أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ضيا اسكندر - سوريا.. نسيجٌ لا يقبل التمزيق














المزيد.....

سوريا.. نسيجٌ لا يقبل التمزيق


ضيا اسكندر
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8608 - 2026 / 2 / 4 - 11:01
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في قلب كل حارة دمشقية، وفي بيوت حلب وحمص واللاذقية، وفي الأزقة الضيقة والأسواق والجامعات والمقاهي، يعيش السوريون بأطيافهم المختلفة داخل نسيج اجتماعي متداخل ومعقّد. وجوه متعددة ولهجات متنوّعة، عادات متشابكة وذكريات مشتركة تصنع يوماً بعد يوم حياة واحدة لا تُجزَّأ. يتشارك الناس الأفراح والأتراح، ويتعاملون في الأسواق، ويتزاورون في المناسبات، ويعيشون تفاصيل الحياة الصغيرة قبل الكبيرة.
هذه صورة حيّة لا تحتاج إلى شعارات. الحياة اليومية نفسها تنطق بالحقيقة، وتروي قصة البلاد كما هي، بأصواتها ووجوهها وذاكرتها المشتركة. إنها الحكاية التي تكشف واقعاً مختلفاً تماماً عن خطوط التقسيم التي يعمل عليها أعداؤنا، وتثبت أن سوريا ليست خرائط جامدة، بل حياة متشابكة لا تنفصل.
هل يمكن فعلياً تقسيم سوريا على أسس طائفية أو عرقية؟ الواقع يجيب بالنفي القاطع. فالمكوّنات التي يتخيّلها دعاة التقسيم "كانتونات" منفصلة، تعيش في الواقع مختلطة في كل مكان: في أحياء دمشق القديمة حيث تتجاور كنائس ومساجد عمرها مئات السنين، وفي حلب التي جمعت تجاراً وسكاناً من كل الخلفيات، وفي القرى الساحلية والجنوبية حيث تتعانق الهويات في السوق والمدرسة والمصنع.
هذا التشابك يجعل من فكرة الفصل عملاً عنيفاً يشبه اقتلاع شجرة عمرها قرون من جذورها، أو تمزيق نسيج اجتماعي رُبطت خيوطه عبر عقود من العيش المشترك.
الخطر الحقيقي يتجسّد في الحروب الأهلية التي تُشعل على الأرض. رأينا كيف يُستثمر التحريض لتحويل الجيران إلى أعداء والأحياء إلى خطوط تماس. هذا هو السلاح الذي يُبقي سوريا ضعيفة حتى وهي تبدو موحّدة الشكل.
ولأن الحرب لا تنتج سوى الخراب، فإن الطريق إلى الإنقاذ يمر عبر السياسة. والقرار الدولي 2254 ما يزال الإطار الأكثر واقعية للحل: طريق واضح المعالم؛ مؤتمر حوار وطني لا يستثني أحداً، تنتج عنه حكومة انتقالية كاملة الصلاحيات، تشرع في كتابة دستور عصري يضمن الحقوق والحريات للجميع، ويؤسس لقوانين عادلة للانتخابات والأحزاب، تنتهي بعد عام ونصف تقريباً بانتخابات حرة نزيهة تختار برلماناً ورئيساً يمثلان إرادة السوريين الحقيقية.
لكن السياسة وحدها لا تكفي. سوريا تُبنى بالاقتصاد الذي يعيد الاعتبار للإنتاج والعدالة، ويحوّل الشباب من وقود للصراعات إلى بُناة للوطن، ويحرّر العائلات من فقر يغذّي اليأس والتطرّف. نحتاج إلى تنمية متوازنة تصل إلى كل المناطق، وفرص عمل حقيقية، وخدمات أساسية تصل إلى كل بيت سوري.
سوريا لا تُقسَّم لأنها، ببساطة، لا تقبل التقسيم. تاريخها وجغرافيتها ومجتمعها يقولون ذلك. لكنها تحتاج اليوم، وأكثر من أي وقت، ليدٍ سورية تمسك بها قبل السقوط في الهاوية.
الإنقاذ يبدأ بوقف التحريض وتسعير الكراهية، وبالتمسك بحلّ سياسي جامع، وبناء دولة مواطنة يتساوى فيها السوريون، ودولة قانون تحمي الضعيف قبل القوي، ودولة اقتصاد تعيد الحياة إلى المدن والقرى.
عندها فقط تتحول الجغرافيا السورية من ساحة صراع إلى وطن يتّسع لأبنائه جميعاً. عندها فقط نستحق أن نكون سوريين حقاً: مختلفين في أصولنا، متحدين في مصيرنا، متشابكين في حاضرنا ومستقبلنا كما كنا دائماً في ماضينا.
سوريا قابلة للإنقاذ لأن شعبها قادر على العيش معاً. وهذا في النهاية هو أعظم رفض لفكرة التقسيم، وأقوى تأكيد على أن الوطن الكبير يبقى حين نقرر جميعاً أن نبقى فيه معاً.



#ضيا_اسكندر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كيف يُلجم ترامب عن فجوره؟
- أمريكا لا حلفاء لها.. وقسد مثالاً
- الجنوب لإسرائيل والشمال لتركيا… والوطن للخراب
- مرسوم الحقوق الكردية.. بين عدالة متأخرة وضغط السلاح والخرائط
- متى يتحول القرار 2254 من شعار إلى مسار؟
- سوريا بين مخطط الخراب ومعجزة الإنقاذ
- وكأنك يا بو زيد ما غزيت!
- لجم الثور الأمريكي الهائج.. خيار المقاومة لا الاستسلام
- زهرة الإسمنت
- الجولان خارج الخريطة.. وخارج أولويات السلطة
- بقعةٌ عند القلب
- مرتزقة أنقرة تحت مجهر العقوبات البريطانية
- وترٌ مختومٌ بالشمع الأحمر
- حين يختفي -قيصر- وتبقى الألغام الداخلية
- أزمة اقتصادية خانقة.. والحل: خنق الموسيقى أيضاً
- هل سيحتفي السوريون ابتهاجاً بذكرى -التحرير-؟
- سوريا بين زعامات دينية وفراغ سياسي.. إلى أين يتجه البلد؟
- هل غيّر القرار 2799 الصفة القانونية للقرار 2254؟
- ماذا يعني الإغلاق الحكومي في أمريكا؟
- لن ندفع، فماذا أنتم فاعلون؟


المزيد.....




- المصمّمون العرب..بين الهوية التقليدية ولغة الموضة المعاصرة ف ...
- طليق جيل زوجة جو بايدن يواجه تهمة القتل بقضية وفاة زوجته الح ...
- إسرائيل منزعجة من شعار لجنة إدارة غزة الجديد بمصر.. ما السبب ...
- غزة تحت النار: إصابة ضابط إسرائيلي بجروح خطيرة.. وقصف يوقع ق ...
- مارك روته يتفقد موقعا للطاقة تضرر في كييف مع تصاعد الهجمات ا ...
- حرب أعصاب بين واشنطن وطهران قبل الجمعة: إسقاط مسيّرة ومطاردة ...
- أخبار اليوم- المستشار الألماني يبدأ اليوم أول جولة له في منط ...
- غوارديولا: سأستخدم منصبي في مانشستر سيتي من أجل الدفاع عن ضح ...
- غزة مباشر.. شهداء بقصف مكثف وإلغاء تنسيق السفر عبر معبر رفح ...
- عاجل | المتحدث باسم الهلال الأحمر الفلسطيني: أبلغنا بإلغاء ت ...


المزيد.....

- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ضيا اسكندر - سوريا.. نسيجٌ لا يقبل التمزيق