أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ضيا اسكندر - لماذا تبدو الحياة جميلة؟














المزيد.....

لماذا تبدو الحياة جميلة؟


ضيا اسكندر
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8758 - 2026 / 7 / 6 - 10:28
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


سؤال يبدو بسيطاً للوهلة الأولى، لكنه يلامس واحداً من أعمق ألغاز الوجود. فالحياة مزيج متشابك من النجاحات والإخفاقات، واللقاءات والفراق، والولادة والموت، والأمل والانكسار. ومع ذلك، يظل الإنسان متعلقاً بها تعلقاً عجيباً، يدافع عنها، ويتمسك بها، ويسعى إلى إطالة أمدها ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.
فما السر؟ ولماذا تبدو الحياة جميلة، رغم كل ما يثقلها من آلام ومحن؟
يرى البعض أن تعلقنا بالحياة يعود إلى غريزة البقاء التي جُبلنا عليها، بينما يرى آخرون أن الإنسان يبحث دائماً عن معنى يمنح أيامه قيمة. لكن هذه التفسيرات، على أهميتها، لا تكفي وحدها لفهم سر تعلقنا بهذه الحياة.
يكفي أن نتأمل أمّاً بسيطة تعمل في تنظيف المنازل. تنهض مع الفجر، وتعود منهكة عند الغروب، وظهرها مثقل بالتعب، ويداها تحملان آثار الكدح الطويل. قد لا تجد في يومها متسعاً للتأمل الفلسفي أو البحث عن أسرار الجمال، لكنها تجد ما يدفعها إلى مواصلة الطريق: رؤية أطفالها يكبرون أمام عينيها. هنا يتحول الجمال من فكرة مجردة إلى معنى حيّ يتجسد في العطاء والمحبة والمسؤولية. فالحياة تمنح الإنسان ما يخفف وطأة المعاناة.

أذكر أنني في أحد أصعب أيامي، بعد انتهاء علاقة عاطفية كنت أعلّق عليها كثيراً من الأحلام، جلست في شرفة منزلي مثقلاً بالخذلان، عاجزاً عن رؤية أي أفق مبهج. وبينما كنت غارقاً في أفكاري، سمعت ضحكة طفل تتسلل من الشارع. كانت ضحكة عفوية لا تعرف شيئاً عن الخسارات التي تثقل قلوب الكبار. لم تمحُ تلك الضحكة ألمي، لكنها خففت وطأته، وذكّرتني بأن الحياة ما زالت قادرة على أن تفاجئنا بلحظات صغيرة تفتح نافذة في جدار العتمة.
وهذه اللحظات هي أحد أسرار جمال الحياة. ابتسامة عابرة بين غريبين، رائحة المطر الأولى بعد صيف طويل، أغنية قديمة تعيد إلينا زمناً جميلاً، رسالة غير متوقعة من صديق قديم، أو طبق طعام تعدّه أمٌّ بحب لأبنائها. قد تبدو أشياء عادية، لكنها تمنح أيامنا دفئاً لا يُقاس بحجمها.
ولا يقتصر الجمال على العلاقات الإنسانية وحدها. فهناك جمال آخر نجده في المعرفة حين نكتشف فكرة جديدة، وفي الفن حين تهزنا قصيدة أو لوحة أو مقطوعة موسيقية، وفي الطبيعة حين نتأمل غروباً هادئاً أو سماءً مرصعة بالنجوم. وهناك متعة الإنجاز، حين نصل إلى هدف ظنناه بعيد المنال، فنشعر أن تعب الطريق لم يذهب سدى.
ثم تأتي الذكريات لتمنح الماضي حياة جديدة. فبعض اللحظات تستمر في مرافقتنا بصمت حتى بعد انقضائها، وتعود إلينا كلما احتجنا دفئها. وهكذا يصبح الماضي نفسه أحد مصادر القوة التي تعيننا على مواصلة الطريق.
ومن أقوى ما يربط الإنسان بالحياة قدرته على أن يكون سبباً في سعادة الآخرين. فالأب الذي يكدّ من أجل أسرته، والابنة التي ترعى والديها، والصديق الذي يقف إلى جانب صديقه في أوقات الشدة، جميعهم يجدون في العطاء معنى يجعل الحياة أعمق وأجمل.
ومع ذلك، تبقى في الحياة آلام لا تُحتمل وخسارات لا تُعوّض. هناك أشخاص رحلوا قبل أن ينالوا ما يستحقونه من عدل أو سعادة، وهناك من يعيشون ظروفاً قاسية لا تترك لهم مساحة واسعة لرؤية الجمال. والاعتراف بهذه الحقيقة يمنح حديثنا عن الحياة صدقاً وإنصافاً.
جمال الحياة يكمن في قدرتها المدهشة على أن تزرع وسط الألم بذوراً صغيرة من المعنى والأمل والدهشة. إنها لا تمنحنا السعادة على الدوام، لكنها تقدم لنا ما يجعل الاستمرار ممكناً.
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً: لماذا تبدو الحياة جميلة؟
ربما لأن الجمال يتشكل في العلاقة بين الإنسان وتجارب حياته. وربما لأننا، رغم كل ما نفقده، نظل قادرين على الحب والحلم والتعلم والعطاء. وربما لأن تلك الأم التي تخرج كل صباح لمواجهة يوم شاق، وذلك القلب المنكسر الذي تخفف عنه ضحكة طفل بعض ألمه، يقدمان الجواب الأبلغ: فالحياة، رغم كل ما تأخذه منا، لا تكف عن فتح نافذة جديدة في جدار العتمة.



#ضيا_اسكندر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سوريا على حافة الانفجار.. خطوات عاجلة لمنع الكارثة
- الوجع المتقاطع.. لماذا نؤذي من نحب؟
- حل الأزمة السورية بين الطرح السياسي واستحقاقات التنفيذ
- المناصب أولاً... والشهادات لاحقاً
- آخر أمرٍ عسكري
- فيضان الفرات.. من أغرق الجزيرة السورية؟
- التقمّص بين الإيمان والعلم: هل نعيش أكثر من حياة؟
- عفويّةٌ لا تتقن التمثيل
- مسرح الانتخابات السورية.. سبعة آلاف -ناخب- لتمثيل شعب
- الاستبصار في الحلم.. بين حدسٍ متوهّج ووهمٍ مُنمّق
- حين يتحوّل الضوء إلى رفاهٍ مستحيل
- العمال يُسحقون والنقابات تُتقن فنّ التفرّج
- مجرمون تحت الضوء… وآخرون في الظل
- القطاع العام السوري: قتله الأسد فساداً.. فهل يدفنه «النظام ا ...
- الكسل الثوري المُهذَّب
- الطلاق الصامت.. حين يتحوّل الزواج إلى عزلة مزدوجة
- ظاهرة الشيوخ في سوريا الجديدة
- الصعود إلى الهاوية
- حين تهتز عروش الكبار.. من السويس إلى واشنطن
- قُبلة… خارج النص!


المزيد.....




- استيقظ فوجده عنده.. دب يقتحم فندقًا فجرًا ويصل إلى غرفة أحد ...
- فرنسا وإسبانيا والبرتغال وغيرها.. حرائق الغابات تندلع بأجزاء ...
- حشود في طهران تودّع خامنئي وسط هتافات غاضبة ودعوات للانتقام ...
- -رجم ترامب-.. مراسم رمزية خلال جنازة خامنئي في إيران
- تحت أنقاض الزلزال: فتاة فنزويلية تروي أحداث 32 ساعة أمضتها م ...
- 4 قتلى بينهم 3 نساء في غارة إسرائيلية على النبطية الفوقا.. و ...
- -معركة البقاء- داخل أوبك بعد أزمة هرمز.. هل نشهد تفكك التكتل ...
- -يحمل رغبة شديدة في الانتقام-.. تقرير يكشف مخاوف إسرائيلية م ...
- اليابان: هل تصبح -الإمبراطورة- حلما مؤجلا؟
- أول لقاء رسمي يكشف أجندة الجامعة العربية في عهد أمينها العام ...


المزيد.....

- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ضيا اسكندر - لماذا تبدو الحياة جميلة؟