أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ضيا اسكندر - الطلاق الصامت.. حين يتحوّل الزواج إلى عزلة مزدوجة














المزيد.....

الطلاق الصامت.. حين يتحوّل الزواج إلى عزلة مزدوجة


ضيا اسكندر
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8691 - 2026 / 4 / 28 - 16:45
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


منذ نشأة الكون، والحياة تقوم على ثنائيات تشكّل جوهر توازنها: ذكر وأنثى، شمس وظل، صوت وصدى. وفي قلب هذا النسق الكوني، تبرز العلاقة الزوجية كواحدة من أكثر الروابط البشرية عمقاً وتحولاً عبر العصور.
فالإنسان، مذ غادر كهوف البدائية إلى مدن الحداثة، لم يتوقف عن إعادة تعريف معنى الزواج، وتحديد شروطه، وتبرير نهاياته. بين قدسية الميثاق وتقلّبات العاطفة، ظلّ الزواج مرآة تعكس صراعات الفرد مع ذاته، ومع الآخر، ومع المجتمع الذي يحيط به.
في المجتمعات المشاعية الأولى، لم تكن هناك أسر بالمعنى الذي نعرفه اليوم، فقد كانت النساء لكل الرجال، والرجال لكل النساء، في علاقة جماعية لا تعرف التملّك ولا الغيرة.
لكن الزمن لا يترك الأشياء على حالها، ومع تطور الوعي بالذات، وبالآخر، بدأت فكرة "الملكية" تتسلل إلى العلاقات؛ ملكية الأرض، ثم ملكية الجسد، ثم ملكية العاطفة.
وظهرت الأسرة بوصفها نواة اجتماعية، ثم جاءت الأديان لتضفي على الزواج طابعاً مقدساً، فالأعراف لتضبطه، فالقوانين لتُقنّنه.
وهكذا تحوّلت العلاقة من فعل غريزي جماعي إلى مؤسسة تُبنى على العقد، والالتزام، وربما الحب.
لكن خلف هذا الزواج الظاهري، هناك طلاق لا يُوثّق، ولا يُقال، ولا يُعاش إلا بصمت. إنه الانفصال العاطفي والنفسي الذي يحدث بين زوجين يعيشان تحت سقف واحد، لكن بينهما مسافات لا تُقاس بالأمتار، بل بالخذلان، والملل، حيث لا حديث، ولا شغف، ولا انتظار؛ فقط أيام تتساقط كأوراق ذابلة، وقلوب تنكمش في عزلة لا يسمعها أحد.

لماذا يختار البعض الطلاق الصامت؟
في الحقيقة، الطلاق الصامت انسحاب تدريجي من الحياة المشتركة، يتسلل في هدوء، دون إعلان أسبابه الكثيرة، وكلها تنبع من خوف أو عجز أو تضحية.
فالخوف من وصمة الطلاق في مجتمعات ترى فيه فشلاً أخلاقياً أو عيباً اجتماعياً، يجعل الزوجين يفضّلان التظاهر بالاستمرار ولو كان خاوياً من المضمون.
كما أن وجود الأطفال يدفع بالبعض إلى الظن أن البقاء في بيت واحد أفضل من تمزّق الأسرة، حتى لو كان الثمن هو العيش في جوّ مشحون بالصمت والعداء.
وكذلك الاعتماد الاقتصادي، خاصة حين تكون المرأة بلا دخل مستقل، فيُجبر الكثير من النساء على البقاء في علاقة ميتة، لأنهن لا يملكن مورداً يكفل لهن الاستقلال. ما يجعلهن مضطرات للبقاء في العلاقة لتلبية احتياجاتهن الأساسية.
وحين يكون أحد الطرفين مريضاً ويحتاج للرعاية، يُضيف ذلك بعداً أخلاقياً للعلاقة، حيث يتحوّل الشعور بالواجب إلى قيد عاطفي، حتى لو كانت العلاقة منهارة عاطفياً.
وأخيراً، التمسّك بالمظاهر؛ إذ يحرص كثيرون على الحفاظ على صورة "العائلة المثالية"، في مجتمعات تقدّس الشكل وتُهمل الجوهر، فيعيشون تمثيلية طويلة قد تُقنع الآخرين، لكنها لا تخدع القلوب التي أنهكها الإنكار.
وفي ظل هذا الطلاق غير المعلن، يعيش كل طرف حياته الخاصة، أحياناً بعلاقات خارجية، دون أن يجرؤ على الاعتراف بانتهاء العلاقة الأصلية. وكأنهما أسيران في طقس تمثيلي لا يعبّر عنهما، يتقمّصان دور الزوجين أمام الجمهور، ثم يعود كل منهما إلى عزلته، وإيقاعه المختلف، ووجعه الذي لا يشاركه فيه أحد.

كيف نكسر دائرة الصمت؟
السؤال الأهم هو كيفية مواجهة الطلاق الصامت، وكيف نمنح الناس الشجاعة ليختاروا الحقيقة على التظاهر، والصدق على المجاملة، والحرية على القيد.
الحل يبدأ من إعادة تعريف الزواج كعلاقة إنسانية تقوم على الحب والاحترام والتفاهم والقدرة على النمو المشترك.
وإذا غابت هذه العناصر، فربما يكون الانفصال الصريح أكثر رحمة، وخياراً ناضجاً، وأفضل من العيش في ظل علاقة ميتة.
كما أن تمكين المرأة اقتصادياً، وتغيير نظرة المجتمع إلى الطلاق، وتوفير دعم نفسي واجتماعي للأزواج، كلها خطوات ضرورية لكسر هذا النمط من العلاقات المتأزمة.

خاتمة: حين يصبح الصمت خيانة
الطلاق الصامت - أو المستتر كما يسميه البعض - هو غيابٌ للكلام، غيابٌ للصدق، والأمل، والرغبة في الحياة المشتركة. وكما قال المتنبي:
ومن نكد الدنيا على الحرّ أن يرى عدواً له ما من صداقته بدُّ
فما أصعب أن تعيش مع من لم يعد لك، ولا تملك حتى حق الرحيل.
ولعلّ أول خطوة نحو العلاج هي أن نعترف بأن الزواج ليس قيداً أبدياً، وإنما خياراً إنسانياً لا يكتمل إلا حين يكون الطرفان فيه أحياءً، لا مجرد أشباح تتقاسم الجدران وتراكم الغياب.



#ضيا_اسكندر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ظاهرة الشيوخ في سوريا الجديدة
- الصعود إلى الهاوية
- حين تهتز عروش الكبار.. من السويس إلى واشنطن
- قُبلة… خارج النص!
- على ماذا يجب أن نُركّز؟
- كيف نصل إلى حلّ الأزمة السورية؟
- الحرب على إيران.. لماذا لا تستعجل موسكو وبكين بإنهائها؟
- الحرب الخاطفة التي قد تطول
- العالم على حافة مواجهة كبرى
- الشعوب هي من تحسم الحروب
- الحرب التي قد تغيّر شكل العالم
- مقتل المرشد.. وأخلاقيات -الفتوى- في عالم القوة
- مرسوم العفو العام بين النص الدستوري وحدود الشرعية
- سوريا.. نسيجٌ لا يقبل التمزيق
- كيف يُلجم ترامب عن فجوره؟
- أمريكا لا حلفاء لها.. وقسد مثالاً
- الجنوب لإسرائيل والشمال لتركيا… والوطن للخراب
- مرسوم الحقوق الكردية.. بين عدالة متأخرة وضغط السلاح والخرائط
- متى يتحول القرار 2254 من شعار إلى مسار؟
- سوريا بين مخطط الخراب ومعجزة الإنقاذ


المزيد.....




- شاهد: بلغاريا تفوز بمسابقة يوروفيجن ودارا تحتفل بانتصار تاري ...
- وزير العدل الفرنسي يزور الجزائر لفتح -فصل جديد- ومناقشة -قضا ...
- بيان رسمي مصري بعد حادثة اصطياد نوع نادر من أسماك القرش
- -يوروفيجن 2026-.. بلغاريا تحصد اللقب لأول مرة في تاريخها
- فنزويلا ترحّل حليف مادورو المقرّب إلى الولايات المتحدة
- على طريقة -جيمس بوند-.. البيت الأبيض ينشر صورة لترامب
- إسرائيل تعترض صواريخ أطلقها حزب الله على قواتها بجنوب لبنان ...
- -الغضب الملحمي- و -أظافر القدم-.. أسماء حروب أمريكا بين السخ ...
- -هدوء ما قبل العاصفة-.. هل قرر ترمب أخيرا استئناف الحرب على ...
- بعد استقالة سيلينا.. رئيس لاتفيا يكلف نائبا من المعارضة بتشك ...


المزيد.....

- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ضيا اسكندر - الطلاق الصامت.. حين يتحوّل الزواج إلى عزلة مزدوجة