ضيا اسكندر
كاتب
الحوار المتمدن-العدد: 8878 - 2026 / 11 / 3 - 09:18
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
هل تساءلت يوماً كيف يمكن لقلبٍ أُثخن بالجراح أن يستمر في النبض بحب جلاده؟ في ميزان العلاقات الإنسانية، كل صفعة تُقابل بالنفور، وكل جحود يُولد الجفاء، إلا في محكمة الأبوة والأمومة؛ هناك تسقط قوانين الأرض والمنطق. ترى الابن يقطع حبال الوصل، ويغرس في صدر والديه خناجر العقوق، فيردّان عليه بدموع الرجاء، ودعوات الهداية في جوف الليل. إنه لغز عاطفي محير، وسر إلهي عجيب، يربط قلب الأم والأب بأبنائهم برباط مقدّس لا تبتره قسوة، ولا يمزقه جحود.
إن هذا التعلق الأبدي ليس ضعفاً ولا قلة حيلة، بل فيضٌ من غريزة كُتبت بماء الروح. فالأم التي حملت طفلها وهناً على وهن، والأب الذي أفنى شبابه ليشتري له بسمة، لا يريان في هذا الشاب العاق رجلاً بالغاً قاسي الملامح، بل يريان عبر شريط الذكريات ذلك الرضيع الضعيف الذي كان يرتجف شوقاً لضمة من صدريهما. إنهم يعشقون «الامتداد»؛ يرون في الابن قطعاً من قلوبهم تمشي على الأرض، والإنسان لا يستطيع أن يكره قطعة من ذاته، حتى لو كانت سبباً في نزيفه.
وفي زوايا هذا الحب الملحمي، تسكن آلية دفاعية عجيبة صاغتها عاطفة الأمومة والأبوة، وتُسمى «الأمل العنيد». لا يمكن للأب أو الأم أن يصدّقا أن ثمرة فؤادهما قد أصبحت حنظلاً مرّاً؛ لذلك يلوذان بالإنكار، ويخترعان للابن العاق آلاف الأعذار: تارة يتهمون أصدقاء السوء، وتارة يلومون ضغوط الحياة، وأخرى يهربون إلى فكرة السحر والحسد. إنهم يصنعون من الوهم جسراً من الصبر، منتظرين على ضفته تلك اللحظة السحرية التي سيعود فيها الابن ليرتمي في أحضانهم باكياً معتذراً. هو حب غير مشروط، لا يطلب ثمناً ولا يرجو مقابلاً، بل يكتفي بأن يكون الوالدان هما الملاذ الأخير حتى لو كانا الضحية الأولى.
خاتمة القول، إن قلب الأم والأب أشبه بمحيط عميق من المغفرة، لا تكدّره قاذورات الجحود. إن تعلق الوالدين بأبنائهم رغم عقوقهم هو أسمى وأعقد تجليات الحب البشري؛ حب يمتزج فيه الوجع بالوفاء، والغريزة بالقداسة. ستبقى الأبوة دائماً تلك الشمعة التي تحترق لتضيء درب من يطفئها، وسيبقى قلب الوالدين الحصن المنيع الذي لا يسقط، والملجأ الدافئ الذي يفتح أبوابه دائماً للعائدين، مهما طال الغياب، ومهما عظمت الذنوب.
#ضيا_اسكندر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟