أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ضيا اسكندر - زهرة الإسمنت














المزيد.....

زهرة الإسمنت


ضيا اسكندر
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8575 - 2026 / 1 / 2 - 13:49
المحور: الادب والفن
    


في حيّ "الشيخ رضوان" شمال غزة، حيث الأزقة الضيقة تعبق برائحة الخبز المحروق والبارود، كانت عائلة "أبو العبد" تلوذ بما بقي من جدران بيتها.
الأب، أبو العبد، موظفٌ متقاعدٌ في وزارة التربية، فقد بصره في قصفٍ سابق، لكنه ما زال يرى في أولاده ما تبقّى من الضوء.
أما الأم، "أم العبد"، فقد تجاوزت الخمسين بوجهٍ تكسوه التجاعيد أكثر مما تستحق، كانت تحاول إقناع "سُمية"، ابنتها الكبرى، أن تقتات على القليل من العدس المحروق الذي نضج على نار من الخشب المهترئ، بينما أصغر الأبناء، "عدنان" ابن السبع سنوات، ما زال يصرخ من الجوع، رافضاً أن يقتنع بأن الخبز صار طيفاً يظهر فقط في الأحلام.
* * *
منذ أن بدأ "طوفان الأقصى"، تغيّر كل شيء.
سابقاً، وفي ظل الحصار، كانوا يعتاشون على الحد الأدنى من الحياة. كان هناك على الأقل ماء كل بضعة أيام، كهرباء لبضع ساعات، ومدرسة تفتح أبوابها. الآن، لا ماء، لا كهرباء، لا دواء، ولا وجهٌ للغد.. كل شيء اختفى، كما اختفت جثة "عبد السلام"، الابن الأوسط، حين قصف الاحتلال البرج الذي لجأ إليه مع رفاقه.
لم يعثروا عليه... دفنوه بصمت، دون جنازة، دون قبر، في ذاكرةٍ مثقوبة لا تملك ترف البكاء.
* * *
ذات فجرٍ، وبينما كانوا يتقاسمون صمتهم، دوّى القصف قريباً، أقرب من أيّ مرة سابقة. ارتجّ البيت كجسدٍ مصروع، ثم سقط جزءٌ من السقف فوق رأس أم العبد. لم تمت، لكن النزيف لم يتوقف. لا مستشفى يستقبلهم، ولا سيارة إسعاف. المستشفى الوحيد القريب تحوّل إلى ساحة موت جماعي. وكل الجراح هناك تُضمد بوهمٍ باردٍ اسمه الصبر، وبكلماتٍ تلهج بالدعاء.
جلس أبو العبد قرب زوجته، يضم رأسها إلى صدره، ويهمس:
"صمدنا زمان النكبة، وطلعنا من مجازر صبرا وشاتيلا.. رح نضل نعيش. إذا ما متنا من القصف، بنعيش. وإذا متنا، بنصير حكاية.. لا تخافي يا أم العبد".
لكنها لم تردّ. فقط نظرت إليه بنصف عين، وقالت بصوت بالكاد يُسمع:
"بس ابني وين؟ عبد السلام.. رجّعولي عبد السلام".
* * *
في اليوم الأربعين للحرب، بدأ الأطفال يأكلون ورق الشجر. العدس انتهى. حتى الخبز اليابس أُكِل، أو احترق، أو ذاب تحت المطر.
و"عدنان"، صار هزيلاً لم يعُد إلا هيكلاً يُجرُّ على مهل، كما لو أن الموت قرر أن يؤجّل قبضه... ليُطيل العذاب.
في تلك الليلة، جلست سُمية، تكتب على كرتونةٍ محترقة:
"إلى من يقرأ: هنا عائلةٌ تبحث عن الحياة. لا نطلب الكثير، فقط ماء، أو بعض رغيف. لم يعد في الحي شيءٌ يشبه الأحياء. نحن نختنق من الدخان، من الموت، من الانتظار".
ثم وضعت الكرتونة على سطح البيت، كأنها رسالة إلى السماء، ترجُو أن تلامس رحمةً غابت، أو توقظ ضميراً لم ينطفئ بعد.
* * *
في اليوم الستين، وصل خبرٌ عبر مذياع يعمل على البطاريات:
"الجامعة العربية تعقد جلسة طارئة.. تدعو إلى وقفٍ فوريٍّ لإطلاق النار".
هزّ أبو العبد رأسه بسخرية مريرة، وقال بصوت خافتٍ مبلّلٍ بالخذلان:
"بعد ما خلصوا علينا، تذكّرونا؟!".
"وقف شو؟ للرصاص؟ طب واللي ماتوا؟ واللي انمحوا؟ واللي لسه عايشين تحت الركام؟!".
ثم صمت، ومسح دمعة نزلت بلا استئذان.
* * *
وفي اليوم السبعين، توقّف "عدنان" عن البكاء.
توقّف عن الحركة.
لم يحتمل جسده الصغير الجوع.
دفنوه في الحديقة التي كانت تنبت ريحاناً، وأصبحت الآن تُثمر قبوراً صغيرة.
"استشهد.. زي عبد السلام"، تمتمت سُمية، وهي تحفر قبره بيدين داميتين.
ردّت أمها بصوتٍ مشروخ:
"بس عدنان مش راح يقابل عبد السلام لوحده... السما مليانة بأولادنا".
* * *
في كلّ أيام الحرب، كانت بياناتُ الجيشِ الإسرائيليّ تُجبرُ الأهالي على التنقّل: من شمالٍ إلى جنوب، من حيّ إلى مخيم، ومن ركامٍ إلى آخر.
ومع اليوم المائة، خفّ هدير القصف، لكن الخوف بقي يطنّ في الهواء. خرجت أسرة أبي العبد من بين الجدران الباكية، تجرّ خلفها ما تبقّى من جراح، وأشلاء ذاكرةٍ تهشّمت تحت الركام، تبحث عن مأوى جديد... لا للنجاة، بل لتؤجّل الموت قليلاً.
مشت هذه المرة أيضاً…
شقّت طريقها بين جثثٍ بلا أسماء، وحجارةٍ مفجوعة، ووجعٍ يتنهّد تحت الأقدام.
على جدارٍ محطم، كُتب بأصابع مرتجفة:
"سامحونا إن متنا بلا وداع".
"نحب الحياة، ولكنها تكرهنا".
في الطريق، رأوا طفلةً صغيرةً تحمل رغيفاً، تتقاسمه مع قطٍّ نحيل كُتب له ألا يُقصف.
قالت لها الأم:
"من وين جبتِ الخبز؟"
قالت الطفلة:
" وصلت سفينة من ناس بعيدين.. فيها خبز ومي".
ابتسمت أم العبد بدمعة حامضة، وقالت:
"الله لا ينسى.. حتى لو نسيَنا العالم".
* * *
وقبيل أن تُغلق السماء ستارتها الرمادية على يومٍ آخر من الحرب، مضت أسرة أبي العبد فوق هشيم البيوت، تتلمّس خطاها بين شواهد الفقد، وفي عيونها عناد من لا يعرف الانكسار.
أم العبد تجرّ قدميها بصمتٍ ثقيل، وعلى وجهها ملامحُ من مشت فوق الجمر طويلاً، فيما تحتضن سُمية الكرتونة التي كتبت عليها نداءها الأخير، كأنها تضمّ آخر نبضٍ للكرامة.
وفجأة، رأت زهرةٌ برية نبتت فوق أنقاض جدارٍ منهار... صغيرة، جسورة، تشقّ الإسمنت ببهاءٍ أخضر، كأنها تخرج من قلب الموت.
شهقت سمية كمن رأت معجزة، وهتفت:
"ماما... شوفوا! زهرة طالعة من بين الإسمنت!".

توقّف أبو العبد، رفع رأسه نحو الصوت، وابتسم، كأنه رأى بعينيه المعطلتين، ثم قال بصوتٍ مبحوح:
"شايفين؟ لسه في حياة...
وغزّة عمرها ما بتموت".



#ضيا_اسكندر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الجولان خارج الخريطة.. وخارج أولويات السلطة
- بقعةٌ عند القلب
- مرتزقة أنقرة تحت مجهر العقوبات البريطانية
- وترٌ مختومٌ بالشمع الأحمر
- حين يختفي -قيصر- وتبقى الألغام الداخلية
- أزمة اقتصادية خانقة.. والحل: خنق الموسيقى أيضاً
- هل سيحتفي السوريون ابتهاجاً بذكرى -التحرير-؟
- سوريا بين زعامات دينية وفراغ سياسي.. إلى أين يتجه البلد؟
- هل غيّر القرار 2799 الصفة القانونية للقرار 2254؟
- ماذا يعني الإغلاق الحكومي في أمريكا؟
- لن ندفع، فماذا أنتم فاعلون؟
- بين بني أمية وبني -سوريا الأبية-
- فنزويلا في مرمى الأطماع الأمريكية
- هموم إلى الأمام
- يتمنّعن وهنّ.. نافرات
- لا ملوك بعد اليوم: أمريكا تنتفض ضد النزعة الاستبدادية
- كيف يصنع الغرب الوحش ثم يعلن الحرب عليه؟
- سوريا بين الفقر والفوضى.. لماذا لا بد من حل سياسي عاجل؟
- لماذا لا ينتسب الشباب إلى الأحزاب؟
- معضلة الرأي والرأي الآخر في الأنظمة الاستبدادية


المزيد.....




- -الفاشية العبرية- من جابوتنسكي إلى -تحسين النسل-: تفكيك الهو ...
- أ. د. سناء الشّعلان تفوز بجائزة أفضل شخصيّة عربيّة في المجال ...
- الممثل التجاري الأمريكي لـ -يورونيوز-: واشنطن ترى في التعريف ...
- جمعية التشكيليين في النجف تفتتح نشاطتها بمعرض فني ل -ليث نور ...
- معرض الخط العربي مهرجان فني يزين كورنيش العمارة
- 10 أفلام ستغيّر طريقة مشاهدتك للسينما
- فيلم -ذيل الكلب-.. الكوميديا التي تحولت إلى سيرك سياسي على ا ...
- 10 أفلام تساعدك على بناء ذائقة سينمائية سليمة
- أثر الذكاء الاصطناعي على الثقافة: هل انتصرت الخوارزميات على ...
- نصّ (سفر الظِّلال: نبوءة الخراب والدَّم)الشاعرمحمد ابوالحسن. ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ضيا اسكندر - زهرة الإسمنت