أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ضيا اسكندر - يكفيه أن يسمع: «ألو»














المزيد.....

يكفيه أن يسمع: «ألو»


ضيا اسكندر
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8779 - 2026 / 7 / 27 - 12:53
المحور: الادب والفن
    


لم يعُد يطلب لقاءً، ولا شرحاً يبدد وحشته، ولا أعذاراً تُبرر الغياب. كل ما يحتاجه أحياناً أن يرنّ هاتفه، فيسمع من الطرف الآخر: «ألو يا أبي... كيف حالك؟» عندها يضيء نهاره، ولو كان في آخر الليل، ويشعر أن سنوات عمره لم تمضِ هباءً.
ولكن... كيف لأبٍ أن يسمع تلك الكلمات، إذا كان رقمه محظوراً، واسمه قد مُحي من ذاكرة الهاتف... ومن ذاكرة البيت؟

في الليل، يصبح الصمت أثقل من الجدران، ويغدو البيت الواسع مجرد فراغٍ يتردد فيه صدى خطوات رجلٍ فقد دفء العائلة، لكنه لم يفقد حبه لها يوماً. أبٌ يعيش وحيداً، لا يحمل في قلبه ضغينةً لأحد، ولا يسكنه حقدٌ أو رغبةٌ في الانتقام، بل يحمل شوقاً لا يهدأ لابنه وابنته.
هما اللذان اختارا الوقوف إلى جانب أمهما، وأغلقا أبواب قلبيهما في وجهه، وربما صدّقا روايةً لم يُتح له أن يروي، في مقابلها، روايته. لكنهما لم يعلما أن الأب، مهما أثقلته الجراح، يبقى قلبه معلقاً بأبنائه؛ يفرح لفرحهم وإن غاب عنهم، ويحزن لحزنهم وإن لم يعلموا، ويدعو لهم في صلاته كما كان يفعل يوم كانوا صغاراً ينامون بين ذراعيه.
لم يعد يحلم بلقاءٍ طويل، ولا بعناقٍ يعيد ما انكسر. صار أقصى أمانيه أن يسمع كلمةً واحدة... «ألو».

ولهذا، كلما ضاق به الحنين، يستعير هاتف أحد أصدقائه ويتصل. يعرف أن رقمه محظور، وأن اسمه لم يعد مرحباً به، فيغامر برقمٍ غريب، فقط ليخطف ثانيةً من صوت أحدهما. وما إن يسمع كلمة «ألو»، حتى يشعر بأن الحياة عادت تتنفس في صدره. ثم يغلق الخط بهدوء، قبل أن يدرك صاحب الصوت أن الأب الذي انتظر تلك الكلمة أشهراً، كان على الطرف الآخر.

وحين يشتد الغياب، يفتح صفحتيهما على فيسبوك. يتأمل صورةً جديدة، ويفرح بمنشورٍ يطمئنه أنهما بخير. يعرف من الصور أن ابنته قصّت شعرها، وأن ابنه كبر عاماً آخر، ويقرأ من تفاصيل حياتهما حياةً لم يعد جزءاً منها، كما يقرأ الغريب أخبار مدينةٍ كان يسكنها يوماً.
مؤلمٌ أن يتحول الأب إلى زائرٍ خفي في حياة أبنائه، يسترق أخبارهم من شاشة، ويقتات على صورهم، ويعتبر سماع «ألو» عيداً صغيراً.

الأبوة لا تعرف الكراهية. قد تنكسر، وقد تتعب، وقد تبكي بصمت، لكنها لا تتوقف عن الانتظار. يترك الأب باب قلبه موارباً، مؤمناً بأنه مهما طال الغياب، فستأتي لحظة يدرك فيها الأبناء أن خلافات الكبار لا ينبغي أن تحرم القلوب من حقها في الحب.
وسيظل، كلما أظلم الليل، يدعو لهما كما كان يفعل وهما نائمان تحت سقفٍ واحد، ويهمس لنفسه:
لعل الغد يحمل اتصالاً... هذه المرة، لا يستعير فيه هاتف صديق، ولا يكتفي بكلمة «ألو».



#ضيا_اسكندر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مجلس الشعب بلا تصفيق... هل يكفي ذلك؟
- لا تغيير من دون حراك شعبي شامل
- لماذا يتعثّر تنفيذ البنود المدنية في اتفاق 29 كانون الثاني ب ...
- ليس كل رفيق صديقاً
- لماذا تبدو الحياة جميلة؟
- سوريا على حافة الانفجار.. خطوات عاجلة لمنع الكارثة
- الوجع المتقاطع.. لماذا نؤذي من نحب؟
- حل الأزمة السورية بين الطرح السياسي واستحقاقات التنفيذ
- المناصب أولاً... والشهادات لاحقاً
- آخر أمرٍ عسكري
- فيضان الفرات.. من أغرق الجزيرة السورية؟
- التقمّص بين الإيمان والعلم: هل نعيش أكثر من حياة؟
- عفويّةٌ لا تتقن التمثيل
- مسرح الانتخابات السورية.. سبعة آلاف -ناخب- لتمثيل شعب
- الاستبصار في الحلم.. بين حدسٍ متوهّج ووهمٍ مُنمّق
- حين يتحوّل الضوء إلى رفاهٍ مستحيل
- العمال يُسحقون والنقابات تُتقن فنّ التفرّج
- مجرمون تحت الضوء… وآخرون في الظل
- القطاع العام السوري: قتله الأسد فساداً.. فهل يدفنه «النظام ا ...
- الكسل الثوري المُهذَّب


المزيد.....




- مصر تعلن غلق هرم منكاورع وتكشف الأسباب
- مشهد يشعل نزاعا بين مسلسل -القبيحة- وفيلم -بيرغن-
- جمهور مهرجان تورنتو السينمائي يرسم الطريق للأوسكار
- شيري عادل تنجو من حادث سير في طريقها إلى مهرجان -الغردقة لسي ...
- بعد أحداث 11 سبتمبر.. لم تعد أفلام نيويورك كما كانت من قبل
- وزير الزراعة والممثل الإقليمي لـ «الفاو» يشهدان توقيع مشروعي ...
- -أجبرنا على تخطي كل شيء-.. ريهام عبدالغفور تعبر عن اشتياقها ...
- قصة حب كادت ألا تحصل.. جزيرة يونانية تجمع قلبين في قصة تشبه ...
- أمسية أردنية خاصة في موسكو لتعزيز التعاون الثقافي والسياحي م ...
- أنقذا مخطوطات غزة من الإبادة.. فلسطينيان يفوزان بجائزة اليون ...


المزيد.....

- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ضيا اسكندر - يكفيه أن يسمع: «ألو»