أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - كامل الدلفي - لامين يامال.. حين تعود الهجرة من المغرب إلى التاريخ في هيئة موهبة














المزيد.....

لامين يامال.. حين تعود الهجرة من المغرب إلى التاريخ في هيئة موهبة


كامل الدلفي

الحوار المتمدن-العدد: 8772 - 2026 / 7 / 20 - 16:21
المحور: قضايا ثقافية
    


ليست كرة القدم، في جوهرها العميق، مجرد لعبة تُطارد فيها الأقدام كرة من الجلد فوق عشب أخضر. إنها في كثير من الأحيان مرآة للعالم؛ تُظهر حركات الشعوب، وأحلام الفقراء، وتحولات المجتمعات، وتروي بصمت ما تعجز عنه كتب التاريخ أحيانًا. ولهذا فإن النظر إلى لامين يامال بوصفه لاعبًا موهوبًا فقط هو اختزال لقصة أكبر بكثير من المستطيل الأخضر.
ففي كل مرة يركض فيها ذلك الفتى النحيل على جناح الملعب، تبدو خلفه رحلة طويلة بدأت قبل أن يولد بسنوات. رحلة امرأة مغربية اسمها فاطمة النصراوي، حملت في مطلع تسعينيات القرن الماضي ما تحمله آلاف الأمهات المهاجرات من أحلام بسيطة وعظيمة في آن واحد: أن تمنح أبناءها فرصة أوسع للحياة.
غادرت وطنها متجهة إلى كتالونيا، ولم تكن تعرف أن تلك الخطوة التي بدت آنذاك شأنًا عائليًا صغيرًا ستصبح بعد عقود جزءًا من حكاية يتابعها مئات الملايين حول العالم. عملت بصمت، كما يفعل المهاجرون عادة، بعيدًا عن الأضواء، تبني يومًا بعد يوم مستقبلًا لم يكن قد وُلد بعد. وحين التحق بها أبناؤها لاحقًا، كانت قد وضعت الحجر الأول في قصة ستصل أصداؤها إلى أبعد من حدود إسبانيا والمغرب.
ومن بين أولئك الأبناء كان منير النصراوي، والد لامين يامال.
كبر منير بين ثقافتين، كما يكبر أبناء الهجرة غالبًا؛ يحملون في ذاكرتهم حكايات الآباء والأجداد، وفي واقعهم لغةً ومجتمعًا جديدين. ثم جاءت شيلا إيبانا، ذات الأصول الغينية الاستوائية، لتضيف خيطًا آخر إلى نسيج العائلة. ومن هذا التلاقي الإنساني والثقافي وُلد لامين يامال في صيف عام 2007.
لم يكن في ولادته ما يميزه عن ملايين الأطفال الذين يولدون كل عام. لم تكن الصحف تكتب عنه، ولم تكن الجماهير تحفظ اسمه. كان طفلًا عاديًا في الظاهر، لكن التاريخ كثيرًا ما يبدأ في هيئة عادية لا تلفت الانتباه.
حتى اسمه يبدو أقرب إلى حكاية منه إلى مجرد تعريف شخصي. فالروايات المتداولة تقول إن "لامين" و"يامال" كانا اسمي شخصين قدّما يد العون للعائلة في زمن الحاجة، فاختار والداه أن يخلدا ذلك الجميل في اسم ابنهما. وكأن الحياة أرادت منذ البداية أن تضع فوق كتفيه معنى الامتنان قبل أن تضع فوقهما عبء الشهرة.
وفي أكاديمية "لا ماسيا"، تلك المؤسسة التي تحولت مع الزمن إلى ما يشبه مصنعًا للعبقرية الكروية، بدأت الموهبة تكشف عن نفسها. هناك، بين مئات الفتيان الذين يحلمون بالمجد، ظهر فتى يمتلك شيئًا لا تمنحه الأكاديميات ولا تشتريه الأموال: الموهبة الخام.
كان يرى المساحات قبل أن تتشكل، ويقرأ المباراة قبل أن تكتب أحداثها، ويتعامل مع الكرة كما لو كانت امتدادًا طبيعيًا لجسده. ولم يطل الوقت حتى أصبح واضحًا أن برشلونة لا يملك مجرد لاعب واعد، بل يملك مشروع نجم استثنائي.
وحين خرج إلى العالم، خرج دفعة واحدة.
لم يمر بسنوات طويلة من الانتظار أو التدرج البطيء. دخل المشهد الكبير كما تدخل بعض الشخصيات التاريخية إلى صفحات الكتب؛ فجأة، وبقوة تجعل الجميع يعيدون النظر في توقعاتهم السابقة. وفي زمن أصبحت فيه الموهبة وحدها غير كافية، جمع لامين بين الموهبة والانضباط والجرأة والثقة بالنفس.
ثم جاءت المنتخبات الوطنية لتضيف بعدًا آخر إلى الحكاية. ففي كل بطولة كان اسمه يزداد لمعانًا، وفي كل مباراة كان يؤكد أن ما يقدمه ليس مصادفة عابرة. حتى أصبح واحدًا من أبرز رموز الجيل الجديد في كرة القدم العالمية.
وحين تُوِّج منتخب إسبانيا بكأس العالم عام 2026، لم يكن ذلك مجرد انتصار رياضي. كان بالنسبة لكثيرين مشهدًا رمزيًا يحمل دلالات أوسع من النتيجة نفسها. فها هو حفيد مهاجرة مغربية يقف على قمة العالم الرياضي، في لحظة تختصر عقودًا من الكفاح والعمل والأمل.
إن قصة لامين يامال تذكرنا بأن الهجرة ليست أرقامًا في تقارير رسمية، ولا أخبارًا عابرة في نشرات المساء. إنها طاقات بشرية وأحلام مؤجلة ومسارات جديدة للتاريخ. وما يبدو اليوم نجمًا يرفع كأسًا ذهبية قد يكون في جوهره ثمرة قرار شجاع اتخذته امرأة قبل عقود وهي تبحث لأبنائها عن فرصة أفضل.
ولهذا فإن لامين يامال ليس مجرد لاعب كرة قدم كبير، مهما عظمت موهبته وتكاثرت ألقابه. إنه شهادة حية على قدرة الإنسان على تجاوز الحدود والجغرافيا والظروف. وهو تذكير دائم بأن الأحلام التي تبدأ في صمت البيوت المتواضعة قد تنتهي يومًا تحت أضواء العالم كله.
هكذا تُكتب بعض القصص الكبرى: لا تبدأ في القصور ولا في مراكز النفوذ، بل في حقائب السفر الصغيرة، وعلى أرصفة الغربة، وفي قلوب أناس آمنوا بأن المستقبل يستحق المغامرة. ومن تلك المغامرة وُلدت حكاية لامين يامال؛ حكاية فتى أصبح نجمًا، وأصبح معه جزء من ذاكرة الهجرة صفحة مضيئة في كتاب المجد الإنساني.



#كامل_الدلفي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحكمة الشعبية العميقة في تناول موضوع الفساد و الحرامية.
- من يصنع الفاسد؟
- من أمن العقوبة ساء الأدب: زيد تحسين يكرر الخطأ ويكشف العلة ا ...
- منتخبنا الوطني في تحدٍّ وليس لقمةً سائغةً لأبناء الغال.
- تشجيع المنتخب الوطني واجب وطني أصيل.
- الغدير: مفتاح للتغيير العصري للأمة العراقية والعربية والإسلا ...
- ديالكتيك الأمة المدنية العراقية
- العراقُ أمانةُ الإمام علي بن أبي طالب عند أهله
- من الحلم إلى الانكسار، أشجان مُدارة مع الراحل الدكتور أحمد ا ...
- الوحدة العربية بين القمع السياسي والعجز البنيوي: لماذا تعذّر ...
- مسار النجاة للدولة العراقية في الظرف الراهن
- رؤية معاصرة في مرجعية الإمام علي للمدنية والحضارة العراقية
- التشيّع المعاصر والقلق الدولي في ثنائية (الهيمنة – الاستقلال ...
- قسد- كنموذج للوهم الإمبريالي، المتغطي بأمريكا عريان.
- متحف العزل - قصيدة نثر
- فنزويلا تفضح الرواية الإمبريالية بعد يوم واحد من اختطاف الرئ ...
- كأس العرب: بيئة رياضية مُسيَّسة وبطولة بلا حياد
- الاقتصاد الحر في العراق: بين كذبة الحد من سلطة الدولة وواقع ...
- بأن قصة قصيرة جدا
- معركة البرلمان العراقي محاولة يائسة لإعادة إنتاج الطائفية


المزيد.....




- -الجيش الأمريكي يُبطئ في الكشف عن إصابات قواته خلال حرب إيرا ...
- السفير الروسي في لندن: تدريبات -تحالف الراغبين- في بولندا عم ...
- روسيا وأوكرانيا تستعدان لتبادل جديد للأسرى في المستقبل القري ...
- الحرس الثوري الإيراني يعلن احتراق ناقلتي نفط بعد محاولة عبور ...
- -ترامب يشعر بالخيانة-.. هل تحولت حرب إيران إلى أزمة ثقة بين ...
- وفاة مغربي أثناء توقيفه تشعل جدلا في إيطاليا والمعارضة تطالب ...
- الولايات المتحدة تهاجم مدناً إيرانية، وطهران تقول إنها تخوض ...
- الجيش الإيراني: استهدفنا بالصواريخ منظومات -هيمارس- في قاعدة ...
- في مواجهة مبادرة واشنطن … المجلس العسكري لثوار مصراتة يعلن ع ...
- لقطات تظهر شجارا عنيفا داخل مطعم شهير في كاليفورنيا (فيديو) ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - كامل الدلفي - لامين يامال.. حين تعود الهجرة من المغرب إلى التاريخ في هيئة موهبة