|
|
سوريا على حافة الانفجار.. خطوات عاجلة لمنع الكارثة
ضيا اسكندر
كاتب
الحوار المتمدن-العدد: 8746 - 2026 / 6 / 24 - 13:37
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
اعتاد السوريون، منذ سنوات، على سماع التحذيرات من الكارثة المقبلة، حتى كادت كلمة "الأزمة" تفقد معناها من فرط التكرار. غير أن ما يجري اليوم يبدو أكثر تعقيداً؛ فإلى جانب الاختناق الاقتصادي الحاد الذي يعصف بالبلاد، تتراكم عوامل انفجار داخلية تتغذى على بعضها، وتدفع البلاد نحو منحدر شديد الخطورة، وسط تصاعد محموم لخطاب التحريض على مواقع التواصل الاجتماعي، وتراخٍ أمني يهدّد باتساع رقعة الفوضى وتعميق الشرخ المجتمعي. فخلال الأيام الأخيرة، شهدت مناطق عدة أحداثاً متسارعة، أثارت حالة من القلق بين السكان: دعوات لملاحقة "الفلول"، وخطابات ومنشورات ذات طابع طائفي، واعتداءات على أشخاص وممتلكات، وإحراق سيارات ومحال تجارية، ونزوح عائلات من مناطق سكنها وتوترات عشائرية آخذة في التمدد. وعلى الرغم من أن هذه الوقائع قد تبدو للوهلة الأولى أحداثاً متفرقة ومعزولة، فإنها في الحقيقة ليست سوى تجليات متعددة لمشهد واحد من الاحتقان المتصاعد الذي يتشكل على مرأى من الجميع.
عندما يتحوّل الغضب إلى عقاب جماعي بتزامن مريب، تصاعدت الدعوات في الأوساط المؤيدة للسلطة الانتقالية لـ "تطهير" المجتمع من بقايا الفلول والمتعاونين سابقاً مع النظام البائد. ولم تلبث هذه الدعوات أن انعكست على الأرض، من خلال ممارسات وحوادث متفرقة شهدتها بعض المناطق. حيث أفادت مصادر محلية بحركة نزوح لعائلات في ريفي حلب وحماة، لا سيما من بلدتَي طيبة الإمام وقمحانة ومدينة مورك، خشية التعرض لأعمال انتقامية. وفي حي المزة 86 بدمشق، ذي الغالبية العلوية، سادت أجواء من الذعر؛ إثر محاولة مجموعات اقتحام الحي وسط إطلاق نار وهتافات تهديدية تصف الأهالي بـ "الشبيحة"، وترافقت مع أعمال تخريب وشتائم ذات طابع طائفي. أما في محافظة حمص، فتواصلت تداعيات الأحداث التي شهدتها مدينة تدمر؛ حيث نزحت عشرات العائلات عقب استهداف سكانٍ بذريعة ارتباطهم بـ "رموز النظام السابق". وفي الشرق السوري، صعّدت عشيرة العكيدات من لهجتها، مهددة بخطوات تصعيدية ما لم تتدخل الجهات الأمنية لمعالجة ما وصفته باستهداف ممتلكات أبنائها، في تطور يعكس خطورة انتقال التوتر من مستواه الفردي إلى العشائري، ما يعقّد فرص احتوائه مستقبلاً. ولم تقتصر مظاهر الاحتقان على الوقائع الميدانية، إذ برزت أيضاً حملات إعلامية وتحريضية ذات طابع طائفي، من بينها حملة "لست شجرة"، وما رافقها من تهديدات مباشرة لفئات واسعة من السوريين، في سياق يرتكز على منطق الانتقام الجماعي بدلاً من سيادة القانون. وما يجمع هذه الوقائع على اختلاف جغرافيتها وخلفياتها، أنها تعكس اتساع رقعة المخاوف والانتهاكات لتطال بيئات اجتماعية متعددة، مهددة بتحوّل هذه التوترات الموضعية إلى أزمة وطنية شاملة.
الجراح المفتوحة وخطاب الثأر لا تكفي قراءة هذه الأحداث من زاوية واحدة فقط؛ لفهم حقيقتها. فخلف موجة الغضب الحالية تقف سنوات طويلة من الدماء والآلام والجراح المفتوحة. فمئات الآلاف من السوريين فقدوا أبناءهم، أو غُيّبَ أقاربهم في المعتقلات، أو تجرعوا مرارة النزوح والتهجير القسري. وثمة شعور عارم اليوم بأن العدالة الموعودة لم تتحقق بعد، وأن كثيراً من المتورطين في المآسي السورية ما زالوا بعيدين عن أي مساءلة حقيقية. في مثل هذا المناخ المشحون، يجد خطاب الثأر بيئة خصبة ليتسلل إلى النفوس الجريحة، متحولاً من احتقان فردي إلى سردية جماعية قابلة للتداول والاستثمار السياسي. غير أن الخطر الحقيقي يتبلور حين يتجاوز هذا الغضب تخومه الطبيعية ليصبح أداة للتصنيف الإقصائي؛ تُحمَّل بموجبه بيئات اجتماعية كاملة تبعات جرائم ارتكبها أفراد، ما يشرّع الأبواب أمام دورات عنف متجددة لا تنتهي.
العدالة الانتقالية.. بين الوعد والخيبة
من هنا، تبرز العدالة الانتقالية بوصفها أحد أكثر الملفات حساسية في المشهد السوري. مسارٌ طُرح كمدخلٍ للمصالحة ومعالجة إرث الصراع، لكنه تحوّل، في نظر شريحة واسعة من السوريين، إلى مسار انتقائي لا يتعامل مع الانتهاكات بمعايير واحدة، بل يركز على طرف دون آخر، سواء أثناء النزاع أو بعده. وفي المقابل، يرى آخرون أن جهود الحكومة في هذا الملف لم تتجاوز بعض المحاكمات المحدودة، التي عدّها منتقدون شكلية وغير قادرة على رأب جراح سنوات الحرب. فلم يعد غريباً أن تظهر دعوات "استيفاء الحق بالذات"، وأن تتوسع حملات التحريض تحت شعار تعويض ما أخفقت المؤسسات في تحقيقه. لكن الأخطر أن الانقسام لم يعد محصوراً بين الطوائف والمكونات؛ بل تسلّل إلى عمق الجماعات نفسها، حيث تتصادم داخل البيئة الاجتماعية الواحدة رؤى متناقضة حول السلطة والمستقبل والهوية. هذا التشظي الداخلي يحوِّل المشهد من صراع طائفي إلى تفكك مجتمعي شامل، حيث تتحوّل الخلافات إلى شرخٍ في نسيج الوطن ذاته.
العامل الخارجي وحروب الوكالة في خلفية هذا المشهد المضطرب، لا يمكن تجاهل العامل الخارجي الكامن؛ فسوريا ما تزال ساحة مفتوحة لتشابك المصالح الإقليمية والدولية. وكلما وهنت مؤسسات الدولة وتفككت بنيتها الاجتماعية، تعاظمت قدرة القوى الخارجية على الاستثمار في الانقسامات المحلية لخدمة أجنداتها الخاصة. وفي هذا السياق، يثير مقترح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإسرائيل، بأن تتولى سوريا «التعامل مع حزب الله» بدلاً منها، جدلاً واسعاً. كما أشار إلى أن «القيادة السورية الجديدة قد تكون أكثر قدرة على مواجهة الحزب من إسرائيل في بعض الجوانب». وتُعبّر هذه الطروحات عن مخاوف جدّية من محاولات استدراج دمشق وتوريطها في حرب استنزاف بالوكالة. وتزداد خطورة هذا السيناريو في ظل ما يُنظر إليه على أنه مسعى إسرائيلي لنقل عبء المواجهة العسكرية إلى كاهل السلطة السورية الانتقالية، وهذا قد يفتح جبهة صدام مباشر مع إيران وحلفائها، ولا سيما الحشد الشعبي في العراق والحوثيين في اليمن، الأمر الذي ينذر بانفجار إقليمي واسع.
خيارات السلطة والانهيار المعيشي أما السلطة الانتقالية، فتبدو عاجزة أو غير راغبة في تقديم معالجة جدية بحجم المخاطر المتراكمة. وما نشهده لا يتعدّى، في معظمه، إجراءات مجتزأة وردود فعل آنية، فيما تتسع دائرة الانفلات الأمني وتتراجع الثقة الشعبية بقدرة المؤسسات على فرض القانون بصورة متساوية على الجميع. وتزداد الصورة قتامة بالنظر إلى الانهيار المعيشي المتواصل؛ إذ تتفاقم معدلات البطالة إثر تسريح عشرات الآلاف من العاملين، ويلتهم الفقر شرائح أوسع من المجتمع، بينما تواصل الأسعار قفزاتها الجنونية وسط تراجع حاد في القدرة الشرائية إلى مستويات غير مسبوقة. ومع اجتماع الفقر بالخوف، والاحتقان بغياب العدالة، والانقسام الداخلي بالتدخلات الخارجية، تصبح البلاد أشبه ببرميل بارود يوشك على الانفجار عند أول شرارة.
قبل فوات الأوان وعلى الرغم من ثقل المشهد وكآبته، لا يبدو الاستسلام قدراً محتوماً؛ إذ لا تزال أمام السوريين فرصة لتفادي الأسوأ إذا ما جرى تجاوز حالة التشرذم والعجز. في هذه اللحظة، يقف الجميع أمام واقع شديد التعقيد: سلطة تنتهج منطق الغلبة والقوة على حساب قيم المواطنة، ومجتمع يتآكله خطاب الثأر ويتحوّل إلى بيئات متنازعة، وإقليم مستمر في تصفية حساباته على حساب السيادة السورية. وفي ظل هذا التشابك، يغدو التغيير ضرورة لا تُؤجل، لكنه لن يُفرض من الخارج، لأنه يظل مرهوناً بما يُظهره الداخل من إرادة وقدرة على الفعل.
ما العمل؟ من هذا التشخيص الموجع، ينبثق حل وحيد: جبهة وطنية واسعة تتجاوز الاصطفافات التقليدية، وتضم كل من يؤمن بأن الدولة المدنية الديمقراطية هي الإطار الوحيد القادر على إعادة بناء التماسك المجتمعي. جبهة تنخرط في مسارات عملية واضحة؛ تبدأ بتشكيل حكومة وحدة وطنية، وإطلاق حوار وطني شامل يضم مختلف مكونات الشعب السوري، بهدف إعادة بناء الثقة وصياغة رؤية مشتركة لمستقبل البلاد، وتفعيل آليات وساطة في مناطق التوتر الحالية، إلى جانب قيادة حراك سلمي منظم، وصياغة مشروع سياسي يرتكز على دستور عصري يكرّس مبادئ المواطنة المتساوية، ويضمن الحقوق والحريات لجميع السوريين دون تمييز. فيكون بذلك عقداً جديداً يُخرج البلاد من كهف الانقسامات إلى فضاء المواطنة. ومع الإدراك التام لفرضية التصلب التي قد تبديها السلطة القائمة تجاه هذه الطروحات، فإن كسر هذا الاستعصاء يحتاج إلى أوراق ضغط حقيقية؛ تبدأ بتوسيع رقعة التضامن الشعبي والنقابي عبر الاعتصامات والإضرابات الشاملة، بالتوازي مع تصعيد الخطاب الإعلامي عبر المنصات كافة، لتعرية الانتهاكات الممنهجة لحقوق الإنسان. ويمتد ذلك إلى توظيف شبكات العلاقات الدولية لإحاطة هذا الحراك بمشروعية سياسية وقانونية، وصولاً إلى فرض العزلة على خيارات القوة العارية، وجعل كلفة الاستمرار في النهج الحالي أعلى بكثير من كلفة الانخراط في الحل الوطني. في المحصلة، لا يزال خيار الإنقاذ قائماً، لكن هوامشه تضيق مع مرور الوقت؛ فإما ترسيخ بنية الدولة، أو الانزلاق نحو التشظي الكامل. وبين هذين الطريقين، تبقى نافذة الأمل مفتوحة، غير أن هواءها يتلاشى كل يوم. فاللحظة التي يقرر فيها السوريون أنهم ليسوا ضحايا التاريخ بل صنّاعه، هي اللحظة التي ستبدأ فيها سوريا بالنهوض من جديد.
#ضيا_اسكندر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الوجع المتقاطع.. لماذا نؤذي من نحب؟
-
حل الأزمة السورية بين الطرح السياسي واستحقاقات التنفيذ
-
المناصب أولاً... والشهادات لاحقاً
-
آخر أمرٍ عسكري
-
فيضان الفرات.. من أغرق الجزيرة السورية؟
-
التقمّص بين الإيمان والعلم: هل نعيش أكثر من حياة؟
-
عفويّةٌ لا تتقن التمثيل
-
مسرح الانتخابات السورية.. سبعة آلاف -ناخب- لتمثيل شعب
-
الاستبصار في الحلم.. بين حدسٍ متوهّج ووهمٍ مُنمّق
-
حين يتحوّل الضوء إلى رفاهٍ مستحيل
-
العمال يُسحقون والنقابات تُتقن فنّ التفرّج
-
مجرمون تحت الضوء… وآخرون في الظل
-
القطاع العام السوري: قتله الأسد فساداً.. فهل يدفنه «النظام ا
...
-
الكسل الثوري المُهذَّب
-
الطلاق الصامت.. حين يتحوّل الزواج إلى عزلة مزدوجة
-
ظاهرة الشيوخ في سوريا الجديدة
-
الصعود إلى الهاوية
-
حين تهتز عروش الكبار.. من السويس إلى واشنطن
-
قُبلة… خارج النص!
-
على ماذا يجب أن نُركّز؟
المزيد.....
-
صرخته أقوى من الطائرة.. رجل يحطم الرقم بأعلى صوت في العالم
-
الاتحاد الأوروبي يدرس إرسال بعثة لدعم جيش لبنان وتعزيز سلطة
...
-
روبيو يطمئن الخليج: لا اتفاق مع إيران على حساب أمن الحلفاء
-
-الخماسية الأوروبية- تسعى لتعميق الشراكة بين الناتو وأوكراني
...
-
قاضية فيدرالية تمنع ترامب من تطبيق شرط تقديم دليل المواطنة م
...
-
ماكرون: هناك تقارب بين الأوروبيين والأمريكيين بشأن أوكرانيا
...
-
حادثة صادمة.. موظفات في -وينديز- يقدمن لزبونة طعاما من سلة ا
...
-
تل أبيب تجابه واشنطن.. لن ننسحب من لبنان
-
الجزائر تستنفر جاليتها في مصر قبل الانتخابات التشريعية
-
وزارة الصحة الإسرائيلية في حالة صدمة: سرقة طحينة ملوثة بالس
...
المزيد.....
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
المزيد.....
|