أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كامل الدلفي - الممكن والمحتمل قصة قصيرة














المزيد.....

الممكن والمحتمل قصة قصيرة


كامل الدلفي

الحوار المتمدن-العدد: 8853 - 2026 / 10 / 9 - 16:18
المحور: الادب والفن
    


كان نقاشًا غريبًا، بدأه أستاذ علوم الأحياء في الدرس الأول من جدول دروس يوم السبت الموافق الأول من كانون الأول، حين خيّم البرد بقساوة، فجعلنا مصطفّين في غرفة الصف كقطع لحم في برّاد.
كنا في أوان مراجعة الدروس استعدادًا لامتحانات نصف السنة، وكنا نأمل أن يشرح لنا الأستاذ قوانين الوراثة لمندل؛ إذ لم نتلقَّ في ذلك الموضوع سوى حصة واحدة من الشرح، لم تكن كافية لاستيعابه. وكان شعورنا الجماعي أن يخصص الأستاذ وقت الدرس لمراجعة ذلك
الموضوع. ألقى التحية علينا كعادته، فرفع نظارته عن عينيه، وأغمضهما لحظةً باحترام مألوف منه.
لكنه لم يفتح حقيبته الجلدية ذات اللون القهوائي، كما يفعل دائمًا، ليتناول منها
كتاب الأحياء الخاص به، ويردد عبارته المأثورة: "كنا قد وصلنا في الدرس السابق إلى خاتمة درس (س)، ونحن الآن على بوابة درس (ص)، فلنستأذن منه وندخل إلى التفاصيل".
لكنه لم يبدأ اليوم بهذه الجملة الأثيرة، بل ظل صامتًا ينظر بعيدًا، وأحطنا صمته بصمت يعادله، وقد يزيد عليه. ثم دلف نحو الباب فأغلقه بهدوء، وأدار وجهه مبتسمًا على غير المتوقع، وأردف: "كل واحد منكم كانت له رغبة في تخصيص وقت هذه الحصة لنشرح فيها قوانين الوراثة، حسب ظنكم بأن سؤالًا سيأتي عن هذه المادة في الامتحان".
تنهد التلاميذ بعمق، وأبدوا حركات تساير كلامه. فقال: " كيف أطلب منكم شيئًا مستحيلًا؟".
نظرنا باستغراب إلى بعضنا، ولم ندرك ما الذي يعنيه بكلمة "مستحيل". لكنه لم يترك لنا فرصة لتتبّع الحديث، وانتقل إلى موضوع آخر: "الخيال أهم من التلقين والحفظ. وتتفاوت ملكة الخيال من شخص إلى آخر، وهي في العادة ملكة
غير مفعّلة. أتحدث اليوم عن كيفية إزاحة الصدأ عن هذه الملكة القابعة في النسيان".
لم يشغل حديث الأستاذ أكثرية التلاميذ، إذ كانوا متشوقين، كعادتهم، إلى نهاية الدرس، بينما أظهر الباقون تفاعلًا مع الكلام الجديد. كان الأستاذ صارمًا في غلق نوافذ التشتت، ومضى إلى جملة باتّة: "من دون خيال، تجف العلوم ثم تموت".
تحدث ثلاثين دقيقة، كانت ثقيلة في ميزان التعلّم، لكنها سهلة الاستيعاب والفهم.
ولما خرج من الصف، لم نخرج خلفه بأسئلتنا اللجوجة كما كنا نفعل، ولم نهرع إلى الفرصة، بل بقينا في مواقعنا نتبادل نظرات العجب والإعجاب.
أدرك التلاميذ، لأول مرة، أنهم مهيؤون للبدء بنوع جديد من التفكير في الدروس، سواء أكانت ثقيلة أم خفيفة، وأن مواجهة معضلة في الطريق لم تعد تعني بالضرورة العجز عن تجاوزها.
قال تلميذ  بصوت عالٍ: "الآن عرفنا كيف نختصر الطريق إلى النجاح، ولم تعد قوانين مندل للوراثة مشكلتنا الأولى".
بينما رد عليه تلميذ آخر: "يجب أن نصل إلى ما هو المستحيل الذي قال به الأستاذ".
وبمرور الوقت، أمكن للمتتبع أن يلحظ أن خروج الطلبة من المدرسة في نهاية الدوام أخذ إيقاعًا مختلفًا، أكثر هدوءًا.



#كامل_الدلفي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مدارات الفوضى
- عشبة الذاكرة -قصة قصيرة
- قرار الإقصاء والاحتواء في تجربة الدكتور أحمد الجلبي
- مقالب الشيخوخة-قصة قصيرة
- سألوا الديك مرة عن البيضة، فقال: أنا المفتاح.
- الوحدة الوطنية مصدر القوة للأمة والدولة العراقية
- عقيدة الهدم الأمريكية في العراق: من خطايا (بريمر) إلى قذائف ...
- وعي الحداثة تنقشه التجربة لا القراءة وحدها
- انطباعات واقعية عن زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى واشنطن عام ...
- لامين يامال.. حين تعود الهجرة من المغرب إلى التاريخ في هيئة ...
- الحكمة الشعبية العميقة في تناول موضوع الفساد و الحرامية.
- من يصنع الفاسد؟
- من أمن العقوبة ساء الأدب: زيد تحسين يكرر الخطأ ويكشف العلة ا ...
- منتخبنا الوطني في تحدٍّ وليس لقمةً سائغةً لأبناء الغال.
- تشجيع المنتخب الوطني واجب وطني أصيل.
- الغدير: مفتاح للتغيير العصري للأمة العراقية والعربية والإسلا ...
- ديالكتيك الأمة المدنية العراقية
- العراقُ أمانةُ الإمام علي بن أبي طالب عند أهله
- من الحلم إلى الانكسار، أشجان مُدارة مع الراحل الدكتور أحمد ا ...
- الوحدة العربية بين القمع السياسي والعجز البنيوي: لماذا تعذّر ...


المزيد.....




- هواتف الطلاب توثق الاحتجاجات بفرنسا.. معركة الصور والروايات ...
- فرنسا: موسيقى الراي في بوبيني.. أربعون عاما من الذكريات والأ ...
- أدب الحرب وثقافة المقاومة – 7
- الموقد في الحكايات الشعبية الروسية.. من دفء البيت إلى عالم ا ...
- منع -فنان العام في إسرائيل- من زيارة الأهرامات المصرية
- لأول مرة في تاريخها.. السينما الروسية تكسر احتكار هوليوود وت ...
- في مئويته.. بيت المدى يحتفي بتجربة نجيب المانع الأدبية(صور) ...
- ديزني تروّج لنظام عرض سينمائي جديد لمنافسة -آيماكس-
- مهرجان الدوحة السينمائي يختار 15 فيلما للمسابقة الدولية بينه ...
- ليوبيموفا: -النموذج الموحّد- يعزّز التعاون بين المتاحف الروس ...


المزيد.....

- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كامل الدلفي - الممكن والمحتمل قصة قصيرة