهة المالية للمنظمة، وتوضيح مصادر التمويل الخارجية والداخلية. قال الحكيم بهدوء: ـ بكل امتنان، وهذا أمر يسعدنا جدًا، بل أعتقده ضروريًا لتوثيق عرى التعاون بين الدولة والمنظمات غير الحكومية، وضمان استمرارها في العمل. ونحن جاهزون لأي طريقة ترتأونها. قال ضابط الشرطة، مشيرًا إلى أحد الجالسين: ـ السيد العميد من جهاز الأمن الوطني هو رئيس اللجنة المشتركة القائمة بالتحقيق. قال الحكيم: ـ ستبذل إدارة المنظمة قصارى جهدها للتعاون مع اللجنة الموقرة. اتفق الحكيم مع رئيس لجنة التحقيق على مواعيد وآليات العمل، وسمّى لهم لجنة الإدارة برئاسة جيان وعضوية صالح ورواء. بدا الضباط الضيوف مندهشين من هذا الرد المهذب والمطمئن. استغرقت أعمال لجنة التحقيق أسبوعًا، ثم صدرت نتائجها بعد مضي شهر كامل، مصدقة من الجهتين، ومعها كتاب شكر وتقدير على النزاهة والأداء صادر عن ديوان المحافظة. وسرعان ما جرى تداول الخبر إعلاميًا. وفي ضوء ذلك، بدأ تداول خفايا الموضوع في مراكز اجتماعية يشار لها بالبنان، وبين كبار الموظفين والمثقفين والإعلاميين في المحافظة. وقدمت وفود إعلامية وصحافية لمقابلة الحكيم وقيادات المنظمة، وظهرت تقارير مفصلة في الصحف والفضائيات، أثمرت عن مردود إيجابي...، وحفّزت أعدادًا متزايدة من الناجين والنازحين على التسجيل في المنظمة. وبمرور الوقت توهجت شخصية الحكيم في مخيلة الشباب، وتقدمت شعبيته في أوساط الشباب على أسماء سياسية معروفة. بعد مغادرة الضيوف، عاد الحكيم والأعضاء المؤسسون إلى إكمال اجتماعهم. قالت رواء: ـ نود أن نميز مساحة عمل المدير الجديد، الأخ شمدين، عن مساحة عملكم، جناب الحكيم. قال الحكيم: ـ هو مسؤول عن كل ما يتعلق بالإدارة من الألف إلى الياء، وكذلك مسؤول عن العلاقات الداخلية. أما أنا فمسؤوليتي التنظيم، والعلاقات الخارجية والوطنية في بغداد وبقية المحافظات، والدبلوماسية، وتأمين المال والإمكانات، وصناعة الرؤية والإرادة والمعرفة. أما البقية فلا تغيير في مهامهم. قال الجميع: ـ أصبح واضحًا. ثم قال الحكيم: ـ يا شمدين... انتبه شمدين نحوه. ـ أرجو أن تعلنوا، من يوم غد، عن قيام مهرجان للزواج الجماعي، من خمس عشرة إلى عشرين حالة زواج، ويُسمى ( مهرجان مهاباد السنوي الأول). وتكون الأفضلية فيه لشباب قرية النور. ورفع كفيه إشارةً إلى انتهاء الاجتماع. توجه الحكيم إلى مخدعه ليأخذ قسطًا من الراحة. وما إن تمدد في فراشه حتى انتابته موجة عاتية من القلق وعدم الارتياح، تلاها ضيق شديد في التنفس، فنهض مجبراً لاتقاء تداعيات الحالة، اعترته إثر تفكير عميق ومضنٍ بحالة مهاباد؛ وحين أخذ يربط بين مصيرها وبين ما يتابعه من أخبار عن التعامل الوحشي مع الأسيرات، والعنف الجسدي، والاسترقاق الجنسي حيالهن، فَقَدَ آخر نقطة تماسك لديه. لم يجد أمامه طريقاً لتفادي الانهيار التام سوى أن يجهش بالصراخ. تناهى صوته المفجوع إلى سمع رواء، فأسرعت نحو الغرفة كالبرق. احتضنته بلهفة، وقادته إلى الحمام الداخلي حيث غسلت وجهه بالماء، ثم أعادته إلى فضاء الغرفة ومشت معه حتى جلس على الكرسي، وناولته كأس ماء بارد. وجاءت بمنشفة مسحت بها وجهه ويديه. عاد إليه انتباهه المشوش، فابتسم بوجه رواء ابتسامة باهتة، فاحتضنته بحرقة وقبلت خده. قال الحكيم بوهن: يا رواء.. رواء: - أسمعك.. الحكيم:- لا تخبري أحدًا.. قالت رواء مطمئنة : أدرك ذلك، وأرجوك الآن أن تتنفس بعمق وتغادر تلك الحالة، سنتكلم عنها بعد حين. سآتيك بشراب ليمون بارد. كانت يده ترتعش وهي تمتد لتناول الكأس من رواء، وتلعثم لسانه في نطق كلمة "شكراً"، فخرجت الحروف مبعثرة عن سياقها . نظرت إليه رواء بعينين يملؤهما الإصرار والشفقة، وقالت: لستَ مسؤولاً عما لحق بمهاباد، فلا تحمل نفسك وزراً لا دخل لك فيه.. أنت تؤدي هنا واجباً أكبر من أي شخص آخر. كن منصفاً مع نفسك، أرجوك. أخذته موجة نعاس بين يدي رواء التي أرسلت بصوتها الرقيق تنويمة سحرية ملكت كل مكامن يقظته فأسلم نفسه إلى رقاد عميق وهي تردد من أعماقها الساكنة : ( أوي نرگس نرگس نرگس نرگس زينه ر جوانا) قدم شباب وشابات قرية النور، من العائدين من مخيمات النازحين، إلى مقر المنظمة للتسجيل في قائمة الزواج الجماعي. وقفوا على باب مكتب جيان، التي رافقتهم إلى صالة الزائرين، ودعت المدير شمدين للقائهم. واكتمل تسجيل العدد من شباب وشابات قرية النور، راجعت الإدارة المحكمة الشرعية في القضاء لاستصدار عقود الزواج العشرين ، وأحضرت جميع الأزواج إلى المحكمة الشرعية، فصدرت عقود الزواج كاملة. وعقدت المنظمة اجتماعها الأول برئاسة المدير الجديد شمدين، وحضره الحكيم.بدأ شمدين حديثه بكلمات عن التماسك والتعاون في العمل، وقال: ـ اجتماعنا مخصص لـ "مهرجان مهاباد السنوي لأول للزواح الجماعي"، لرسم خطة إدارته، وتحديد موعد انطلاقه، وتعيين المدعوين من الدوائر الرسمية والمنظمات والأهالي. جرت تسمية كل شيء بدقة. أعجب الحكيم بسير الأمور في الاجتماع الأول، وأضاف: ـ أقترح أن تقوم لجنة برئاسة رواء، وعضوية جيان وصالح، بتجهيز جميع العرسان بملابس الزفاف، للعروس وللعريس. سارت الأمور بأقصى درجات الحرص على النجاح. وبدأت الوفود الشعبية تتوالى على ساحة المهرجان، وبمرور ساعة أخرى غصّ المكان بالحضور عن آخره. وكانت المفاجأة السعيدة حضورَ شخصيتين مهمتين ؛ الأول: حضور رسمي، تمثل بممثل عن محافظ نينوى، والثاني حضور ديني رفيع، تمثل بوجود فضيلة بابا شيخ الإيزيديين ومرجعهم الروحي في معبد لالش، يرافقه رجال دين من المعبد، والشيخ حمو، مسؤول مزار قرية النور، وبقية العاملين في المزار. تقدم شاب وسيم من بين الحضور نحو الحكيم، الجالس بين ممثل المحافظ وفضيلة بابا شيخ الإيزيديين . انحنى أمام الحكيم، وأخذ يده وقبّلها. سحب الحكيم يده لاإراديًا، وقال: ـ استغفر الله. ثم سأله: ـ من تكون؟ قال الشاب: ـ أنا رشو شنكالي، ابن أخيك الشهيد حسن. قام الحكيم وقبّله على رأسه، وقال: ـ أنت من الآن معي، لا تفارقني. وأين بقية الإخوة السبعة؟ أجاب رشو: ـ موجودون. قال الحكيم: ـ أشر إليهم بالالتحاق معك. ولما تقدم الحكيم لإلقاء كلمة الافتتاح من على المنصة، مشى خلفه الإخوة السبعة، يتقدمهم رشو شنكالي، فصعد المنصة ووقف خلف الحكيم مرافقًا له، أما الستة الآخرون فتوزعوا عن يمين المنصة ويسارها، ثلاثة بثلاثة. نهض الجميع يحيونه بالتصفيق والزغاريد لأكثر من خمس دقائق. ومسح الحكيم دموعه مرارًا خلال مدة الاحتفاء العفوي الكبير. ولم يُطِل في كلمته، واختتمها قائلًا، بعد الترحيب بالجميع: ـ ثمة جرح غائر في عمق هذه الأرض، وثمة خنجر غادر يحزّ وريدها إلى هذه اللحظة، وثمة أفعى سوداء تحرق بسمومها هدوء الطبيعة، وقداسة الأنوثة، وتغتال براءة الأطفال، وتجرف الأرض، وتقتل النرجس، رمز خصبها الأبدي. نعلن انطلاق مهرجاننا باسم الغائبة الكبيرة، ابنة هذه الأرض: "مهاباد، توأم النرجس الحي". وانحنى باحترام صامتًا لمدة دقيقتين، إشارةً إلى بدء المهرجان، على أنغام أعذب الأناشيد ، بصوت شمدين: (أوي نرگس نرگس نرگس نرگس، زينه ر جوانا..) لم تبقَ روح غائبة إلا رفرفت فوق سماء المهرجان. وخرج العرسان العشرون إلى أمام المؤدي، شمدين ووجوههم نحو الحضور، يؤدون حركات احتفالية على أنغام تلك الملحمة الخالدة. ومضى المهرجان في انسياب ودقة، وصار " مهرجان مهاباد" أمثولةً يُحتذى بها، حتى موسم قادم. بعد نجاح مهرجان مهاباد الأول للزواج الجماعي، أخذ الزائرون يتوافدون بكثافة واضحة إلى المنظمة ، وبذلت الإدارة جهودًا كبيرة للتكيف مع زخم الوافدين وتنوع المهام، واستيعاب عدد منهم في عمل المنظمة. قال الحكيم: - جهد موفق، وإنجازات قيمة. وطلب من شمدين أن يعقد اجتماعًا طارئًا لقيادة المنظمة، بحضور رشو شنگالي والإخوة الستة. افتتح المدير شمدين الاجتماع بتهنئة قلبية لقيادة المنظمة، ومنتسبيها وفروعها، وبشكل خاص للحكيم ساروك ( القائد) ، على النجاح الكبير الذي تحقق في المهرجان، مؤكدًا أن المنظمة تحصد اليوم نتائج ذلك النجاح. ثم رحب بالضيوف، ويقصد رشو وجماعته. وحين أنهى كلمته تحدث الحكيم: ليس بيننا أي ضيوف: هؤلاء ابناؤنا كبروا، وحان وقت أن يحملوا المسؤولية . وأقترحُ أن ينضم رشو شنگالي إلى قيادة المنظمة، لأن مقعدي في القيادة سيكون شاغرًا إلى عام قادم . وقال: - لذلك أطلب منحي إجازة سنوية من اليوم، أما الأخوة الستة الآخرون، فاقترح أن يكونوا اعضاء احتياط تحت التدريب لمدة ستة أشهر، ثم يصبحون اعضاء في القيادة، ومن ناحية النظام الداخلي فاقترح تعديل مادة عدد اعضاء القيادة وتوسيعها لتستوعب عددا أكبر بحسب الضرورة. وأخرج من بين اوراقه ورقة موقعة، وسلمها إلى المدير شمدين : هذا ورقة طلب الإجازة السنوية. قال شمدين : علينا التصويت الآن على مقترحات "ساروك الحكيم". صُوّت على المقترحات، فأُقرت. نهض الحكيم نحو الباب، وأغلقه من خلفه. ومنذ ذلك الخروج لم يره أحد، حتى استأذن المدير شمدين، بعد أحدعشر شهرًا، الدخول إلى غرفته. ولما سمع صوت الحكيم يأذن بالدخول، فتح الباب وانهال يحتضن الحكيم ، ويقبّل كتفه الأيسر ثم كتفه الأيمن قائلا: ما سر غيابك عنا؟ الحكيم: عند أهل الحكمة والتصوف، يُسمّى هذا اعتكافًا، انقطاعًا ضروريًا للمراجعة.. أخذ شمدين يروي للحكيم تفاصيل العمل في المنظمة : المنظمة أطلقت استعدادات موسعة بصدد مهرجان مهاباد السنوي الثاني للزواج الجماعي. وبلغ عدد العرسان عشرين زوجا ، حصة شباب قرية النور منها النصف ، أما النصف الآخر فحصة شباب القرى الأخرى. قال الحكيم: ممتاز، عزّز حصة شباب قرية النور بخمسة أزواج أخرى.. فرح شمدين كثيرا، واستأنف حديثه، وهو يمر على المحاور الرئيسة في الإنجاز : ـ أطلقنا حملة واسعة، قام متطوعون في عدة قرى خلالها بتنظيف الأرض والحقول من الأنقاض والمخلفات المتراكمة والأحجار، بحسب توجيهاتكم الروحية، لاسترداد روح النرجس من الأثقال الملقاة عليه. امتدت الحملة عدة أسابيع، ولم يبخل المنتسبون وأصدقاؤهم في القرى بالمشاركة، كأنهم يدركون قيمة الصراع بين الحياة والموت. لو أنك ألقيت نظرة على الأرض هذه الأيام، لرأيت النرجس كيف بدأ دورة النمو؛ بعد الذبول، والظهور عقب الاختفاء، والحضور بعد الكمون. قال الحكيم : هذا تسديد صحيح وبليغ نحو الهدف. الحكمة، وأن جاءت متأخرة ، فهي كنز ثمين. وأتم شمدين: قمنا بتحرير ست مختطفات في غضون ثلاثة أشهر بالتعاون مع أجهزة الدولة، وبوساطة بعض المهربين، لقاء مبالغ قمنا بتسديدها. قال الحكيم : يا للفخر والروعة.. وكيف حال المحررات؟ قال شمدين : اثنتان بصحة متوسطة، والأربع الأخريات يتلقين العلاج. قال الحكيم: سنقوم بزيارتهن في مكان إقامتهن، وفي كل الأحوال لابد من دعوتهن إلى حضور المهرجان القادم .. قال شمدين : - بكل تأكيد.. ثم استمر بحديثه: -تطو ع ثلاثة أطباء من سنجار للعمل في عيادتنا الطبية يومًا واحدًا في الأسبوع. قال الحكيم : اعمالكم تسر الخاطر وهي ردّ فعل شجاع ضد الغزو، وضد الفساد وضد التأخر في إعادة إعمار سنجار والمدن والقرى المدمرة، اعلم يا شمدين، أن الفساد المنظم هو جريمة منظمة ضد الإنسان. قام شمدين مودعًا.. قال الحكيم: ناد لي رواء من فضلك.. حضرت أمامه متلهفة إلى ضمه، صابرة على فراق قسري بينهما أمده سنة إلا قليلا ولا يفصل بينهما إلا باب خشبي مؤصد.. فعذرته عن كل شيء تردد في سرها : إنها القضية.. وكان ينظر إليها بحنو مدهش.. فابتدرته قائلة: - أيه يا حكيم، اشتقنا كثيرا، وأنت؟ رد الحكيم، وهو يهز رأسه بالنفي: لم اشتق. قالت رواء :عجيب منك هذا! قال الحكيم:من يسكنون القلب لا اشتياق لهم، إنما الاشتياق للبعيدين عنه.. ضحكت رواء قائلة: ويل لي من حكمتك.. الحكيم : أنت الآن تحتكمين على أرشيف كبير ،يعود إلى بداية صداقتنا مع شمدين وأهل قرية النور إلى بداية أحداث الغزو والنزوح والسبي وتأسيس المنظمة بنشاطاتها واعمالها.. أرجو منك صناعة فيلم وثائقي في هذه المدة الباقية قبل انطلاق مهرجان مهاباد السنوي الثاني، في مدة تستغرق مابين (45-50 دقيقة).وتابع حديثه: - اركني إلى هدوءك المعتاد واختاري من الأرشيف وقائعا وصفحات وذكريات وأحداثًا تحرك سواكن النفوس ، حاولي تجسيد لوحة عن الأمان والبراءة والمحبة التي داسها الغزاة.. رواء : الأرشيف ينبض حيا في ذاكرتي ووجداني، احتاج عزلة قصيرة للاختيار . الحكيم : حسنا ، لاشك أن العمل سيحتاج إلى مونتاج فني ، فاذهبي إلى استوديو فني محترف في دهوك برفقة رشو شنگالي وآخرين. لا تنسي تضمين أغنية مهاباد صوتا وصورة في الفلم، سيكون فعالية المهرجان الوحيدة. رواء : شكرا لك، يا حكيم .. منحتني فرصة انتظرتها طويلًا.. الحكيم: سنرجع إلى بغداد بعد نهاية المهرجان، سنترك لهم فرصة الانتصار على ظروفهم، والاستمرار في مواجهة قضاياهم. واعتقد أنهم أصبحوا قادرين على ذلك. رواء (ترد باستغراب) : ماذا؟ الحكيم : في عالم كرة القدم يقولون : إن أجمل اعتزال للاعب وهو في قمة عطائه؛ سيحمي مجده من التراجع، ويترك محبيه في ذروة حبهم له، فتزداد حرقتهم على غيابه، وتبقى صورته شامخة في ذاكرتهم . رواء: لا خلاف لي مع رأيك ، ولكن لي سؤال عنك : مر عام إلا قليلا على اعتكافك عنا في هذا "الغار"، فهل هناك أكثر من هذا الحديث الذي حدثتني به الان؟ الحكيم : نعم ، أن أرشيفك الثري سينتج فلما وثائقيا يظل وثيقة أساسية في المنظمة فضلا عن تداوله الواسع بين الناس. وأنا كتبت تصوراتي وآرائي عن هؤلاء الناس وطراز حياتهم، وحبهم وصمودهم وملحمتهم في كتابين واقعيين سأجد فرصة أن نتمكن من طبع أحدهما ليكون جاهزا للتوزيع في المهرجان والآخر يطبع لاحقا.. رواء : بأيهما تبدأ الطباعة؟ الحكيم : بـكتاب (الصمود، ونفي الوحشية عن سنجار) ، كتاب يتناول دوافع الغزو، أنماط المجزرة، الاستيعاب، الصعود، ثم الرد.. أما الثاني: هو (ملحمة الإنسان في عزلته) كتاب يتناول التاريخ و الاجتماع، والدين والميثولوجيا. رواء: كم أصبحت متشوقة لقراءة الكتابين؟ الحكيم: نقرأهما معا في بغداد.. سار كل شيء في إعداد المهرجان، كما خططت له إدارة المنظمة، فتحلى الجميع بصبر وحرص عاليين وتحمل للمشاق والمهام، ليخرج المهرجان بحلة قشيبة أبهى من نسخته الأولى.. المدير شمدين تحلى بدرجة عالية من التفاؤل فأسر إلى رواء اثناء حديث جرى بينهما عن المهرجان عشية انعقاده قائلا: - اطمئني يا دكتورة سننجح ، وتكون أختك مهاباد حديثا عالميا.. رواء : هكذا ترى.. ؟ شمدين :على الأغلب. في طلائع الصباح بدأت وفود القرى تصل تباعا. انتشرت فرق الإدارة المعينة لاستقبال الضيوف وتقديم الخدمات،وتخفبف العناء تؤدي واجباتها.. حتى امتلأ ميدان المهرجان عن آخره. وكان الحضور الرسمي والديني والإعلامي مهيبًا حافلًا بالمفاجآت، حضرت وفودٌ رسمية متنوعة من حكومتي بغداد وكردستان، ومن نينوى ودهوك، وممثلية الأمم المتحدة واليونيسيف، ومنظمات حقوق الإنسان، كما حضر رؤساء أجهزة الشرطة والأمن الوطني ونقابة المحامين. وحضر في الجانب الديني والاجتماعي رجال دين مسلمون، وممثلية كنائس المسيحيين في العراق ، وممثلون عن العلويين والشبك، وشيوخ عشائر عربية كبيرة، ومنظمات حقوقية عالمية ومنظمات من بغداد وإقليم كردستان ونينوى. سار الإخوة السبعة خلف القيادي رشو شنگالي إلى منصة المهرجان، و تصاعد في فضاء المهرجان صوت مرتقب من قلوب الحاضرين المتلهفة، هو صوت مهاباد يصدح عاليا : (أوي نرگس نرگس نرگس نرگس زينه ر جوانا) . وتقدم عريفا الحفل، ( الجميلة زاري والوسيم ميرزو) بصمت ملائكي، وصعدا المنصة صامتين إلى أن انتهت الأغنية .. بدأت زاري الترحيب اللائق بالحضور الرسمي والشعبي و تنحّت جانبًا، و تولى ميرزو التقديم، فقال: باسم مهاباد صورة الجمال المختطف غدرا من قرية النور وقرى سنجار جميعا، نعلن اللحظة عن بدء سنجار جديدة منيعة، لم تعد غارقة في طيبتها ليمر عتاة الليل فوق جبينها، ويسحقوا بحقد على جمال الحياة... يتقدم الآن فضيلة بابا شيخ الإيزيديين ومرجعهم الروحي في معبد لالش لافتتاح المهرجان بكلماته النورانية.. سار إيقاع الكلمات الرسمية والدينية بالتعاقب بحسب جول أعدته لجنة المهرجان ،دون حساسية تذكر.. واخذت القنوات الفضائية تتسابق في عقد المقابلات مع هذا الجمع المتنوع من الشخصيات المهمة، وكان حضور مميز للقنوات الفضائية العراقية والعربية والكردية ووكالات الأنباء . ويصدح صوت مهاباد عند كل فراغ بين المتكلمين. كان الحكيم أكثر شخصية توجهت إليها وسائل الإعلام، فأخبرهم بأنه سيعقد مؤتمرًا صحفيًا في ختام فعاليات المهرجان. فاصبحوا جميعا على استعداد لهذه اللحظة.. أوعز المدير شمدين إلى فرق العمل بتوزيع كتاب الحكيم: (الصمود، ونفي الوحشية في سنجار)، شد عنوان الكتاب انتباه كل من قرأه، واستلم نسخته منه، بل وتفجرت في دواخلهم رغبة عارمة لقراءة هذا السفر. بخطوات واثقة قطعت ذاكرة المهرجان ببهائها ، متوجهة نحو المنصة مسيرةٌ زاهية لعشرين زوجًا من العرسان.. وقفوا في صف طويل ، وجوههم إلى الجمهور، ينحنون بالتحية للحاضرين ، نهض الجميع إكراما لهذا الطيف الساحر من الأزواج، ما من أحد من الشخصيات المهمة إلا وأبدى تفاعله بالتصفيق والهتاف.. يعلو صوت زاري مجددا يشد الانتباه إلى المنصة: - الآن تتفضل الدكتورة رواء من قيادة منظمة النور لتقديم فعاليتها . كان ترحيب الحضور بهذه المرأة استثنائيا، فمنذ الوهلة الولى لتأسيس المنظمة ربطت هؤلاء الناس بعقد من نور حول قلبها، ارتقت المنصة مرتدية ثيابا بيضاء من رأسها إلى قدميها، فانحنت على المنصة إلى أن هدأ التصفيق.. قالت: بسم الله الرحمن الرحيم : الحمد لله رب العالمين ، الرحمن الرحيم ، مالك يوم الدين.. وأتمت قراءة سورة الفاتحة.. شخصت العيون إليها بصمت مطبق، وسؤال ملح يحفر في قلوب الضيوف: من تكون هذه المرأة المسلمة؟ ثم ارتفع صوتها : ونحن هنا على هذه الأرض المثخنة بالفجيعة، بدأ مشوارنا في منظمة النور وكنا قلة تتخطفنا الاقدار، على عدد اصابع اليد الواحدة، خمسة لا غير ( أنا وزوجي الحكيم من بغداد، تركنا خلفنا بيت لولدين يكملان دراستهما لوحدهما وبرعاية أمي واختي، و ثلاثة اصدقاء من هذه الأرض ممن طالتهم المأساة من قرية النور، شمدين وجيان وصالح) . عند كل فجر جديد تأتينا قوافل الطيور المهاجرة تحوم حولنا تحط على سقف مكتبنا وتملأ الفناء حوله، ولم تنقطع عن المجيء كل عام.. كان الحكيم معلمًا حقيقيًا، قاد قلوبنا، وعقولنا بصبر وشجاعة ووعي فصار الخمسة خمسين ، وتضاعفت أعمالنا بالصدق والحب والوفاء.. الآن أعرض لكم الفيلم الوثائقي وهو تجارب حية عن عملنا بموازاة الغزو والدمار وكيف جسدنا عنوان كتاب الحكيم الذي بين أيديكم الآن: (الصمود، ونفي الوحشية في سنجار) ، الفيلم يدور عن تجارب حية قمت بتصويرها والتعليق عليها أولًا بأول ، الفيلم توثيق لتجربتنا منذ التداعيات الأولى للإجتياح الهمجي، كنا على هذه الأرض من مطلع 2015 وحتى اليوم. اترككم الآن لمتابعة الفيلم الوثائقي : بدأ العرض على شاشة معدة بشكل يسمح للحضور برؤية طبيعية في فضاء مكشوف.. ظلت رواء واقفة إلى يمين الشاشة تتابع العرض.. الصمت مطبق وصوت الفيلم وحده مهيمنا في الفضاء ، تتقاطع معه بعض أصوات نشيج وبكاء هنا وهناك. في نهاية الفيلم شوهد أن الغالبية يمسحون عن عيونهم آثار دموع. تحركت رواء نحو الحكيم لكنها تفاجأت بتسعة ازواح يقتربون من المنصة وهم يحيونها ، اقتربت نحوهم مندهشة، نظرت في الوجوه كأنها تعرفهم قبل اليوم ، قالت الأولى: نحن عرسان مهرجان مهاباد الأول وقد انجبنا وحملنا مواليدنا لنشارككم المهرجان. صاحت رواء: يا الله ما هذه الروعة.. ؟ انتبه الصف الأول من الحاضرين إلى صوتها.. وطلبت منهم أن يصعدوا إلى المنصة .. ونادت عريفي الحفل (زاري، ميرزو) : هؤلاء،الأنجازالأعظم لنا .. يحملون مواليدهم من مهرجان مهاباد الأول.. هيا قدموهم إلى الجمهور والإعلام.. لما أعلنت زاري حقيقة الأمر، حدثت زوبعة حقيقية من الدهشة ، تأسر بواقعيتها كل لبّ .لقد تجسد الانتصار الحقيقي للحياة . كاد الإعلام ينبهر حقا بهذا الحدث المذهل، والذي ما كاد يستفيق من وقع هذا الحدث حتى أعلن ميرزو بدء المؤتمر الصحفي للقائد الحكيم. ارتقى المنصة بكبرياء الحكماء، وأعطى الحضور فرصة للاستماع إلى ردوده عن الأسئلة. أجاب عنها بإجابات عميقة، غير مألوفة. فهي نصوص تؤسس لنهج حياة جدية. ثم ختم حديثه: بعد مرور ستة أعوام من العمل مع مجموعة مميزة من الوطنيين، أستطيع القول إن الإنسان قادر على الانتصار على الهزيمة. وأدركت منذ البداية أن حوليّ رجالًا عرفوا الطريق إليه؛ شمدين ومن معه. أصارحكم بالقول: فأنا الآن أعلن انتقالي، أنا ورفيقتي الغالية رواء، إلى موقع آخر من الحياة. وقلبي مطمئن على أن الامانة بأيد أمينة. وداعًا لكم أيها الطيبون. سأكون حريصًا على سماع أخباركم، وأنتم تستعيدون الكرامة والحرية. ونزل عن المنصة. كان انفعال الجمهور في لحظة الوداع، وتدافعهم للوصول إليه، يمنحان انطباعًا خياليًا عنه؛ كأنه مجرد وهم مرَّ بهم في لحظات من القلق.
#كامل_الدلفي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
قرار الإقصاء والاحتواء في تجربة الدكتور أحمد الجلبي
-
مقالب الشيخوخة-قصة قصيرة
-
سألوا الديك مرة عن البيضة، فقال: أنا المفتاح.
-
الوحدة الوطنية مصدر القوة للأمة والدولة العراقية
-
عقيدة الهدم الأمريكية في العراق: من خطايا (بريمر) إلى قذائف
...
-
وعي الحداثة تنقشه التجربة لا القراءة وحدها
-
انطباعات واقعية عن زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى واشنطن عام
...
-
لامين يامال.. حين تعود الهجرة من المغرب إلى التاريخ في هيئة
...
-
الحكمة الشعبية العميقة في تناول موضوع الفساد و الحرامية.
-
من يصنع الفاسد؟
-
من أمن العقوبة ساء الأدب: زيد تحسين يكرر الخطأ ويكشف العلة ا
...
-
منتخبنا الوطني في تحدٍّ وليس لقمةً سائغةً لأبناء الغال.
-
تشجيع المنتخب الوطني واجب وطني أصيل.
-
الغدير: مفتاح للتغيير العصري للأمة العراقية والعربية والإسلا
...
-
ديالكتيك الأمة المدنية العراقية
-
العراقُ أمانةُ الإمام علي بن أبي طالب عند أهله
-
من الحلم إلى الانكسار، أشجان مُدارة مع الراحل الدكتور أحمد ا
...
-
الوحدة العربية بين القمع السياسي والعجز البنيوي: لماذا تعذّر
...
-
مسار النجاة للدولة العراقية في الظرف الراهن
-
رؤية معاصرة في مرجعية الإمام علي للمدنية والحضارة العراقية
المزيد.....
-
الممثل السابق للهند في بريكس: المجموعة قادرة على توحيد الموا
...
-
المؤثرة اللبنانية -يومي- تستقبل مولودها الأول وتكشف عن اسمه
...
-
فرقة مصرية تثير الجدل في العراق بصورة لصدام حسين وأوباما
-
مصر تحظر أنشطة المدارس المتعارضة مع ثقافتها.. وتشدد على دراس
...
-
-مادة دسمة للبكاء-.. قصص تفتّش عن الإنسان تحت ركام الحرب
-
فيلم -نازا- يفجّر غضب مسؤولين وشخصيات إسرائيلية
-
طارق الشناوي يكشف لـRT حقيقة تصريحاته عن محمود عبد المغني
-
وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يفتتح أعمال ال
...
-
أفلام فلسطينية نالت جوائز عالمية كبرى
-
للرجال والنساء بتعاون فرنسي.. محمد رمضان يدخل سوق العطور الع
...
المزيد.....
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
-
وعي ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
المزيد.....
|