أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - ضيا اسكندر - القطاع العام السوري: قتله الأسد فساداً.. فهل يدفنه «النظام الجديد»؟















المزيد.....

القطاع العام السوري: قتله الأسد فساداً.. فهل يدفنه «النظام الجديد»؟


ضيا اسكندر
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8695 - 2026 / 5 / 2 - 11:25
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


لماذا يُحمَّل القطاع العام مسؤولية الفشل، فيما تكمن المشكلة في طريقة إدارته؟
في وقتٍ تختلط فيه الشعارات بالوقائع، يتقدّم اتهامٌ متداول يختزل الأزمة في هذا القطاع، ويحمّله وحده مسؤولية الفشل، مقدّماً إياه كعبء ينبغي التخلص منه. غير أن هذا التبسيط يتجاهل مساراً طويلاً من التشويه والإهمال، أصاب الإدارة قبل أن يصيب الفكرة ذاتها، وراكم اختلالاتٍ عميقة انعكست على الأداء والنتائج.

يمثّل القطاع العام، في أساسه، التزام الدولة بتأمين الخدمات والحقوق الأساسية بعيداً عن تقلبات السوق ومنطق الربح الصرف. وعندما تتوافر الإدارة المهنية والرقابة الفعّالة، يتحول إلى أداة دعم للاقتصاد والاستقرار الاجتماعي. غير أن هذا الدور يتآكل حين تتغلغل البيروقراطية وتتمدد شبكات الفساد، فتُدار المؤسسات بعقلية المحاصصة، وتُستبدل الكفاءة بالولاء، وتغيب المحاسبة، فتكون النتيجة تراجعاً تدريجياً ينعكس على الأداء والثقة معاً، ويتحوّل الخلل من حالات فردية إلى نمطٍ مستقر يصعب كسره.

ولعل التجارب الدولية الناجحة تقدّم شواهد واضحة على أن القطاع العام، حين يُصان من التسييس ويُدار بمهنية، يمكن أن يكون مصدراً للربح والخدمة معاً.
ففي النرويج، تُدار عائدات النفط عبر مؤسسات عامة بكفاءة عالية، وتُستثمر ضمن صندوق سيادي يضمن الاستقرار المالي للأجيال القادمة. وفي سنغافورة، لعبت المؤسسات العامة دوراً محورياً في تطوير البنية التحتية وقطاع الإسكان، بما وفّر مساكن ملائمة لغالبية السكان. أما في السويد، فتسهم الشركات المملوكة للدولة في دعم الميزانية، فيما تُقدَّم الخدمات الصحية والتعليمية بمستويات متقدمة.

وفي الصين، تُدار شركات الدولة ضمن خطط استراتيجية طويلة الأمد وتحقق عوائد كبيرة في نموذج يجمع بين التخطيط وآليات السوق. وحتى كوبا، رغم الحصار، استطاعت بناء نظام صحي عام يُعدّ من الأفضل في أمريكا اللاتينية، مع انتشار واسع للأطباء في الخارج، وتعليم عام مجاني وذو جودة عالية.

وعلى الصعيد العربي، برزت تجارب تؤكد القدرة على توظيف القطاع العام في التنمية. في مصر، قادت الدولة مشاريع صناعية كبرى وأسهمت في بناء السد العالي، بما مثّله من تحوّل اقتصادي وزراعي. وفي الجزائر، شكّلت “سوناطراك” ركيزة الاقتصاد الوطني ومصدراً رئيساً لتمويل التنمية. أما في الكويت، فقد أُديرت عائدات النفط عبر مؤسسات عامة وصناديق سيادية أسهمت في تحقيق قدر من الاستقرار الاقتصادي على المدى الطويل.

وتُظهر هذه النماذج، رغم اختلاف سياقاتها، أن نتائج القطاع العام ترتبط أساساً بجودة الإدارة واستمراريتها، وأن الإشكال لا يكمن في جوهره، بل في غياب الحوكمة الرشيدة التي تضمن تطوره واستدامته.
لكن في سوريا، نجد أن القطاع العام عاش مفارقة مؤلمة: فقد كان أحد أبرز إنجازات نظام البعث في عقوده الأولى، حيث توسّعت الدولة في بناء مؤسسات إنتاجية وخدمية، من معامل النسيج إلى شركات النقل العام، ومن المستشفيات إلى المدارس والجامعات. كان القطاع العام آنذاك تجسيداً لفكرة العدالة الاجتماعية، وإن شابها الكثير من البيروقراطية. غير أن النظام نفسه، الذي تبنّى هذا النموذج، هو من بدأ بإخصائه تدريجياً، خصوصاً بعد المؤتمر العاشر لحزب البعث عام 2005، حين أُعلن تبنّي اقتصاد السوق الاجتماعي، وهو المصطلح الذي بدا للوهلة الأولى وكأنه محاولة للتوفيق بين العدالة والسوق، لكنه في الواقع كان بداية لتصفية القطاع العام تحت غطاء التحديث.
بدأت الخصخصة الزاحفة، وتراجعت الاستثمارات في المؤسسات العامة، وتحوّلت كثير من الشركات إلى عبء بفعل الإهمال المتعمد.

ثم جاء ما سُمّي بـ "العهد الجديد"، لتواصل سلطة الأمر الواقع، ممثّلةً بهيئة تحرير الشام، هذه المهمة بوتيرة أعلى وأكثر تنظيماً، حيث أُغلقت مؤسسات عامة أو جرى تفريغها من مضمونها، وأُعيد توظيف ما تبقّى منها لخدمة بنية النفوذ الجديدة، في تحوّلٍ واضح للقطاع العام من رافعة وطنية كانت تقوم على تقديم الخدمات وتشغيل اليد العاملة، إلى هياكل منهكة تُستنزف مواردها وتُستغل أصولها أو تُترك لتتآكل تدريجياً.

وترافقت هذه السياسات مع تسريح عشرات الآلاف من العاملين من وظائفهم، ونقل أعداد كبيرة من العمال إلى مناطق بعيدة عن أماكن سكنهم، في خطوة يُنظر إليها على أنها تهدف إلى دفعهم للاستقالة تحت ضغط الظروف المعيشية، إلى جانب عرقلة ممنهجة ومتعمدة لعمل العديد من المنشآت، وفتح باب الاستيراد على مصراعيه، خصوصاً من تركيا، بما انعكس سلباً على الإنتاج الوطني وعمّق تراجع القطاعات الصناعية المحلية.

هذا المسار لم يكن عشوائياً، بل اتخذ طابعاً متدرجاً وممنهجاً، تمثّل في قرارات متلاحقة مسّت بنية القطاع العام ووظيفته، من إهمال الصيانة والتشغيل، إلى تعطيل خطوط الإنتاج، وصولاً إلى طرح عدد من المنشآت كعبء يُراد التخلص منه أو إعادة تسويقه.
وفي هذا السياق، أُعلن بشكل صريح أن معامل الدولة وشركاتها ومرافقها العامة، بما فيها المؤسسات الخدمية كالمشافي، باتت معروضة للبيع أو الاستثمار، بما يعيد تعريف الملكية العامة بوصفها مورداً قابلاً للتصرّف الاقتصادي.

إن هذه الإجراءات تعدّ تجاوزاً واضحاً للصلاحيات، كون الجهة القائمة سلطة انتقالية لا تمتلك تفويضاً شعبياً يتيح لها اتخاذ قرارات استراتيجية تمسّ البنية الاقتصادية والخدمية للدولة بهذا العمق. فمثل هذه الملفات هي من اختصاص سلطة منتخبة ديمقراطياً، تمتلك الشرعية والمساءلة أمام المجتمع، لا جهة معيّنة استندت إلى ما يُسمّى "مؤتمر النصر".

كما أن معالجة هذا الواقع لا ترتبط بطبيعة الملكية بقدر ما ترتبط بنمط الإدارة. فحين تتراجع الحوكمة، وتضعف الشفافية، وتفقد المؤسسات تماسكها من الداخل، يصبح أي نموذج عرضة للخلل مهما كانت بنيته. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى إصلاح إداري ومؤسسي يعيد تنظيم القطاع العام على أسس مهنية، ويعزّز أدوات الرقابة، ويعيد الاعتبار للكفاءة في التوظيف والإدارة.

إن الدفاع عن القطاع العام هو دفاع عن فكرة العدالة في جوهرها، وعن حق المواطن في خدمة عامة لا تُرهقه مادياً أو معيشياً، وعن دور الدولة في أن تكون ضامنة للحقوق الأساسية لا مجرد منظم للسوق. وفي زمنٍ تتراجع فيه القيم أمام منطق الربح، يبقى القطاع العام، حين يُدار بنزاهة، أحد آخر ما يوازن بين الحاجة والعدالة.



#ضيا_اسكندر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الكسل الثوري المُهذَّب
- الطلاق الصامت.. حين يتحوّل الزواج إلى عزلة مزدوجة
- ظاهرة الشيوخ في سوريا الجديدة
- الصعود إلى الهاوية
- حين تهتز عروش الكبار.. من السويس إلى واشنطن
- قُبلة… خارج النص!
- على ماذا يجب أن نُركّز؟
- كيف نصل إلى حلّ الأزمة السورية؟
- الحرب على إيران.. لماذا لا تستعجل موسكو وبكين بإنهائها؟
- الحرب الخاطفة التي قد تطول
- العالم على حافة مواجهة كبرى
- الشعوب هي من تحسم الحروب
- الحرب التي قد تغيّر شكل العالم
- مقتل المرشد.. وأخلاقيات -الفتوى- في عالم القوة
- مرسوم العفو العام بين النص الدستوري وحدود الشرعية
- سوريا.. نسيجٌ لا يقبل التمزيق
- كيف يُلجم ترامب عن فجوره؟
- أمريكا لا حلفاء لها.. وقسد مثالاً
- الجنوب لإسرائيل والشمال لتركيا… والوطن للخراب
- مرسوم الحقوق الكردية.. بين عدالة متأخرة وضغط السلاح والخرائط


المزيد.....




- لماذا تتعثر إمدادات الوقود والكهرباء في ليبيا رغم إنفاق المل ...
- المنافسة تشتد في سوق الذكاء الاصطناعي.. جيميناي وكلود يلاحقا ...
- كيف تحولت -الفكة- إلى سلعة تباع وتشترى في غزة؟
- غالون البنزين بـ 30 ألف جنيه.. أزمة الوقود تخنق العاصمة السو ...
- مؤتمر الدوحة للتمويل الإسلامي يقدم توصيفا فقهيا للذكاء الاصط ...
- شركتان أمريكيتان توقعان عقدا -استراتيجيا- لتطوير حقول الغاز ...
- سويسرا تفكك شبكة ضخمة لتهريب الذهب من إيطاليا
- -سي أن أن- عن تقييمات الاستخبارات الأميركية: إيران اكتسبت قد ...
- تقرير رسمي: اختلالات تبقي خُمس الشركات الإسرائيلية خارج القا ...
- الاقتصاد الفلسطيني في الضفة الغربية على حافة الانهيار وسط إه ...


المزيد.....

- الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي ... / سالان مصطفى
- دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر / إلهامي الميرغني
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / د. جاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق / مجدى عبد الهادى
- الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت ... / مجدى عبد الهادى
- ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري / مجدى عبد الهادى
- تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر ... / محمد امين حسن عثمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - ضيا اسكندر - القطاع العام السوري: قتله الأسد فساداً.. فهل يدفنه «النظام الجديد»؟