أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ضيا اسكندر - لماذا يتعثّر تنفيذ البنود المدنية في اتفاق 29 كانون الثاني بين دمشق و«قسد»؟















المزيد.....

لماذا يتعثّر تنفيذ البنود المدنية في اتفاق 29 كانون الثاني بين دمشق و«قسد»؟


ضيا اسكندر
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8767 - 2026 / 7 / 15 - 13:18
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مثّل اتفاق 29 كانون الثاني 2026 بين الحكومة السورية المؤقتة وقوات سوريا الديمقراطية خطوة مهمة على طريق تهدئة التوتر في شمال شرق سوريا وإعادة دمج المنطقة ضمن مؤسسات الدولة. وقد تضمّن الاتفاق أربعة عشر بنداً شملت الجوانب العسكرية والأمنية والإدارية والاقتصادية والتعليمية، ورسم خريطة طريق سريعة لتنفيذها خلال شهر واحد، قبل الانتقال إلى مرحلة من الالتزامات الدائمة بين الطرفين.
ومع مرور الوقت، بدا أن بعض البنود المتعلقة بالشق العسكري والأمني حققت تقدماً ملموساً، في حين واجهت البنود الإدارية والقضائية والمدنية عقبات حالت دون تنفيذها بالوتيرة نفسها. ويعود ذلك إلى طبيعة هذه الملفات وتعقيداتها السياسية والقانونية، فضلاً عن تباين الرؤى بين الطرفين بشأن مستقبل الإدارة المحلية وشكل الدولة السورية.

جدول زمني أكبر من قدرة الواقع
منذ اللحظة الأولى لتوقيع الاتفاق، بدت المهلة الزمنية المحددة لتنفيذ بنوده طموحة إلى حد بعيد. فإعطاء الأطراف شهراً واحداً فقط لإنجاز ملفات عسكرية وإدارية وقضائية متشابكة لم يراعِ حجم التعقيدات المتراكمة خلال أكثر من عقد من الزمن. إذ إن إعادة هيكلة المؤسسات المدنية، وتسوية أوضاع الموظفين، ومعالجة السجلات العقارية والقضائية، وحسم قضايا التعليم والإدارة المحلية، كلها ملفات تحتاج بطبيعتها إلى مراحل انتقالية متدرجة وآليات تنفيذ واضحة.
كما أن الاتفاق انتقل سريعاً من الترتيبات الأمنية إلى الملفات المدنية والسياسية الأكثر حساسية. بينما كانت المرحلة الأولى تركّز على وقف إطلاق النار وإعادة الانتشار، انتقلت المرحلة الثانية مباشرة إلى اندماج المؤسسات المدنية والإدارية، وهي قضايا تمسّ جوهر السلطة والنفوذ السياسي في المنطقة. أما المرحلتان الثالثة والرابعة فتناولتا الموارد الاستراتيجية والاندماج العسكري، ما جعل الاتفاق يجمع في إطار زمني واحد بين ملفات متفاوتة التعقيد تحتاج، في الظروف الطبيعية، إلى فترات أطول بكثير.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى بطء تنفيذ الاتفاق حتى الآن بوصفه نتيجة متوقعة لجدول زمني غير واقعي أكثر منه فشلاً كاملاً للاتفاق. وربما كان من الأجدى تقسيم التنفيذ إلى مراحل انتقالية أطول، تبدأ بالترتيبات الأمنية، ثم تنتقل إلى الملفات الإدارية والخدمية، قبل الوصول إلى الملفات القضائية والسياسية التي تتطلب توافقات أعمق وأكثر استدامة.

سهولة نسبية في تنفيذ البنود العسكرية
لم يكن مستغرباً أن تتقدم البنود العسكرية والأمنية على غيرها. فوقف إطلاق النار، وإعادة انتشار القوات، واندماج بعض التشكيلات العسكرية ضمن وزارة الدفاع، كلها إجراءات يمكن تنفيذها بقرارات سياسية وعسكرية مباشرة إذا توافرت الإرادة لدى الطرفين.
كما أن الظروف الأمنية دفعت دمشق و«قسد» إلى إعطاء الأولوية لهذا المسار، إذ إن أي تأخير فيه كان يهدد بعودة التوترات المسلحة وتقويض الاتفاق برمّته. لذلك حظيت إجراءات إعادة الانتشار العسكري وفتح قنوات التنسيق الأمني بأولوية تفوق الملفات الأخرى.

عقدة المؤسسات المدنية
في المقابل، اصطدم تنفيذ البند التاسع، المتعلق باندماج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة في محافظة الحسكة، بجملة من التعقيدات.
فالإدارة الذاتية بَنت خلال سنوات الحرب، شبكة واسعة من المؤسسات الإدارية والخدمية والاقتصادية، يعمل فيها آلاف الموظفين وفق أنظمة ولوائح مختلفة عن تلك المعمول بها في مؤسسات الدولة السورية.
ولهذا برزت أسئلة جوهرية: هل ستندمج هذه المؤسسات كما هي؟ أم ستُحلّ وتُعاد هيكلتها؟ وما مصير العاملين فيها؟ وكيف ستُوزَّع الصلاحيات بين السلطة المركزية والإدارات المحلية؟
هذه الأسئلة تمسّ طبيعة الحكم المحلي ومستقبل اللامركزية في سوريا، الأمر الذي جعل التوصل إلى حلول سريعة أمراً بالغ الصعوبة.

القضاء.. العقدة الأكثر تعقيداً
يُعدّ الملف القضائي أحد أبرز العوامل التي أعاقت تنفيذ الاتفاق، على الرغم من أنه لم يُذكر بصورة تفصيلية في بنوده. فخلال سنوات سيطرة الإدارة الذاتية أنشأت منظومة قضائية متكاملة نسبياً تضم محاكم وهيئات ادعاء وسجلات مدنية وعقارية، وأصدرت آلاف الأحكام والقرارات في القضايا الجنائية والمدنية والتجارية وقضايا الأحوال الشخصية. ومع انتقال السلطة إلى مؤسسات الدولة السورية يبرز سؤال جوهري: ما هو الوضع القانوني لكل تلك الأحكام والقرارات؟
إن إلغاء هذه المنظومة بالكامل قد يفتح الباب أمام فوضى قانونية واسعة، ويعيد آلاف القضايا إلى نقطة الصفر، بينما الاعتراف الكامل بها قد يثير إشكالات تتعلق بمدى توافقها مع القوانين السورية النافذة. ولذلك تجد الحكومة السورية نفسها أمام معادلة صعبة بين الحفاظ على استقرار المعاملات القانونية واحترام مبدأ وحدة السلطة القضائية في الدولة.
وتزداد التعقيدات في الملفات العقارية على وجه الخصوص، إذ شهدت مناطق الإدارة الذاتية خلال السنوات الماضية عمليات بيع وشراء وتسجيل عقارات وإرث وتوثيق عقود استندت إلى مؤسسات وسجلات خاصة بالإدارة الذاتية. كما أُبرمت عقود تجارية وشُكّلت شركات وسُوّيت نزاعات مالية أمام محاكمها. ويخشى كثير من المواطنين أن يؤدي أي تغيير قانوني غير مدروس إلى التشكيك في ملكياتهم أو حقوقهم المكتسبة.
ولا تقلّ قضايا الأحوال الشخصية حساسية عن ذلك، إذ جرى تسجيل آلاف حالات الزواج والطلاق والولادة والوفاة عبر مؤسسات الإدارة الذاتية. وتحتاج هذه الوثائق إلى آليات قانونية واضحة تضمن الاعتراف بها ومنع نشوء نزاعات مستقبلية تتعلق بالنسب أو الميراث أو الوضع المدني للأفراد.
وفي الجانب الجزائي، تبرز أسئلة أكثر تعقيداً تتعلق بمصير الموقوفين والمحكومين بأحكام صادرة عن محاكم الإدارة الذاتية. فهل تُعتمد تلك الأحكام كما هي؟ أم تُعاد محاكمة أصحابها أمام القضاء السوري؟ وما مصير ملفات التحقيق والأدلة والشهادات التي جُمعت وفق إجراءات قانونية مختلفة؟ وهي أسئلة لا تمسّ الجوانب الإجرائية فحسب، بل ترتبط أيضاً بحقوق المتقاضين وضمانات المحاكمة العادلة.
كما تتمثل عقبة أخرى تتعلق بالعاملين في السلك القضائي أنفسهم، من قضاة ووكلاء نيابة وموظفين جرى تعيينهم أو تأهيلهم ضمن مؤسسات الإدارة الذاتية. فالتعامل مع أوضاع هؤلاء يثير جملة من التساؤلات المهنية والقانونية، ذلك أن دمجهم في المنظومة القضائية السورية أو استبعادهم منها لا يقل أهمية وتعقيداً عن معالجة وضع الأحكام والقرارات الصادرة خلال سنوات عملهم.
لهذا يرى كثير من المتابعين أن نجاح الاتفاق يتوقف على بمعالجة الإرث القضائي المتراكم خلال السنوات الماضية عبر صيغة قانونية وقضائية متوافق عليها، بالتوازي مع تنفيذ بقية بنود الاندماج المؤسسي والعسكري. ذلك أن القضاء يمس حقوق الناس وممتلكاتهم وأوضاعهم الشخصية، وأي خلل في هذه المعالجة قد ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والثقة بعملية الاندماج بأكملها.

ملف الشهادات التعليمية.. انفراج جزئي وجمود مستمر
وعلى الرغم من أن بعض الملفات المدنية شهدت تقدّماً ملموساً، فإن هذا التقدم لم يكن متساوياً في جميع المجالات. ويُعدّ ملف الشهادات التعليمية مثالاً واضحاً على ذلك. وفي هذا السياق، أصدرت وزارة التربية والتعليم في الحكومة السورية المؤقتة قرارات سمحت بالاعتراف بشهادتي التعليم الأساسي (الإعدادية) والثانوية الصادرتين عن مناطق الإدارة الذاتية، وفتحت المجال أمام الطلبة للتقدم إلى الامتحانات الرسمية ومتابعة مسيرتهم التعليمية ضمن المنظومة التربوية السورية، الأمر الذي خفف من حالة القلق التي كانت تسيطر على آلاف الطلبة وأسرهم.
إلا أن هذا التقدم بقي محصوراً إلى حدّ كبير في مرحلتي التعليم الأساسي والثانوي، في حين لا يزال ملف الشهادات الجامعية وشهادات المعاهد يواجه عقبات قانونية وإدارية تحول دون تسويته بصورة نهائية. فهذه الشهادات ترتبط بمؤسسات تعليم عالٍ نشأت خارج إطار وزارة التعليم العالي السورية، الأمر الذي يثير تساؤلات حول المناهج المعتمدة، والاعتماد الأكاديمي، ومعايير القبول والتخرج، وآليات المعادلة والاعتراف الرسمي.
كما أن تأخر حسم هذا الملف ينعكس بصورة مباشرة على آلاف الخريجين الذين يجدون أنفسهم أمام حالة من الضبابية بشأن مستقبلهم المهني والأكاديمي، سواء فيما يتعلق بالتوظيف داخل مؤسسات الدولة أو بمتابعة الدراسات العليا. ولذلك، وعلى الرغم من أن الاعتراف بالشهادتين الإعدادية والثانوية يُعدّ خطوة إيجابية في اتجاه تنفيذ البند الحادي عشر من الاتفاق، فإن استمرار التعثّر في ملف الشهادات الجامعية والمعاهد يكشف أن الطريق ما زال طويلاً أمام الوصول إلى تسوية تعليمية شاملة تنهي آثار الانقسام المؤسسي الذي شهدته المنطقة خلال السنوات الماضية.

المجالس المحلية... صراع على التمثيل السياسي
لا تقتصر الصعوبات التي تواجه تنفيذ البنود المدنية على الجوانب الإدارية والفنية، بل ترتبط أيضاً بمسألة التمثيل السياسي في شمال شرق سوريا. إذ إن إعادة تشكيل المجالس المحلية أو إعادة توزيع الصلاحيات الإدارية لا تعني مجرد تغيير أسماء المسؤولين أو تبعية المؤسسات، وإنما تمسّ بصورة مباشرة البنية السياسية التي نشأت خلال سنوات الإدارة الذاتية.
وترى العديد من القوى المرتبطة بالإدارة الذاتية أن نقل الصلاحيات إلى مجالس جديدة أو مؤسسات مرتبطة بالحكومة المركزية قد يؤدي عملياً إلى تقليص الدور السياسي الذي يمثّله مجلس سوريا الديمقراطية والهياكل المدنية المنبثقة عنه. ولذلك تحوّل ملف الإدارة المحلية إلى ساحة صراع سياسي تتجاوز أبعاده الجوانب الخدمية والتنظيمية.
فبينما تنظر دمشق إلى هذه الخطوات بوصفها جزءاً من إعادة توحيد مؤسسات الدولة، تنظر إليها قوى داخل الإدارة الذاتية على أنها مسألة تتصل بمستقبل المشروع السياسي الذي تأسس في المنطقة خلال سنوات الحرب. ولهذا السبب اكتسبت ملفات المجالس المحلية والتمثيل الإداري حساسية كبيرة، وأسهمت في إبطاء تنفيذ البنود المدنية من الاتفاق.

الخلاف حول مفهوم الاندماج
أحد الأسباب الرئيسة لعدم إحراز تقدم في التنفيذ يتمثل في اختلاف فهم الطرفين لمفهوم "الاندماج".
الحكومة السورية المؤقتة تنظر إلى الاتفاق بوصفه خطوة لإعادة بسط سلطة الدولة المركزية على كامل المؤسسات والإدارات، أما «قسد» والإدارة الذاتية فترغبان في الحفاظ على قدر من الخصوصية الإدارية والثقافية التي نشأت خلال السنوات الماضية، لا سيما في المجالات التعليمية والثقافية والخدمية.
ويتجلى هذا التباين بوضوح في البنود المتعلقة بالتعليم، والشهادات الدراسية، وترخيص المؤسسات الثقافية والإعلامية، وتعيين المسؤولين المحليين. فهذه الملفات أقرب إلى قضايا الهوية والإدارة المحلية منها إلى المسائل الأمنية، ولذلك أصبحت موضع نقاشات مطولة ومساومات سياسية مستمرة.

العامل الاقتصادي والإداري
كما أن البنود (10،9،8،7) من الاتفاق المتعلقة باستلام الحقول النفطية والمعابر الحدودية واندماج الموظفين المدنيين تطرح تحديات مالية وإدارية كبيرة.
فإدارة الموارد النفطية والمعابر شكلت خلال السنوات الماضية، أحد أهم مصادر التمويل للإدارة الذاتية. وبالتالي؛ يتطلّب نقل هذه الصلاحيات إلى الحكومة المركزية اتفاقات تفصيلية بشأن الإيرادات والرواتب وآليات الإدارة والتشغيل، وهي مسائل لم يكن من السهل حسمها خلال المدة الزمنية القصيرة التي حددها الاتفاق.
كذلك تثير عمليةُ تثبيت آلاف الموظفين العاملين في مؤسسات الإدارة الذاتية تساؤلاتٍ تتعلق بالهياكل الوظيفية والرواتب والمؤهلات وآليات الاندماج في الجهاز الإداري للدولة، ما يجعل تنفيذ الاتفاق أكثر تعقيداً مما قد يبدو عليه في نصوصه.

العُقد الإقليمية المعيقة
لا يمكن فهم العقبات التي تعترض تنفيذ الاتفاق بمعزل عن البيئة الإقليمية والدولية المحيطة به. شمال شرق سوريا لا يخضع لتوازنات محلية فحسب، بل يتأثر بصورة مباشرة بحسابات قوى إقليمية ودولية تمتلك نفوذاً عسكرياً وسياسياً على الأرض.
حيث إن الوجود الأمريكي في المنطقة، لا سيما في محيط الحقول النفطية الرئيسة، يجعل مسألة نقل إدارة الموارد الاستراتيجية إلى دمشق مرتبطة بمعادلات تتجاوز إرادة الطرفين الموقعين على الاتفاق.
بينما تنظر تركيا إلى «قسد» بوصفها امتداداً لتنظيمات تعدّها تهديداً لأمنها القومي، الأمر الذي يدفع قوىً داخل الإدارة الذاتية إلى التمسّك بجزء من هياكلها العسكرية والسياسية والإدارية، إذ ترى فيها ورقة حماية في مواجهة الضغوط والتهديدات الخارجية.
وبذلك لا يتوقف تنفيذ البنود المدنية والقضائية على التفاهم بين دمشق و«قسد» وحدهما، بل يتأثر أيضاً بتقاطعات المصالح الإقليمية والدولية التي تحيط بالملف السوري منذ سنوات.

مسؤولية مشتركة بدرجات متفاوتة
يصعب تحميل طرف واحد مسؤولية تأخر التنفيذ، إذ ساهمت مواقف الجانبين في إبطاء مسار الاتفاق. فالحكومة السورية تميل إلى تفسير الاندماج بوصفه عودة كاملة للمؤسسات إلى سلطة الدولة المركزية، وهو ما أثار مخاوف لدى قطاعات واسعة داخل الإدارة الذاتية.
في حين أبدت قوى مؤثرة في الإدارة الذاتية تمسكاً واسعاً بالبنى السياسية والإدارية التي تشكلت خلال السنوات الماضية، الأمر الذي حدّ من إمكانية الوصول إلى صيغ وسطية سريعة.
كما أن غياب جهة ضامنة أو وسيط دولي قادر على تقديم حلول قانونية ومؤسساتية متوافق عليها جعل الخلافات أكثر صعوبة. إذ إن الوثيقة حددت أهدافاً طموحة، لكنها لم تتضمن آليات تفصيلية كافية لمعالجة القضايا الخلافية المتعلقة بالإدارة والقضاء وتقاسم الصلاحيات، الأمر الذي ترك مساحة واسعة للتفسيرات المتباينة بين الطرفين.

أزمة الثقة
يبقى عامل الثقة من أكثر العوامل تأثيراً في مسار تنفيذ الاتفاق. فكل طرف يتعامل بحذر مع الخطوات التي قد تؤدي إلى خسارة أوراق نفوذ يمتلكها، قبل الحصول على ضمانات واضحة بشأن الخطوات المقابلة.
وتسعى دمشق إلى استعادة مؤسسات الدولة وسلطتها على كامل الأراضي السورية، في حين تحرص «قسد» على ضمان عدم تبديد المكاسب السياسية والإدارية التي تحققت خلال السنوات الماضية.
ونتيجة لذلك، اتجه الطرفان إلى إعطاء الأولوية للترتيبات الأمنية العاجلة، فيما بقيت الملفات السياسية والإدارية الأكثر تعقيداً قيد التفاوض والمراجعة.

مخارج محتملة من المأزق الحالي
وعلى الرغم من الصعوبات التي تواجه تنفيذ الاتفاق، فإن التعثّر الحالي لا يعني استحالة الوصول إلى تسويات عملية. إذ إن بعض الملفات يمكن معالجتها عبر مراحل انتقالية مدروسة تسمح ببناء الثقة تدريجياً بين الأطراف المعنية.
وفي الملف القضائي، قد يشكل إصدار تشريع خاص ينظم آليات الاعتراف بالأحكام والوثائق الصادرة عن مؤسسات الإدارة الذاتية، مع إخضاعها لمراجعة قضائية مركزية، مدخلاً لتسوية تحافظ على الحقوق المكتسبة وتضمن انسجامها مع المنظومة القانونية السورية.
وفي ملف الموظفين المدنيين، قد يساهم اعتماد برامج اندماج تدريجية تحافظ على الاستقرار الوظيفي والمالي خلال مرحلة انتقالية، وتوفر مسارات للتأهيل الإداري والقانوني، في تسهيل انتقال المؤسسات إلى إطار الدولة وتخفيف المخاوف المرتبطة بمصير العاملين فيها.
أما في مجال الإدارة المحلية، فقد يوفر توسيع نطاق اللامركزية الإدارية ومنح المجالس المحلية المنتخبة صلاحيات خدمية وتنموية أوسع أرضية مشتركة تجمع بين متطلبات وحدة الدولة وتطلعات المجتمعات المحلية إلى المشاركة في إدارة شؤونها، مع بقاء المرجعيات السيادية والأمنية ضمن إطار الدولة السورية.
كما أن نجاح أي تسوية مستدامة يتطلب توفير ضمانات سياسية وقانونية متبادلة، وتوافر إرادة حقيقية لدى جميع الأطراف للانتقال من إدارة الخلافات إلى بناء تفاهمات طويلة الأمد قادرة على الصمود أمام التحديات الداخلية والضغوط الإقليمية.
في الختام، يكشف مسار تنفيذ اتفاق 29 كانون الثاني أن التحدي الحقيقي يتمثل في معالجة الإرث الإداري والقانوني والمؤسساتي الذي تراكم خلال سنوات الانقسام.
بيد أن إعادة تنظيم التشكيلات العسكرية وترتيب الأوضاع الأمنية تبقى جزءاً من عملية أوسع تتعلق بإعادة بناء مؤسسات الدولة وتوحيد المرجعيات القانونية والإدارية في شمال شرق سوريا.
ومن هنا، يرتبط نجاح الاتفاق بقدرة الطرفين على التوصل إلى تفاهمات مستدامة حول إدارة المؤسسات المدنية، وتسوية الملفات القضائية، ومعالجة أوضاع الموظفين، وحسم قضايا التعليم والوثائق الرسمية، بما يضمن استقرار الحياة العامة ويحفظ حقوق المواطنين. كما يتطلب الأمر صياغة رؤية مشتركة للعلاقة بين السلطة المركزية والإدارات المحلية، وتوفير الضمانات الكفيلة بتحويل التفاهمات السياسية إلى واقع مؤسساتي قابل للاستمرار.
وفي ضوء حجم التعقيدات المتراكمة خلال أكثر من عقد من الزمن، يبدو أن تنفيذ البنود المدنية والقضائية سيظل المعيار الأهم لقياس مدى نجاح الاتفاق. وهذه الملفات تمس بصورة مباشرة حياة السكان وحقوقهم ومصالحهم اليومية، وتشكل الأساس الذي ستُبنى عليه الثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمعات المحلية خلال المرحلة المقبلة.
وفي نهاية المطاف، يبقى المواطن العادي الحلقة الأكثر تأثراً بتأخّر حسم هذه الملفات، لأن ما يُناقش على طاولات التفاوض ينعكس مباشرة على حقوقه وممتلكاته ووثائقه الرسمية ومستقبل أبنائه، الأمر الذي يمنح هذه القضايا بعداً إنسانياً يتجاوز الحسابات السياسية والإدارية البحتة.
وقد يكون مستقبل الاتفاق مرهوناً بقدرة الأطراف المعنية، المحلية منها والإقليمية والدولية، على بلورة تسويات واقعية ومستدامة لهذه القضايا، أكثر من ارتباطه بإنجاز الترتيبات العسكرية والأمنية التي كانت، منذ البداية، الجزء الأسهل من معادلة الاندماج المعقدة.



#ضيا_اسكندر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ليس كل رفيق صديقاً
- لماذا تبدو الحياة جميلة؟
- سوريا على حافة الانفجار.. خطوات عاجلة لمنع الكارثة
- الوجع المتقاطع.. لماذا نؤذي من نحب؟
- حل الأزمة السورية بين الطرح السياسي واستحقاقات التنفيذ
- المناصب أولاً... والشهادات لاحقاً
- آخر أمرٍ عسكري
- فيضان الفرات.. من أغرق الجزيرة السورية؟
- التقمّص بين الإيمان والعلم: هل نعيش أكثر من حياة؟
- عفويّةٌ لا تتقن التمثيل
- مسرح الانتخابات السورية.. سبعة آلاف -ناخب- لتمثيل شعب
- الاستبصار في الحلم.. بين حدسٍ متوهّج ووهمٍ مُنمّق
- حين يتحوّل الضوء إلى رفاهٍ مستحيل
- العمال يُسحقون والنقابات تُتقن فنّ التفرّج
- مجرمون تحت الضوء… وآخرون في الظل
- القطاع العام السوري: قتله الأسد فساداً.. فهل يدفنه «النظام ا ...
- الكسل الثوري المُهذَّب
- الطلاق الصامت.. حين يتحوّل الزواج إلى عزلة مزدوجة
- ظاهرة الشيوخ في سوريا الجديدة
- الصعود إلى الهاوية


المزيد.....




- هكذا تتناول الحيوانات حول العالم -المثلجات- لمواجهة درجات ال ...
- هل يُمكننا بناء مدن أفضل لنعيش حياة أطول؟
- الفاصل بين اعتبارها مشروعة أو جريمة حرب.. ما تداعيات تنفيذ ت ...
- تهديد جديد من الحرس الثوري يستهدف المنطقة وتصدير الطاقة بعد ...
- رأي.. عبدالخالق عبدالله يكتب: دروس الحرب على إيران إماراتيًا ...
- كيف أعاد أردوغان تشكيل تركيا بعد محاولة انقلاب قبل 10 سنوات؟ ...
- -لن يتبقى لديهم شيء-.. ترامب يهدّد بضرب محطات الطاقة والجسور ...
- جبل طارق ينضم إلى شنغن وسياج الحدود يزال باتفاق أوروبي-بريطا ...
- وجوه رومانية قديمة بملامح واقعية تعرض في معرض بودابست
- إيران تعدم رجلا على خلفية احتجاجات يناير مع اتساع حملة قمع ا ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ضيا اسكندر - لماذا يتعثّر تنفيذ البنود المدنية في اتفاق 29 كانون الثاني بين دمشق و«قسد»؟