أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - ضيا اسكندر - هكذا يُبنى المواطن في شرقنا الرهيب!














المزيد.....

هكذا يُبنى المواطن في شرقنا الرهيب!


ضيا اسكندر
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8808 - 2026 / 8 / 25 - 20:53
المحور: سيرة ذاتية
    


كانت عقوبتي، وأنا طفل لم أتجاوز الثامنة من عمري، أن أُحبسَ في التواليت المشترك مع الجيران.
كان أبي يفضّل هذه العقوبة على غيرها؛ يفرضها عليّ بقسوة شديدة، يريد بها إذلالي وتطويعي وردعي عن المخالفات الصبيانية التي، لكثرتها، تؤكد أنني طفل مشاغب لا يهدأ. وربما كان أبي، من حيث لا يدري، يقرأ ملامح مستقبلي في شقاوة طفولتي؛ كأنه يرى فيّ، قبل أن أراه أنا، رجلاً سيكبر متمرداً على كل ما لا يقتنع به، غير عابئ كثيراً بما قد تجرّه عليه قناعاته من نتائج.
لم أكن أعرف، يومها، أنني سأكبر لأجد نفسي أمام السلطة الحاكمة وهي تعيد إنتاج العقوبة ذاتها، بصورة أكثر قسوة ورعباً.

بعد أن كبرت وتعاطيت السياسة، وجدتني في زنزانة انفرادية تشبه، إلى حدّ مؤلم، ذلك التواليت البعيد الذي كنت أقضي فيه عقوبتي طفلاً.
سلطتان: أبوية وحكومية، ولكل منهما باب يغلق على من في الداخل.
ورغم قسوة أبي، استطعت أن أتفهّم منطقه؛ فقد كان يعاقبني، وفق رؤيته، حرصاً عليّ وخوفاً من أن تنحرف بي شقاوتي إلى ما لا يُحمد عقباه. أما السلطة الحاكمة، فكانت تريد مواطناً مطيعاً، قليل الأسئلة، لا يرفع صوته بالاعتراض ولا يقول: لا.

لكن أكثر ما بقي في ذاكرتي هو تفاصيل العقوبتين.
في طفولتي، حين يفتح أحد الجيران باب التواليت لقضاء حاجته، يفاجأ بوجودي في الداخل. ينظر إليّ ببسمة مشفقة، ويتمتم بكلمات تحمل استنكاره لهذه العقوبة. أخرج مطأطئ الرأس، أرسم على وجهي ابتسامة مصطنعة، وأتنفس شيئاً من الهواء الطبيعي، ولو لدقائق معدودة، قبل أن أعود إلى سجني الصغير من جديد.
كان الخجل يومها هو أقصى ما أعرفه من الألم. في السجن، تعرّفت إلى خوف من نوع آخر.
حين يفتح السجّان باب الزنزانة الحديدي، يكفي صليل الباب ليوقظ في جسدي كل ذرات الرعب. تنهال عليّ شتائمه، فأشعر بفرائصي ترتعد؛ لأنني كنت أعرف أن فتح الباب يعني جولة جديدة من العذاب؛ عذاباً لا علاقة له بالتأديب أو الإصلاح، ولا بأي معنى يجعل العقوبة مفهومة أو إنسانية.
أدركت أن الفرق بين التجربتين لا يكمن في المكان وحده، وإنما في المعنى الذي تحمله العقوبة.

في طفولتي، كنت أُحبس لأن أبي يخشى أن أصبح شيئاً لا يريده لي. وحين كبرت، حُبست لأن السلطة تخشى أن أصبح شيئاً لا تريده هي.
وبين الخوفين، كبرت.
كبرت من طفل يُعاقب لأنه مشاغب، إلى مواطن يُعاقب لأنه يفكر.
ولعل أكثر ما يثير السخرية المرّة أن أبي، في عقوبته القديمة، كان يريد أن يطوّعني كي أصبح مواطناً صالحاً كما يتصور؛ بينما أرادت السلطة أن تطوّعني كي أصبح مواطناً صالحاً لها.

لهذا، كلما تذكرت ذلك التواليت الصغير، لا أراه مجرد مكان عشت فيه عقوبة طفولية. أراه اليوم كأنه درس مبكر في علاقتنا بالسلطة: باب يُغلق على طفل، ثم يكبر الطفل ليجد باباً حديدياً آخر يُغلق عليه.
فما أشدّ تشابه السجون حين يكون الهدف واحداً: أن يتعلم الإنسان كيف يخاف، بدلاً من أن يتعلم كيف يفكر.
نعم، هكذا يُبنى المواطن في شرقنا الرهيب.



#ضيا_اسكندر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أجمل الطرق ما لم نسلكه بعد
- تسوية العسكريين السابقين في سوريا بين التأخير والغموض
- إنهاء الكفاح المسلح.. لا يعني نهاية القضية الكردية
- يكفيه أن يسمع: «ألو»
- مجلس الشعب بلا تصفيق... هل يكفي ذلك؟
- لا تغيير من دون حراك شعبي شامل
- لماذا يتعثّر تنفيذ البنود المدنية في اتفاق 29 كانون الثاني ب ...
- ليس كل رفيق صديقاً
- لماذا تبدو الحياة جميلة؟
- سوريا على حافة الانفجار.. خطوات عاجلة لمنع الكارثة
- الوجع المتقاطع.. لماذا نؤذي من نحب؟
- حل الأزمة السورية بين الطرح السياسي واستحقاقات التنفيذ
- المناصب أولاً... والشهادات لاحقاً
- آخر أمرٍ عسكري
- فيضان الفرات.. من أغرق الجزيرة السورية؟
- التقمّص بين الإيمان والعلم: هل نعيش أكثر من حياة؟
- عفويّةٌ لا تتقن التمثيل
- مسرح الانتخابات السورية.. سبعة آلاف -ناخب- لتمثيل شعب
- الاستبصار في الحلم.. بين حدسٍ متوهّج ووهمٍ مُنمّق
- حين يتحوّل الضوء إلى رفاهٍ مستحيل


المزيد.....




- روسيا تحذر.. توسع الناتو تهديد لأمننا
- أردوغان: نحن -دولة عظمى- ولن نخضع لـ-دولة صغيرة- أُنشئت بشكل ...
- أرمينيا على طريق الاتحاد الأوروبي.. هل تبتعد يريفان نهائياً ...
- مليون طفل على حافة الموت في أفغانستان.. تحذير أممي من كارثة ...
- حالة من القلق بين الإيرانيين بعد إعلان العقوبات الأمريكية
- لجنة الحكام تحسم الجدل حول ركلة جزاء الأهلي ضد الشرقية إنبي ...
- سفراء «الطفولة والأمومة» يتعرفون على مهام الهلال الأحمر في م ...
- «أهلاً بالصيف» تجمع أطفال المحافظات الحدودية في رأس البر.. أ ...
- “الطفولة والأمومة” يحبط محاولة زواج طفلة تبلغ 16 عامًا بمحاف ...
- ممدوح عباس يهاجم بيزيرا: «مش هو اللي يبيع ويشتري في الزمالك» ...


المزيد.....

- مذكرات وذكريات مهندس عراقي في السويد / المهندس صباح يوسف ابراهيم
- مذكرات وذكريات مهندس عراقي في السويد / مذكرات وذكريات مهندس في العراق
- الدنمارك، نسير معاً، كل بمفرده / حكمة اقبال
- رسالة الى اخي المعدوم / صادق العلي
- كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر ... / عبدالرؤوف بطيخ
- أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة / تاج السر عثمان
- سيرة القيد والقلم / نبهان خريشة
- سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن / خطاب عمران الضامن
- على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - ضيا اسكندر - هكذا يُبنى المواطن في شرقنا الرهيب!