أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كريم عبدالله - إنّها ليلةٌ لا تُنسى














المزيد.....

إنّها ليلةٌ لا تُنسى


كريم عبدالله

الحوار المتمدن-العدد: 8877 - 2026 / 11 / 2 - 13:23
المحور: الادب والفن
    


أتعلمين كم تبلغ قسوةُ الانتظار حين يكون المنتظَر حبيبةً لن تأتي، وحين يعرف القلب، في مكانٍ عميقٍ منه، أن الباب الذي ظلّ مفتوحاً طوال الليل لن يُطرَق أبداً؟

إنها ليلةٌ لا تُنسى؛ ليلةٌ تتكاثر فيها الفوضى حولي، ويضيق المكان على وحدتي، وتنهض أطياف الذاكرة من مراقدها كأنها خرجت لتوّها من مقبرةٍ لم تُغلق أبوابها جيداً. لا أحد هنا سواي، وسوى غيابكِ الذي يتصرّف كأنه الكائن الوحيد الذي يملك حقّ الإقامة في هذا المكان.

أجلس قبالة العتمة، وأترك للساعة أن تمارس عبثها المعتاد؛ عقاربها تدور، لكن الزمن لا يتقدّم. ثمة شيءٌ عالقٌ في تلك اللحظة التي انطفأتِ فيها من العالم، شيءٌ لم يستطع الموت أن يأخذه، ولم تستطع الحياة أن تعيده إلى موضعه.

أتعلمين ما الذي يربكني أكثر؟

أنني لم أعد أتذكّركِ كما كنتِ؛ فالذاكرة لا تحتفظ بالوجوه على صورتها الأولى، إنها تعيد اختراع الغائبين كلما اشتدّ الحنين إليهم. تمنح عينيكِ ضواء لم يكن فيهما، وتستعيد نبرة صوتكِ من قاع الصمت، وتعيد ترتيب ملامحكِ فوق وسادةٍ لم يعد ينام عليها أحد.

وحده عطركِ ما زال عصيّاً على النسيان.

إلى أي مدى سيظلّ عطر جسدكِ عالقاً في ذاكرتي؟ كيف استطاعت رائحتكِ أن تنجو من انطفاء الجسد، وأن تتجاوز حدود الغياب، لتصبح سجّانةً خفيّةً لروحي؟ كلما ظننتُ أنني تحرّرتُ منكِ، باغتتني نفحةٌ عابرة، فتنهار المسافة التي شيّدتها بيني وبينكِ، وأعود إلى تلك اللحظة التي كان فيها العالم أقلّ وحشةً لأنكِ كنتِ فيه.

لم أكن أعرف أن للعطر ذاكرةً تفوق ذاكرة الإنسان، وأن بإمكان رائحةٍ واحدة أن تستعيد مدينةً كاملة، وأن تفتح في جدار الزمن نافذةً تطلّ على جسدٍ لم يعد موجوداً.

أحياناً أمدّ يدي نحو الفراغ، لا لأنني أتوهم أنكِ هناك، بل لأن الجسد يتأخر كثيراً في فهم ما أدركته الروح منذ زمن. وما أقسى أن يصبح الحنان حركةً بلا متلقٍّ، وأن تظلّ اليد تتذكّر دفء يدٍ لن تلامسها ثانية.

هذه الليلة لا أريد أن أقاوم ذاكرتكِ. سأدعها تفعل بي ما تشاء؛ لتقلب أدراج العمر، وتبعثر الصور، وتستخرج من عتمة السنوات ما تبقّى من ضحكتكِ. سأترك الحنين يمرّ في عروقي كأنه نهرٌ يبحث عن مصبٍّ اختفى، وسأصغي إلى ذلك الصمت الذي خلّفتِه، لعلّ فيه بقيةً من صوتكِ.

فأنتِ الآن لستِ امرأةً غائبةً فحسب؛ أنتِ المسافة التي لا تنتهي بين ما كان وما لن يكون، والباب الذي لم يعد يفضي إلى مكان، والقصيدة التي يكتبها الفقد كلما عجزتُ عن كتابة اسمكِ.

يا من لم يبقَ منكِ في هذا العالم سوى الذاكرة...

لا أعرف إن كنتِ قد رحلتِ حقاً، أم أن العالم هو الذي فقد القدرة على رؤيتكِ. لكنني أعرف أن ثمة ليلةً واحدةً تستطيع أن تختصر عمراً بأكمله، وأن بعض الغائبين لا يغادروننا؛ إنهم يغيّرون فقط هيئة حضورهم، فيتحوّلون من أجسادٍ نحبّها إلى ذاكرةٍ لا نملك شجاعة الخروج منها.

إنها ليلةٌ لا تُنسى...

ولعلّ أكثر ما يجعلها كذلك، أنني للمرة الأولى لا أنتظر عودتكِ، بل أنتظر أن أتعلم كيف أنجو من انتظاركِ.



#كريم_عبدالله (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مملكتكِ الاسطورية
- قراءة نقدية في ضوء نظرية ماسلو لقصيدة : اعترافٌ بالحبّ لم يُ ...
- قصائد من الهند للشاعرة الهندية : بامي ساندو ترجمة : كريم عبد ...
- وجهُكِ… حين انتصرتِ على المرايا
- الذكرى الأخيرة في المطار
- المرّةُ السابعة
- شهودُ الوردةِ الحمراء
- حين كان الجمالُ يتعلَّمُ أسماءَه منكِ
- يا حبيبتي... أوَ لا تتذكرين؟
- مذكّرات مقاتل في جبهة العشق
- قصائد من ايطاليا – للشاعرة : إليسا ماسيا .. ترجمة : كريم عبد ...
- حين أعلنت مدنكِ استسلامها للنار
- صدور المجلد الثاني من كتابنا المشترك أنفاس من الشرق والغرب.. ...
- أسطورةُ اللباس الأبيض
- الهزيمةُ الأولى... وامرأةٌ تُعيدُ القلبَ إلى الحياة
- عندما يصيرُ الحبُّ ظِلًّا يأكلُ صاحبَه
- الكعبةُ تخلعُ بياضَها لدمِ الحسين
- حينَ ارتدى الفجرُ سيفَهُ الأخير
- في آخرِ لقاءٍ
- الأرضُ التي نسيتْ اسمَها في فمِ القصيدة


المزيد.....




- توقعوا موتها ونصحوها بالعمل في مخبز بدلا من التمثيل.. كيف أص ...
- حلم الحج والمنفى الفلسطيني في أول اختيارات مهرجان روتردام ال ...
- -أرض اللبان- ينقل حكاية التراث العُماني إلى جمهور سانت بطرسب ...
- باولو فونسيكا يقترب من تولي القيادة الفنية لنادي سبورتينغ لش ...
- -بطاقة بوشكين- تحقق للمكتبات الروسية مبيعات تتجاوز مليار روب ...
- في الذكرى الثالثة لعملية طوفان الأقصى: ثقافة المقاومة والأسئ ...
- آرسنال أرتيتا.. تحول استراتيجي يجمع بين الأناقة الفنية والصل ...
- صفحة من مصحف بغدادي نادر من القرن الرابع عشر في مزاد بلندن
- إصابة المخرج الأميركي مايكل مان بطلق ناري من طريق الخطأ
- جواز سفر عماني في مشهد للشعوذة يثير الجدل.. وسعيد الماروق يع ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كريم عبدالله - إنّها ليلةٌ لا تُنسى