كامل الدلفي
الحوار المتمدن-العدد: 8753 - 2026 / 7 / 1 - 11:50
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في المفارق الكبرى، مثل ما لمسنا أخيرا في "صولة الفجر" على الفاسدين، تتبدى مفارقة لافتة، إذ تبدو ردود أفعال كثير من الكتّاب والمثقفين متأخرة، ومتباينة، وأحيانًا خاضعة للانحيازات السياسية أو الأيديولوجية، فلا تقدم قراءة متماسكة للحدث. في المقابل، يظهر الوعي الشعبي أكثر رسوخًا واتساقًا، لأنه لم يتشكل من رد فعل آني، بل من خبرة تاريخية طويلة مع ظاهرة الفساد وآثارها.
لذلك جاءت الأمثال والحِكم الشعبية بمثابة خلاصة معرفية كثيفة، اختزلت تجارب أجيال كاملة، ومن أشهرها المثل العراقي: "ودّع البزون شحمه"، الذي يعبر عن اليقين بضياع الأمانة إذا وقعت في يد من لا يؤتمن عليها. وهذا المثل، وغيره من الأمثال، لا يصف حادثة بعينها، بل يكشف قانونًا اجتماعيًا تشكل عبر تراكم التجربة، ولذلك كثيرًا ما يكون أقرب إلى تفسير الواقع من الخطابات النخبوية المتقلبة.
وتتأكد هذه الرؤية في مجموعة واسعة من الأمثال الشعبية العراقية التي عالجت ظاهرة الفساد واستغلال السلطة قبل أن تتحول إلى موضوع للدراسات السياسية والاجتماعية، ومنها:
• ودّع البزون شحمه.
• حاميها حراميها.
• الياكله العنز يطلعه الدبّاغ.
• السمچة خايسة من راسها.
• المال السايب يعلّم الناس على الحرمنه.
• ناس تاكل دجاج وناس تتلگه العجاج.
• لو غاب القط العب يا فار.
هذه الأمثال ليست مجرد تعبيرات ساخرة، وإنما هي سجل معرفي راكمه المجتمع عبر قرون من الاحتكاك بالسلطة والمال والنفوذ، حتى أصبحت بمنزلة قوانين اجتماعية مختصرة، تُفسّر السلوك الإنساني وتكشف آليات الفساد بأبلغ مما تفعله كثير من الكتابات النظرية.
ولا يمكن في هذا السياق إغفال الصورة الشعرية البليغة التي صاغها شاعر الشعب الراحل كاظم إسماعيل الگاطع، حين لخّص انقلاب القيم في مجتمع يهيمن عليه الفساد بقوله:
حرامي يحلف المبيوگ
والمبيوگ يتعذر من الباگه
ففي هذين الشطرين تتجسد مأساة المجتمع حين يصبح السارق في موقع القوة، بينما يُدفع الضحية إلى الاعتذار، وهو تصوير شعري مكثف يكشف اختلال منظومة العدالة والقيم، ويؤكد أن الوعي الشعبي، بأمثاله وشعره، كان سابقًا في تشخيص الفساد ووصف آلياته، قبل أن تتناوله النخب بالتحليل والتنظير.
#كامل_الدلفي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟