أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ضيا اسكندر - مجلس الشعب بلا تصفيق... هل يكفي ذلك؟














المزيد.....

مجلس الشعب بلا تصفيق... هل يكفي ذلك؟


ضيا اسكندر
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8772 - 2026 / 7 / 20 - 13:59
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليس من السهل العثور على ما يستحق الثناء في المشهد السياسي السوري الراهن. فالمجلس الذي انعقدت جلسته الأولى مؤخراً جاء نتيجة آلية اختيار وتعيين أثارت اعتراضات واسعة لدى غالبية القوى السياسية السورية، بوصفها تفتقر إلى أبسط المعايير الديمقراطية التي يفترض أن تقوم عليها أي مؤسسة تشريعية تحترم نفسها وتحترم شعبها.
كما أن كثيراً من السوريين ينظرون إلى السلطة القائمة بوصفها سلطة أمر واقع، وصلت إلى الحكم عبر صفقة إقليمية دولية، تقاطعت فيها مصالح القوى الخارجية أكثر مما تجلت فيها إرادة السوريين أنفسهم. لذلك يصعب تناول مجلس الشعب الجديد بمعزل عن هذه الحقائق أو القفز فوق الأسئلة المتعلقة بشرعيته وتمثيله.
لكن وسط هذا المشهد المزدحم بالتحفظات والأسئلة، برز تفصيل صغير استرعى الانتباه: غياب التصفيق في الجلسة الأولى للمجلس.

قد يبدو الأمر هامشياً للوهلة الأولى، إلا أن السوريين الذين عاشوا عقوداً في ظل نظام جعل الولاء السياسي جزءاً من الحياة العامة يدركون حجم الدلالة الكامنة وراء هذا الغياب. التصفيق في الحياة السياسية السورية تحوّل مع الزمن إلى ثقافة سياسية كاملة.
في سوريا الأسد، كان الوزراء والنواب والطلاب والعمال والموظفون وأعضاء النقابات والمنظمات مطالبين بإظهار الولاء بالطريقة نفسها. واكتسب التصفيق معنى سياسياً يتجاوز التعبير عن التأييد، فأصبح بمثابة شهادة ولاء علنية، بينما أحاطت الشبهات والريبة بكل من يخرج عن هذا الإيقاع الجماعي.
لقد كان مجلس الشعب في عهد الأسدين أحد أكثر رموز الإفلاس السياسي فجاجة. مؤسسة يفترض أن تمثل الشعب وتمارس الرقابة على السلطة، تحولت إلى شاهد زور على تغوّلها. نواب يتنافسون في إظهار الولاء، وخطب تُقاطع بعواصف من التصفيق، وقرارات تمر بإجماعات شبه مطلقة، حتى بدا المجلس أقرب إلى فرقة كورال سياسية منه إلى هيئة تشريعية.

ومع مرور السنوات، اكتسب التصفيق وظيفة سياسية واضحة. إذ تحول إلى رمز لمرحلة كاملة من التبعية السياسية، وإلى أداة لإقصاء العقل النقدي وتحويل العمل العام إلى طقس من طقوس التمجيد. وترسخت صورة النائب الذي يصفق ويهتف ويبارك، فيما تراجعت صورة النائب الذي يسائل ويناقش ويدافع عن مصالح الناس.
لهذا السبب يكتسب غياب التصفيق في الجلسة الأولى أهمية تتجاوز حدود البروتوكول. الصمت الذي خيّم على القاعة حمل دلالة رمزية عميقة، لأنه كسر مشهداً ظل السوريون يشاهدونه لعقود طويلة حتى كاد يصبح جزءاً من تعريف السلطة نفسها.
ومن المؤكد أن غياب التصفيق لم يكن نتاج صحوة ديمقراطية مفاجئة تحت القبة، ولا ثمرة اقتناع جماعي لدى النواب بفضائل العمل البرلماني. فمجلس جرى تعيين أعضائه من فوق لا يملك ترف صناعة تقاليده السياسية من تلقاء نفسه. المنطق يقول إن تعليمات واضحة صدرت للأعضاء بعدم التصفيق، في إطار محاولة واعية للتخلص من الصورة الكاريكاتورية التي التصقت بمجالس الشعب في عهد الأسدين.
غير أن هذه الحقيقة لا تنتقص من دلالة ما حدث. صدور تعليمات تمنع التصفيق يحمل دلالته الخاصة أيضاً. كما أن السلطة الجديدة تدرك أن التصفيق والهتاف والتزكية الجماعية تحولت في الوعي السوري إلى أحد رموز الحقبة السابقة، وأن إعادة إنتاج تلك المشاهد منذ الجلسة الأولى كانت ستشكل هدية مجانية لمنتقديها.

لقد صفق مجلس الشعب السابق لكل شيء: للتوريث، وللقمع، وللقوانين الاستثنائية، وللسياسات التي أوصلت البلاد إلى الانفجار. تراكم التصفيق فوق التصفيق، فيما كانت البلاد تتجه نحو مزيد من الأزمات والانقسامات والكوارث. ولم يسجل التاريخ لذلك المجلس موقفاً يوازي حجم الولاء الذي أظهره أو حجم التصفيق الذي ملأ قاعاته.
من هنا تأتي قيمة ما جرى في الجلسة الأولى. الإشادة بغياب التصفيق لا تعني منح المجلس صك براءة، ولا التغاضي عن العيوب الجوهرية التي رافقت تشكيله، وإنما تعني الترحيب بسقوط واحدة من أكثر الممارسات السياسية ابتذالاً في تاريخ الحياة العامة السورية.
لهذا السبب، لا يبدو منطقياً تحميل هذه الواقعة أكثر مما تحتمل، ولا تحويل غياب التصفيق إلى بشارة سياسية أو مقدمة لتفاؤل مجاني. غياب التصفيق لا يكفي وحده لإضفاء صفة التمثيل الشعبي على أي مؤسسة، كما أن التخلص من أحد طقوس الاستبداد لا يعني التخلص من الاستبداد نفسه.
نعم، من حق السوريين أن يرحبوا باختفاء مشهد التصفيق الذي رافق خراب البلاد لعقود. لكن من حقهم أيضاً ألا يكونوا سذّجاً إلى درجة الخلط بين تغيير في الإخراج السياسي وتغيير في جوهر السياسة.
فبعد نصف قرن من التصفيق، تعلم السوريون درساً قاسياً: الكارثة لا تصبح أقل خطورة عندما تُستقبل بالصمت بدلاً من التصفيق. أما المجلس الذي يُشكَّل بالتعيين لا بالانتخاب، فلا توجد أسباب تدعو للاعتقاد بأنه سينتج حياة سياسية مختلفة عن تلك التي عرفها السوريون لعقود. ذلك أن أزمة التمثيل لا تُحل بإسكات الأيدي المصفّقة، وإنما بإعطاء الناس حق اختيار من يتحدث باسمهم.



#ضيا_اسكندر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لا تغيير من دون حراك شعبي شامل
- لماذا يتعثّر تنفيذ البنود المدنية في اتفاق 29 كانون الثاني ب ...
- ليس كل رفيق صديقاً
- لماذا تبدو الحياة جميلة؟
- سوريا على حافة الانفجار.. خطوات عاجلة لمنع الكارثة
- الوجع المتقاطع.. لماذا نؤذي من نحب؟
- حل الأزمة السورية بين الطرح السياسي واستحقاقات التنفيذ
- المناصب أولاً... والشهادات لاحقاً
- آخر أمرٍ عسكري
- فيضان الفرات.. من أغرق الجزيرة السورية؟
- التقمّص بين الإيمان والعلم: هل نعيش أكثر من حياة؟
- عفويّةٌ لا تتقن التمثيل
- مسرح الانتخابات السورية.. سبعة آلاف -ناخب- لتمثيل شعب
- الاستبصار في الحلم.. بين حدسٍ متوهّج ووهمٍ مُنمّق
- حين يتحوّل الضوء إلى رفاهٍ مستحيل
- العمال يُسحقون والنقابات تُتقن فنّ التفرّج
- مجرمون تحت الضوء… وآخرون في الظل
- القطاع العام السوري: قتله الأسد فساداً.. فهل يدفنه «النظام ا ...
- الكسل الثوري المُهذَّب
- الطلاق الصامت.. حين يتحوّل الزواج إلى عزلة مزدوجة


المزيد.....




- الولايات المتحدة تهاجم مدناً إيرانية، وطهران تقول إنها تخوض ...
- الجيش الإيراني: استهدفنا بالصواريخ منظومات -هيمارس- في قاعدة ...
- في مواجهة مبادرة واشنطن … المجلس العسكري لثوار مصراتة يعلن ع ...
- لقطات تظهر شجارا عنيفا داخل مطعم شهير في كاليفورنيا (فيديو) ...
- موسكو تختبر مستقبل النقل.. ترامات ذكية تمهد الطريق للقيادة ا ...
- عاصفة استوائية -مهددة للحياة- تضرب فلوريدا وتكساس ولويزيانا ...
- مباشر: إيران تخوض -حربا شاملة- مع أمريكا والحوثيون في اليمن ...
- هاجس الهزيمة يضرب معسكر ترمب.. هل تتجاوز ماغا والجمهوريون حا ...
- واشنطن تصعّد هجماتها لليلة العاشرة وطهران تفعّل الدفاعات حول ...
- الجيش الأمريكي يكشف عن عدد مصابيه خلال الأسبوعين الماضيين من ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ضيا اسكندر - مجلس الشعب بلا تصفيق... هل يكفي ذلك؟