أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كامل الدلفي - ديالكتيك الأمة المدنية العراقية














المزيد.....

ديالكتيك الأمة المدنية العراقية


كامل الدلفي

الحوار المتمدن-العدد: 8705 - 2026 / 5 / 14 - 20:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تمهيد:
تأسست المدنيةَ في التاريخِ الإنسانيِّ،
أولَ ما تأسستْ في بلادِ الرافدين، تلك البيئةُ الخصيبةُ التي جعلتْ من أرضِها مقصدًا للأقوامِ القادمةِ من الصحارى والجبال، فتحولتْ عبرَ قرونٍ طويلةٍ إلى بوتقةٍ للانصهارِ التدريجي، تشكلتْ فيها أجناسٌ مترابطةٌ بوسائطَ حضاريةٍ وثقافيةٍ متداخلة. وقد تعاملَ الإنسانُ الرافدينيُّ مع الطبيعةِ بعقلانيةٍ مبكرة، فأنجبَ مستوياتٍ عاليةً من التحضر.. (1)
تجلتْ موجات الحضارة العراقية في نموذجِ السومريين الذين ابتكروا الكتابةَ، وأسسوا الدولةَ، ووضعوا منظوماتِ الريِّ والإدارة، وفتحوا البابَ أمامَ صنوفٍ واسعةٍ من الإبداع الإنساني.
ثم تصاعدَ هذا الإنجازُ الحضاريُّ في بابلَ وآشور، حتى بلغَ ذروتَه في توحيدِ البلادِ ضمنَ إمبراطوريةٍ مركزيةٍ على يدِ سرجون الأكدي. وكانت المدنُ، وأنماطُ العمران، ووسائلُ الثقافة، والتشريعات، والأديان، قد ترسختْ قبلَ ظهورِ الدياناتِ التوحيدية، ثم ما لبثَ العراقُ أن غدا موطنًا رحبًا للديانات التوحيدية الكبرى، وأسهمت البيئة العراقية في إنتاج قراءات عقلية وكلامية وفلسفية للإسلام. ذات دور فعال في بناءِ حضارةٍ عربيةٍ إسلاميةٍ امتدَّ إشعاعُها لأكثرَ من خمسةِ قرون.
لقد تحولَ العراقُ، بحكمِ موقعِه وثروتِه وتاريخِه، إلى هدفٍ دائمٍ للنشاطاتِ الإمبراطوريةِ وصراعاتِ السلطة، لكنه ظلَّ في الوقتِ نفسه مصدرًا هائلًا للأصولِ الاجتماعيةِ والثقافية، ومركزًا لتوليدِ الموجاتِ الحضاريةِ المتعاقبة. ففي هذه الأرضِ تفاعلَ مجتمعٌ إنسانيٌّ مركب، متعددُ الطبقاتِ والأديانِ والثقافات، واستطاعَ عبرَ هذا الثراءِ المتنوعِ أن يُنجزَ حياةً مدنيةً رفيعة، ظلَّتْ واحدةً من أبرزِ الشواهدِ على قدرةِ الإنسانِ العراقيِّ على إنتاجِ الحضارةِ وتجديدِها عبرَ التاريخ .
(2)
إنَّ الهويةَ العراقية ليست نقيضًا للهويات الفرعية، بل هي الإطارُ الحضاريُّ الذي أعاد تشكيلَ هذه الهويات عبر التاريخ. فكلُّ جماعةٍ استقرتْ في العراق، مهما كان أصلُها العرقيُّ أو الدينيُّ أو اللغوي، دخلتْ في عمليةِ تفاعلٍ طويلةٍ مع البيئةِ العراقيةِ وأنماطِ العيشِ فيها، حتى اكتسبتْ خصائصَ محليةً مميزةً جعلتها تختلفُ عن نظائرِها خارجَ العراق. فعربُ العراق ليسوا امتدادًا مطابقًا لعربِ الجزيرةِ أو الشامِ أو الخليج، بل تشكلوا داخلَ بيئةٍ مدنيةٍ وزراعيةٍ ونهريةٍ عريقة، انعكستْ على لغتِهم، وعاداتِهم، وبنيتِهم الاجتماعية، وطرائقِ تفكيرِهم. وكذلك الأكرادُ العراقيون، الذين صاغَ وجودُهم الطويلُ داخلَ المجالِ العراقيِّ شخصيةً مختلفةً عن أكرادِ تركيا أو إيران أو سوريا، ضمنَ سياقٍ تاريخيٍّ وثقافيٍّ مشترك. وينطبقُ الأمرُ نفسه على الجماعاتِ الدينية؛ فالمسيحيُّ العراقي، أو اليهوديُّ العراقي، أو الصابئيُّ العراقي، أو المسلمُ العراقي، لم يكن مجردَ نسخةٍ من أبناءِ دينِه في أماكنَ أخرى، بل أصبحَ جزءًا من التكوينِ الحضاريِّ العراقي، يحملُ سماتِه الثقافيةَ والاجتماعيةَ والوجدانية. وبذلك فإنَّ العراق لم يكن فضاءً لتجاور الهويات، بل معملًا تاريخيًا لإعادةِ إنتاجها ضمنَ نسقٍ حضاريٍّ أعلى. ومن هنا تصبحُ الهوياتُ الفرعيةُ مكوناتٍ داخلَ هويةٍ وطنيةٍ أم، لا كياناتٍ متصارعةً خارجَها. إنَّ الأمةَ المدنيةَ العراقيةَ لا تقومُ على إلغاءِ التنوع، بل على تحويلِ التنوعِ إلى وحدةٍ حضارية. فالتعددُ في العراق ليس دليلَ انقسام، بل دليلُ غنىً تاريخيٍّ شاركتْ جميعُ مكوناتِه في صناعةِ الشخصيةِ العراقيةِ الجامعة. ولهذا فإنَّ الاعتزازَ بالعروبةِ العراقية، أو الكرديةِ العراقية، أو التركمانيةِ العراقية، أو المسيحيةِ العراقية، لا يتناقضُ مع الهويةِ الوطنية، بل يتكاملُ معها، لأنَّ الجميعَ أسهموا في بناءِ المجالِ الحضاريِّ المشترك الذي يُسمى العراق.



#كامل_الدلفي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العراقُ أمانةُ الإمام علي بن أبي طالب عند أهله
- من الحلم إلى الانكسار، أشجان مُدارة مع الراحل الدكتور أحمد ا ...
- الوحدة العربية بين القمع السياسي والعجز البنيوي: لماذا تعذّر ...
- مسار النجاة للدولة العراقية في الظرف الراهن
- رؤية معاصرة في مرجعية الإمام علي للمدنية والحضارة العراقية
- التشيّع المعاصر والقلق الدولي في ثنائية (الهيمنة – الاستقلال ...
- قسد- كنموذج للوهم الإمبريالي، المتغطي بأمريكا عريان.
- متحف العزل - قصيدة نثر
- فنزويلا تفضح الرواية الإمبريالية بعد يوم واحد من اختطاف الرئ ...
- كأس العرب: بيئة رياضية مُسيَّسة وبطولة بلا حياد
- الاقتصاد الحر في العراق: بين كذبة الحد من سلطة الدولة وواقع ...
- بأن قصة قصيرة جدا
- معركة البرلمان العراقي محاولة يائسة لإعادة إنتاج الطائفية
- الكويت: من الحماية البريطانية إلى ابتلاع خور عبد الله – دور ...
- أن الصمود ممكن، وليس من كبيرَ على الأرض سوى الله سبحانه...حد ...
- من صفّين إلى كربلاء: جدلية الدهاء الأموي ومأساة الانقلاب على ...
- موجة الخطاب اللاوطني الصاعدة في العراق: خطر يفوق موجة الخطاب ...
- على درب عاشوراء: من الحسين إلى العراق: قراءة في انحراف السلط ...
- على ضفاف الحرب: تحولات الجيوبوليتيك الدولي وفرص التحرر في ال ...
- برامج الهيمنة في الشرق الأوسط: من الاستعمار الكلاسيكي إلى ال ...


المزيد.....




- شي جين بينغ يحذر ترامب بشأن تايوان واصفًا إياها بالقضية الأه ...
- ترامب يكشف عن -التزام- من الرئيس الصيني بشأن شراء 200 طائرة ...
- تونس: كيف تقيمون وضع الحقوق والحريات؟
- مع تفاقم النزوح ونقص الإمكانيات وانتشار الفوارض .. هل يطرق ف ...
- على غرار اتفاقية هلسنكي.. السعودية تطرح فكرة ميثاق -عدم اعتد ...
- استخدام الكلاب في الاعتداءات الجنسية داخل السجون الإسرائيلية ...
- مؤتمر حركة فتح: عباس يتعهد بمواصلة إصلاح السلطة الفلسطينية و ...
- تفشي هانتا.. أوروبا تتأهب وبريطانيا تراقب الركاب يوميا
- نيبال في مأزق جيوسياسي مع التنافس الأمريكي الصيني بإيفرست
- -التسلح ليس دفاعا-.. البابا يتصدى لـ-عقيدة ترمب- في أوروبا


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كامل الدلفي - ديالكتيك الأمة المدنية العراقية