أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ضيا اسكندر - خمس سنوات غياب... ماذا وجدت في اللاذقية؟















المزيد.....

خمس سنوات غياب... ماذا وجدت في اللاذقية؟


ضيا اسكندر
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8829 - 2026 / 9 / 15 - 16:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


بعد خمس سنوات من الغياب القسري، عدتُ إلى اللاذقية محمّلاً بأسئلة كثيرة وانطباعات متراكمة. كنت أتساءل كيف تغيّرت المدينة خلال سنوات الغياب، وكيف تغيّر أهلها، وماذا تركت السنوات الماضية من أثر في سلوك المجتمع وتفاصيل حياته اليومية.
قبل العودة، كنت أخشى أن أجد مجتمعاً مختلفاً تماماً عما عرفته، لا سيما مع ما كنت أسمعه عن تشدد سلطة الأمر الواقع وممارساتها، والمخاوف من فرض نمط اجتماعي وديني أكثر محافظة.

ما رأيته في الشارع لم يكن مختلفاً كثيراً عما أتذكره قبل خمس سنوات. فالنساء ما زلن، في معظم الأماكن، يرتدين ملابسهن المعتادة، ولم ألحظ انتشاراً واسعاً للحجاب أو النقاب كما كنت أتوقع. كما أن المرأة العاملة ما زالت تمارس حياتها بصورة طبيعية، وتضع مساحيق التجميل، فيما يرتدي كثير من الشباب السراويل القصيرة.

حتى الشاطئ بدا قريباً مما عرفته؛ أجواؤه وحركته الاجتماعية لم تتغيرا بصورة لافتة. وما أثار انتباهي أكثر كان انتشار محال بيع المشروبات الكحولية، وبدا لي أن عددها ربما ازداد مقارنة بما كنت أذكره قبل الغياب.

في المقابل، كان الفقر أكثر حضوراً من أي وقت مضى. البطالة تبدو واسعة، والقدرة الشرائية تراجعت إلى مستويات مؤلمة، حتى بات من المألوف أن ترى خريجي الجامعات يعملون في مهن بعيدة تماماً عن اختصاصاتهم؛ فهذا يعمل بائعاً في متجر، وذاك يعمل صرّافاً، وآخر يقضي يومه في مقهى أو في عمل يدوي.
فالشهادة الجامعية، التي كانت تمنح صاحبها أملاً بمستقبل أفضل، أصبحت عاجزة عن ضمان فرصة عمل تليق بسنوات الدراسة والجهد المبذول.

كان هذا المشهد، بالنسبة إليّ، واحداً من أكثر وجوه التغيير إيلاماً: جيل درس طويلاً، وحمل شهاداته معه، ثم وجد نفسه مضطراً إلى العمل في أي مهنة تتيح له تأمين دخله، بصرف النظر عن تخصصه أو طموحاته.

ولفت انتباهي أيضاً الانتشار الكبير لألواح الطاقة الشمسية على أسطح الأبنية، في مشهد يعكس حجم أزمة الكهرباء التي عاشها الأهالي خلال السنوات الماضية. وباتت هذه الألواح خياراً شائعاً لتأمين الحد الأدنى من احتياجات المنازل، في ظل الانقطاعات الطويلة وارتفاع كلفة الكهرباء ومصادر الطاقة البديلة. غير أن تركيب منظومات الطاقة الشمسية يبقى، بسبب كلفتها المرتفعة، متاحاً بالدرجة الأولى للقادرين مادياً، فيما يعجز غالبية ذوي الدخل المحدود عن تحمّل تكاليفها.

ومن الملاحظات الإيجابية التي استوقفتني أيضاً نمو الأشجار واتساع ظلالها في شوارع المدينة؛ فقد بدا بعضها أكثر كثافة وامتداداً مما أذكره قبل خمس سنوات. وكانت الخضرة أكثر حضوراً في عدد من الشوارع، فيما لم تواكب الخدمات العامة هذا التحسن، وازداد التراجع وضوحاً في كثير من جوانب الحياة اليومية.

وكان من أكثر ما آلمني في هذه العودة أن أكتشف رحيل عدد من أقاربي وأصدقائي خلال سنوات غيابي. أسماء كنت أظن أنني سألتقي أصحابها عند عودتي، فإذا بي أسمع عن رحيلهم بعد فوات الأوان. أشخاص تركتهم أحياء في ذاكرتي، ثم عدت لأجد أن السنوات التي غبتها قد حملتهم معها.
وربما تعمّد أهلي ألا يخبروني بوفاتهم طوال سنوات الغربة، خشية أن يضيفوا إلى وحشة المنفى ووحدة الغياب ألماً آخر لم أكن بحاجة إليه. وربما لأن الموت نفسه، بعد كل ما مرّ به السوريون، لم يعد خبراً استثنائياً كما كان من قبل، وصار جزءاً ثقيلاً من الذاكرة اليومية؛ خبراً يتكرر حتى يفقد شيئاً من غرابته، من دون أن يفقد وجعه.
ومع ذلك، فإن اكتشاف هذا العدد من الراحلين دفعة واحدة جعلني أشعر بثقل السنوات الخمس التي غبتها عن مدينتي، وكأنني لم أعد إلى المكان نفسه الذي غادرته، وإنما إلى مدينة فقدت خلال غيابي جزءاً من ذاكرتها ووجوهها.

ومن الأمور التي لفتت انتباهي أيضاً أن مشاعر الخوف من مواجهة السلطة والتعبير بحرية عن الرأي ما تزال حاضرة بقوة، وربما بصورة أكبر مما توقعت. فعلى الرغم من أن المشهد تغير بعد سقوط النظام السابق، فإن ممارسات سلطة الأمر الواقع، وما رافقها من مجازر واعتقالات وإقصاء من الوظائف وتسريح أعداد كبيرة من العاملين في مؤسسات الدولة، أبقت لدى كثيرين شعوراً بأن هامش التعبير والاعتراض ما يزال ضيقاً. والخوف الذي عرفه السوريون في عهد الاستبداد السابق ما يزال حاضراً، مع تغير مصدره وأدواته.

كما لفتني، خلال وجودي في المحافظة، حضور عدد من المسؤولين الإداريين المنحدرين من محافظة إدلب في مؤسساتها، في تركيبة إدارية مختلفة عما عرفته سابقاً. وكانوا يظهرون بهيئة دينية واضحة، لا سيما من خلال إطلاق اللحى، في مظهر لم يكن مألوفاً بهذه الدرجة في مؤسسات الدولة.

وما أفرحني وأبهجني أيضاً أن كثيراً من قصور وفلل ومزارع آل الأسد وأشباههم قد جرى الاستيلاء عليها. وكانت فرحتي ستبلغ أوجها لو آلت تلك الأملاك إلى الدولة، وحُوّلت إلى مراكز ثقافية أو تدريبية، أو استُثمر بعضها كفنادق ومنتزهات ومرافق سياحية، يعود ريعها إلى خزينة الدولة ويستفيد منها عموم السوريين.

وفي الحياة الاجتماعية، كانت آثار السنوات الماضية واضحة أيضاً. تأخّر الزواج، وارتفاع تكاليف المعيشة، وضيق فرص العمل، كلها عوامل ألقت بثقلها على الشباب والعائلات، وعمّقت مشاعر الإحباط واليأس. وبينما يحاول الناس التكيّف مع ظروفهم الجديدة، تظل آثار الحرب والانقسام والفقر حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية، حتى في التفاصيل التي تبدو للوهلة الأولى عادية.

وفي النهاية، فإن الشعب السوري، الذي دفع ثمناً باهظاً وقدّم تضحيات هائلة طوال سنوات الحرب، لن يقبل طويلاً استمرار هذا الواقع وتفاقم معاناته على مختلف الصعد. السوريون يستحقون دولة ديمقراطية تحفظ كرامتهم وحرياتهم، وتوفر لهم الأمن والعمل والخدمات، وتقوم على المواطنة والمساواة وسيادة القانون.

إن استمرار التدهور الاقتصادي والاجتماعي، واتساع الفقر والبطالة، وتراجع مؤسسات الدولة، واستمرار الانقسام، يهدد مستقبل سوريا ويفتح الباب أمام تحولات عميقة يصعب التنبؤ بمآلاتها. وكلما طال هذا المسار، ازدادت صعوبة استعادة الاستقرار وترميم النسيج الاجتماعي وتعزيز الوحدة الوطنية. وسوريا اليوم بحاجة إلى دولة قوية بمؤسساتها، عادلة في تعاملها مع مواطنيها، وقادرة على توفير حياة كريمة وآمنة لجميع أبنائها.



#ضيا_اسكندر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ليبيا في ذكرى ثورة الفاتح.. كيف كانت وكيف صارت؟
- من السلاح إلى السياسة: حلّ «قسد» ومسار جديد للقضية الكردية ف ...
- هكذا يُبنى المواطن في شرقنا الرهيب!
- أجمل الطرق ما لم نسلكه بعد
- تسوية العسكريين السابقين في سوريا بين التأخير والغموض
- إنهاء الكفاح المسلح.. لا يعني نهاية القضية الكردية
- يكفيه أن يسمع: «ألو»
- مجلس الشعب بلا تصفيق... هل يكفي ذلك؟
- لا تغيير من دون حراك شعبي شامل
- لماذا يتعثّر تنفيذ البنود المدنية في اتفاق 29 كانون الثاني ب ...
- ليس كل رفيق صديقاً
- لماذا تبدو الحياة جميلة؟
- سوريا على حافة الانفجار.. خطوات عاجلة لمنع الكارثة
- الوجع المتقاطع.. لماذا نؤذي من نحب؟
- حل الأزمة السورية بين الطرح السياسي واستحقاقات التنفيذ
- المناصب أولاً... والشهادات لاحقاً
- آخر أمرٍ عسكري
- فيضان الفرات.. من أغرق الجزيرة السورية؟
- التقمّص بين الإيمان والعلم: هل نعيش أكثر من حياة؟
- عفويّةٌ لا تتقن التمثيل


المزيد.....




- تقرير: سجن -ألكاتراز التمساح- يضع محتجزين بأقفاص معدنية تحمل ...
- هاري وميغان ينقلان طفليهما إلى مدرسة أخرى لأسباب أمنية
- -خوفا من استفزازات ممداني.. طائرة نتنياهو لن تهبط في مطار جو ...
- زاخاروفا: العقوبات الأمريكية والحصار البحري لإيران خطوة غير ...
- واشنطن تؤكد رسميا للمرة الأولى نشر أسلحة في المدار الأرضي لم ...
- هاكابي: الهدنة مع الحوثيين لا تزال قائمة
- بيان للرئاسة المصرية بعد لقاء السيسي وبن سلمان: التفاهم مطلق ...
- إعلان نتيجة تقليل الاغتراب لطلاب الثانوية العامة ومدارس المت ...
- وزير الزراعة يبحث سبل تعزيز التعاون والاستثمار الزراعي بين م ...
- الزراعة: تحصين أكثر من 4.3 مليون رأس ماشية ضمن الحملة القومي ...


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ضيا اسكندر - خمس سنوات غياب... ماذا وجدت في اللاذقية؟