|
|
قراءة نقدية في ضوء نظرية ماسلو لقصيدة : اعترافٌ بالحبّ لم يُفصح عنه - للشاعرة الهندية بامي ساندو بقلم: كريم عبدالله – العراق
كريم عبدالله
الحوار المتمدن-العدد: 8862 - 2026 / 10 / 18 - 15:30
المحور:
الادب والفن
أولاً: مدخل إلى التجربة الشعرية
لا تقوم قصيدة «اعترافٌ بالحبّ لم يُفصح عنه» على إعلان الحبّ بصورة مباشرة، بل على استكشاف آثاره الخفية في النفس الإنسانية. فالشاعرة / بامي ساندو/ لا تبدأ باعترافٍ حاسم، ولا تنطلق من يقينٍ متبادل بين عاشقين، وإنما تفتح أمام القارئ سلسلة من الأسئلة التي تتقصّى حضور المحبوب في الذاكرة والوجدان والوعي اليومي.
إنها قصيدة تبحث عن الإجابة في المسافة الفاصلة بين الشعور والإفصاح، وبين الرغبة في أن نكون محبوبين والخوف من أن يكون الحبّ تجربة أحادية الجانب.
وتكمن خصوصية هذا النص في أن الشاعرة لا تسأل عن وجود الحبّ فحسب، بل عن علاماته الدقيقة: ابتسامة تستدعيها الذكرى، واسم يتسلّل إلى الذهن، ومساء يفقد عذوبته، وقمر يبدو وحيداً، وروح تمتدّ عبر زرقة السماء بحثاً عن روح أخرى.
هكذا يتحوّل الغياب من واقعة خارجية إلى تجربة داخلية، ويصبح المحبوب حاضراً في الوعي على الرغم من غيابه عن المكان.
ومن هذا المنطلق، تتيح لنا نظرية / أبراهام ماسلو / في الدافعية الإنسانية قراءة القصيدة بوصفها حركة نفسية تتدرّج من الحاجة إلى الاتصال العاطفي، مروراً بالرغبة في الاعتراف المتبادل، وصولاً إلى البحث عن معنى أعمق للحياة يتحقّق من خلال الحبّ.
ثانياً: الحبّ والانتماء في هرم ماسلو
تُعدّ الحاجة إلى الحبّ والانتماء المستوى الثالث في التصوّر التقليدي لهرم ماسلو، بعد الحاجات الفسيولوجية وحاجات الأمن، وقبل حاجات التقدير وتحقيق الذات.
ولا يعني هذا الترتيب أن الإنسان ينتقل آلياً من مستوى إلى آخر، أو أن الحبّ لا يظهر إلا بعد إشباع جميع الحاجات السابقة؛ فماسلو نفسه أقرّ بتداخل الحاجات وتفاوت أهميتها من شخص إلى آخر. لذلك، فإن استخدام نظريته في تحليل الشعر ينبغي أن يكون أداةً للتأويل، لا تشخيصاً نفسياً للشاعرة أو للمتكلم في القصيدة.
في هذا السياق، تبدو الحاجة إلى الانتماء هي المحرّك الأساسي للنص. فالمتكلم لا يكتفي بأن يحبّ، بل يريد أن يعرف إن كان الحبّ يجد صداه في الطرف الآخر.
يقول:
«هل تبتسمين حين تنهض الذكريات، وتشعرين بحضوري حين لا أكون بقربكِ؟»
إن السؤال هنا يتجاوز استعادة الذكريات إلى البحث عن التبادل الوجداني. فالمتكلم يريد أن يتأكّد من أن حضوره لم ينتهِ بانتهاء اللقاء، وأن العلاقة تجاوزت حدود المكان لتستقرّ في الذاكرة والمشاعر.
وهنا تتجلّى إحدى أهم حاجات الإنسان النفسية: ألا يشعر بأنه موجود في حياة الآخرين من طرف واحد، بل أن يجد في وجدانهم مكاناً يقابل المكان الذي احتفظ لهم به في وجدانه.
إن الحبّ في هذه القصيدة ليس امتلاكاً للمحبوب، بل رغبة في الانتماء المتبادل؛ أن يكون لكلّ روحٍ موضعٌ آمن في روح أخرى.
ثالثاً: السؤال الشعري بوصفه اختباراً للوجود العاطفي
تقوم البنية التعبيرية للقصيدة على التكرار المتعاقب للاستفهام: «هل تفتقدينني؟»، «هل يتسلّل اسمي؟»، «هل تبتسمين؟»، «هل يتوقّف قلبكِ؟»، «هل تبحثين عنّي؟».
وهذا التكرار ليس مجرد وسيلة إيقاعية، بل هو آلية نفسية تكشف عن عدم اليقين.
فالمتكلم لا يملك إجابةً مؤكّدة، ولذلك يعيد صياغة السؤال عبر مواقف مختلفة، كأنه يجمع أدلّة صغيرة على حقيقةٍ يخشى أن تكون وهماً.
إنه يبحث عن الحبّ في التفاصيل التي قد لا يلتفت إليها الآخرون، لأن التفاصيل تصبح ذات قيمة استثنائية عندما تكون المشاعر معلّقة على احتمال الاستجابة.
ومن الناحية النقدية، يمكن النظر إلى هذا التتابع بوصفه حركةً من الخارج إلى الداخل: يبدأ بالسؤال عن الغياب والذكريات، ثم ينتقل إلى القلب والروح، وينتهي بمساءلة حقيقة العلاقة نفسها.
ومع ذلك، فإن لهذا الأسلوب مفارقةً جمالية؛ فكلّ سؤال يقرّبنا من عمق التجربة، لكنه يؤجّل الإجابة أيضاً. وبهذا التأجيل يتولّد التوتر العاطفي الذي يمنح القصيدة قدرتها على الاستمرار.
إن الصمت هنا ليس فراغاً لغوياً، بل هو المساحة التي يتحرّك فيها الخوف من الحبّ غير المتبادل.
رابعاً: الحاجة إلى التقدير والاعتراف المتبادل
يأتي المستوى الرابع في هرم ماسلو مرتبطاً بالحاجة إلى التقدير، بما يتضمّنه من الشعور بالقيمة والاحترام والاعتراف من الآخرين.
وفي القصيدة، تظهر هذه الحاجة بوضوح حين يسأل المتكلم:
«أم أنّني وحدي أعيش هذا القلق العذب، واسمكِ يستقرّ إلى الأبد فوق صدري؟»
يمثّل هذا السؤال لحظة انكشاف نفسي؛ فالمتكلم الذي أمضى معظم القصيدة يتخيّل احتمالات اشتياق المحبوبة، يعترف هنا باحتمال آخر: أن يكون وحده في هذه التجربة.
إنه لا يخشى الغياب فحسب، بل يخشى ألّا يكون لحضوره في حياة المحبوبة المعنى نفسه الذي يمنحه لحضورها في حياته.
وهذه نقطة جوهرية في فهم النص وفق منظور ماسلو؛ فالحاجة إلى الحبّ تتداخل مع الحاجة إلى الشعور بأننا جديرون به، وأن مشاعرنا ليست عبئاً على الطرف الآخر أو وهماً صنعناه لأنفسنا.
غير أن ثمة تمييزاً ضرورياً: القصيدة لا تثبت أن المتكلم يعاني تدنّي تقدير الذات، وإنما تكشف عن حاجته إلى التحقق العاطفي، وهي حاجة إنسانية لا تعني بالضرورة ضعف الشخصية أو اهتزاز قيمتها.
ومن هنا تتجاوز القصيدة حدود الغزل التقليدي، لتطرح سؤالاً أكثر حساسية: هل يكفي أن نحبّ لكي نشعر بأننا محبوبون، أم أننا نحتاج إلى علامةٍ ما تجعل هذا الحبّ قابلاً للتصديق؟
خامساً: الصور الشعرية وتحويل الغياب إلى تجربة حسية
تتميّز القصيدة باستخدام صور مألوفة في الشعر العاطفي، لكنها تؤدي وظائف نفسية واضحة داخل سياقها.
1. الشفق والصمت
«هل تفتقدينني حين يُسدل الشفق ستارَه، حين يهمس الصمت خلف جدرانكِ؟»
يهيّئ الشفق فضاءً انتقالياً بين الضوء والظلام، وبين انشغال النهار ووحدة المساء. أما الصمت، فيتحوّل من غياب الصوت إلى حضور الأسئلة التي لم تجد طريقها إلى الكلام.
وتتوافق هذه الصورة مع عنوان القصيدة؛ فالاعتراف غير المعلن يجد مجاله الطبيعي في اللحظات التي يقلّ فيها الضجيج الخارجي، ويعلو فيها صوت الداخل.
2. الموج والبحر البعيد
«هل تذكّركِ بي أشياء صغيرة، كموجٍ يحنّ إلى بحرٍ بعيد؟»
تقوم الصورة على علاقة بين الجزء والكلّ، وبين الحركة ومصدرها، وبين الشوق والمسافة.
فالموج لا ينفصل عن البحر، لكنه يتحرّك بعيداً عن سكونه الظاهر، كما تتحرّك الذكريات في النفس فتوقظ إحساساً بمحبوب غائب.
والصورة هنا لا تعبّر عن الرغبة في اختصار المسافة المكانية وحدها، بل عن توقّع العودة إلى حالة من الاتصال والاكتمال العاطفي.
3. القمر والنجوم
«هل يبدو القمر وحيداً، والنجوم أقلّ بريقاً، حين أغيب عن ناظريكِ؟»
تستعير القصيدة من المشهد الكوني لغةً للتعبير عن الحالة النفسية. فالسماء لا تتغيّر بالضرورة، لكن نظرة الإنسان إليها تتغيّر حين يتبدّل شعوره.
وهذا التحوّل من العالم الخارجي إلى التجربة الذاتية يكشف عن إحدى وظائف الصورة الشعرية: جعل الشعور الداخلي قابلاً للرؤية عبر الأشياء.
ومع أن القمر والنجوم من الرموز المتكررة في الشعر العاطفي، فإن قيمتهما هنا تأتي من اندماجهما في سؤال القصيدة المركزي: هل يترك غيابي أثراً في عالمكِ، مثلما يترك غيابكِ أثراً في عالمي؟
4. الأجنحة والحلم
«هل تبحثين عنّي في أحلام الليل، حيث لا يحتاج الحبّ إلى أجنحة كي يحلّق؟»
تنتقل الصورة من الواقع إلى الحلم، ومن القيود المادية إلى إمكان الاتصال المتخيّل.
فالحبّ لا يحتاج إلى أجنحة، لأن الخيال يمنحه قدرةً على تجاوز المسافة. غير أن الحلم لا يقدّم دليلاً على تحقق الحبّ في الواقع؛ إنه يعبّر عن قدرة النفس على إنشاء فضاء بديل تلتقي فيه بما تفتقده.
وهنا تكمن دقة الصورة: الحلم يخفّف وطأة الغياب، لكنه لا يحسم السؤال الذي قامت عليه القصيدة.
سادساً: من الحاجة إلى الحبّ إلى تحقيق الذات
في المستوى الخامس من هرم ماسلو التقليدي تبرز الحاجة إلى تحقيق الذات، أي السعي إلى تنمية الإمكانات الشخصية والوصول إلى صورة أكثر اكتمالاً من الوجود.
ولا ينبغي الخلط بين تحقيق الذات وبين العثور على شريك عاطفي؛ فالحبّ قد يدعم النمو الإنساني، لكنه ليس الطريق الوحيد إليه، كما أن العلاقة العاطفية لا تضمن وحدها تحقيق الذات.
ومع ذلك، فإن القصيدة تقترب من هذا المستوى حين يتحوّل الحبّ من شعور عابر إلى معنى ينظّم رؤية المتكلم للحياة.
يقول:
«فقد اختاركِ قلبي، عبر المسافات وتعاقب الزمن، موطناً له، وسبباً لوجوده، وقافيته التي يكتمل بها نشيده…»
هذه الأبيات تمثّل نقطة التحوّل الأساسية في النص.
فبعد سلسلة طويلة من الأسئلة التي تكشف الشكّ والتردّد، ينتقل المتكلم إلى إعلان موقفه الداخلي. لم يعد السؤال مقتصراً على ما تشعر به المحبوبة، بل أصبح اعترافاً بما اختاره القلب لنفسه.
وتتدرّج الاستعارات الثلاث في هذا المقطع بصورة لافتة:
- الموطن: يرمز إلى الأمان والانتماء والاستقرار النفسي. - سبب الوجود: ينقل الحبّ إلى مستوى المعنى الذي يمنح التجربة الإنسانية قيمةً خاصة. - القافية: تربط المحبوبة بالبنية الجمالية للذات، وكأنها تمنح التجربة نغمتها الأخيرة التي تستقرّ بها القصيدة.
ومن منظور ماسلو، يمكن قراءة هذا التحوّل بوصفه محاولةً لإدماج الحبّ في صورة الذات ومعناها، لا باعتباره حاجةً عاطفية منفصلة عن بقية الحياة.
لكن عبارة «سبباً لوجوده» تظلّ محتملة لقراءتين: قد تعبّر عن عمق الارتباط، وقد توحي أيضاً بأن المتكلم يعلّق معنى حياته على شخص واحد. والقراءة النقدية المتوازنة لا تفترض أن التعلّق المطلق دليل على اكتمال الذات؛ بل تترك المجال للسؤال عن قدرة الحبّ على إثراء الحياة من دون إلغاء استقلال الإنسان.
سابعاً: هل تتجاوز القصيدة هرم ماسلو؟
لا تتوقف دلالة النص عند مستويات الحبّ والتقدير وتحقيق الذات، بل تقترب من البعد الإنساني الأوسع الذي يتجاوز المصلحة الشخصية المباشرة.
ويتجلّى ذلك في الخاتمة:
«أنّ قلبين لا تفصل بينهما المسافات، حين يعتصرهما الحنين إلى الحبّ ذاته…!»
هنا تتحوّل التجربة من «أنا» تبحث عن إجابة إلى صورة مشتركة لقلبين تجمعهما حالة وجدانية واحدة.
فالخاتمة لا تقول إن المسافة تختفي مادياً، بل إن أثرها النفسي يتراجع أمام التشابه العميق في الشعور.
ومن المفيد، في هذا السياق، التمييز بين هرم ماسلو بصورته الشائعة ذات المستويات الخمسة وبين كتاباته اللاحقة التي تناولت تجاوز الذات، حيث يصبح الإنسان معنياً بقيم ومعانٍ تتجاوز مصلحته الشخصية.
يمكن أن نقرأ خاتمة القصيدة في ضوء هذا الامتداد بوصفها انتقالاً من طلب الطمأنينة الفردية إلى الإيمان بإمكان التلاقي الإنساني عبر الحبّ.
ومع ذلك، فإن هذا التأويل لا يعني أن القصيدة تعرض نظرية ماسلو أو تتبنّاها مباشرة؛ إنها قراءة نقدية تستخدم مفاهيم النظرية لتفسير حركة الشعور في النص.
ثامناً: البنية الفنية والإيقاع العاطفي
تستند القصيدة إلى بنية حوارية أحادية الطرف؛ فالمتكلم يوجّه أسئلته إلى المحبوبة، لكن صوتها لا يظهر في النص.
وهذا الغياب يمنح القصيدة توتّرها، لأن القارئ يجد نفسه أمام اعتراف يبحث عن جواب ولا يحصل عليه.
كما أن تكرار الاستفهام يصنع إيقاعاً تراكمياً، تتوالى فيه الصور من الشفق إلى الذكريات، ومن المساء إلى القمر، ومن الأحلام إلى الروح، ثم تتجمع في السؤال عن حقيقة الحبّ المتبادل.
وتؤدي هذه البنية وظيفتين متداخلتين: الأولى وجدانية، إذ تجعل القارئ يشارك المتكلم حالة الترقّب؛ والثانية دلالية، إذ تكشف أن الاعتراف الحقيقي لا يحدث دفعة واحدة، بل يتكوّن تدريجياً من أسئلة صغيرة تتراكم حتى تصبح إعلاناً عن موقف القلب.
أما اللغة، فتتميّز بالوضوح والسهولة، وتعتمد على صور يسهل التفاعل معها عاطفياً. وهذه ميزة من حيث التواصل مع جمهور واسع، وإن كانت بعض الصور، مثل القمر والنجوم والبحر البعيد، تنتمي إلى معجم شعري شائع، وكان من الممكن منحها خصوصية أكبر عبر تفاصيل أكثر فرادة أو مفاجأة.
كذلك، فإن كثرة الأسئلة المتتابعة تمنح القصيدة وحدتها، لكنها قد تجعل بعض المقاطع متقاربة في وظيفتها التعبيرية. وكان يمكن لبعض التنويع في الإيقاع أو إدخال لحظة سردية قصيرة أن يزيد من التباين بين مراحل الشوق والشكّ والاعتراف.
غير أن هذه الملاحظات لا تلغي نجاح النص في الحفاظ على خيطه الوجداني من البداية إلى النهاية، ولا سيما في انتقاله من الاستفهام إلى الاعتراف ثم إلى الخاتمة الجامعة.
تاسعاً: البعد الإنساني في تجربة : بامي ساندو
تكشف القصيدة عن تجربة عاطفية يمكن أن يجد فيها القارئ من ثقافات مختلفة جزءاً من خبرته الخاصة.
فالسؤال عن الاشتياق ليس حكراً على ثقافة أو لغة، كما أن الحاجة إلى الاعتراف المتبادل ليست تجربة محلية. إنها جزء من المعضلة الإنسانية التي تنشأ حين يصبح شخص آخر ذا أهمية كبيرة في حياتنا، فنرغب في معرفة ما إذا كان حضورنا يحمل له المعنى نفسه.
ومن هنا تنبع قدرة القصيدة على عبور الحدود الثقافية: فهي لا تعتمد على الإحالة إلى مكان محدد أو حادثة محلية، بل على حالات وجدانية مشتركة، مثل الانتظار والحنين والخوف من الحبّ الأحادي والرغبة في الطمأنينة.
وهذا ما يمنح تجربة الشاعرة الهندية بامي ساندو قابليةً للتواصل مع القارئ العربي أيضاً، خصوصاً حين تُنقل إلى العربية ترجمةً تحافظ على رهافة الأسئلة وتدرّج الصور ونبرة الاعتراف.
إن عالمية الشعر لا تتحقق بمجرد استعمال مفردات عامة عن الحبّ، بل بقدرته على تحويل الشعور الفردي إلى تجربة يستطيع الآخرون التعرّف على أنفسهم فيها. وفي هذه القصيدة، تتجسّد هذه القدرة في السؤال الذي يختبئ خلف الأسئلة كلها: هل يسكن قلبي قلباً آخر، كما يسكن قلبي؟
عاشراً: الخلاصة النقدية
إن «اعترافٌ بالحبّ لم يُفصح عنه» قصيدة عن الحاجة إلى الحبّ، لكنها في عمقها قصيدة عن الحاجة إلى اليقين العاطفي أيضاً.
فالمتكلم لا يريد فقط أن يعبّر عن شوقه، بل يريد أن يعرف إن كان هذا الشوق متبادلاً. ومن خلال سلسلة الأسئلة المتلاحقة، تكشف الشاعرة عن العلاقة الدقيقة بين الانتماء والتقدير والمعنى، وهي علاقة تساعدنا نظرية ماسلو على فهمها من دون أن تختزل التجربة الشعرية في تصنيف نفسي جامد.
في مستوى الانتماء، يبحث المتكلم عن مكان له في وجدان المحبوبة. وفي مستوى التقدير، يريد أن يعرف إن كان حضوره ذا قيمة لديها. وفي مستوى المعنى وتحقيق الذات، يتحوّل الحبّ إلى موطن رمزي وسبب للوجود وقافية يكتمل بها النشيد.
أما الخاتمة، فتوسّع التجربة من القلق الفردي إلى أفق إنساني مشترك، حيث تصبح المسافة أقلّ أهمية أمام تشابه المشاعر.
ومع ذلك، فإن القيمة الأعمق للقصيدة لا تكمن في تقديم إجابة نهائية عن الحبّ، بل في إبقاء السؤال مفتوحاً أمام القارئ. فالنصّ لا يمنحنا يقيناً بأن المحبوبة تشعر بما يشعر به المتكلم، وإنما يكشف لنا مقدار ما يمكن أن يعنيه هذا الاحتمال للإنسان.
وهنا تتجلّى المفارقة الجميلة: إن القصيدة التي تحمل عنوان «اعترافٌ بالحبّ لم يُفصح عنه» تنتهي إلى اعتراف واضح، لكنه لا يبدّد الغموض تماماً؛ لأن الإفصاح عن مشاعر الذات لا يعادل معرفة مشاعر الآخر.
إن الحبّ، في هذه القصيدة، ليس مجرد رغبة في الاقتراب من الآخر، بل رغبة في اكتشاف أن أرواحنا لا تعبر المسافات وحدها، وأن ما نمنحه من مشاعر قد يجد في الطرف الآخر صدىً يعيد إلينا معنى وجودنا.
وهكذا تنجح بامي ساندو في تحويل الأسئلة العاطفية إلى تأمّل في الانتماء والتقدير والمعنى، وتمنحنا نصاً يمكن قراءته بوصفه قصيدة شوق، واعترافاً مؤجّلاً، ومحاولةً لفهم إحدى أكثر حاجات الإنسان عمقاً: أن يحبّ، وأن يشعر بأن حبّه يجد مكاناً في قلب آخر.
القصيدة :
اعترافٌ بالحبّ لم يُفصح عنه
هل تفتقدينني حين يُسدل الشفق ستارَه، حين يهمس الصمت خلف جدرانكِ؟
هل يتسلّل اسمي برفق إلى ذهنكِ، ويترك وراءه ألفَ خاطرٍ وخاطر؟
هل تبتسمين حين تنهض الذكريات، وتشعرين بحضوري حين لا أكون بقربكِ؟
هل تذكّركِ بي أشياء صغيرة، كموجٍ يحنّ إلى بحرٍ بعيد؟
هل يتوقّف قلبكِ لحظةً في منتصف النهار، حين تنساب أفكاري برفق نحوكِ؟
هل تفقدين نفسكِ في لحظة شرود، حين تدعو الذكريات أرواحنا إلى الرقص؟
هل يطول المساء حين أكون بعيداً عنكِ، ويسلب من ختام يومكِ عذوبتَه؟
هل يبدو القمر وحيداً، والنجوم أقلّ بريقاً، حين أغيب عن ناظريكِ؟
هل تبحثين عنّي في أحلام الليل، حيث لا يحتاج الحبّ إلى أجنحة كي يحلّق؟
هل تشعرين بغيابي، برهافته وعمقه، في الساعات الهادئة التي تسبق نومكِ؟
أخبريني يا حبيبتي، حين يسكن العالم، هل يستيقظ الحنين فيكِ رغم إرادتكِ؟
هل تمتدّ روحكِ عبر زرقة السماء نحوي، كما تمتدّ روحي إليكِ بلا نهاية؟
أم أنّني وحدي أعيش هذا القلق العذب، واسمكِ يستقرّ إلى الأبد فوق صدري؟
أأنا القلب الوحيد الذي يتوق إلى أن يعرف، هل يجري حبّكِ عميقاً كجريان الأنهار؟
أجيبيني، لا بالكلمات وحدها، بل دعي قلبكِ يكشف ما عرفته شفتاكِ…
فقد اختاركِ قلبي، عبر المسافات وتعاقب الزمن، موطناً له، وسبباً لوجوده، وقافيته التي يكتمل بها نشيده…
وإن كنتِ تشتاقين إليّ كما أشتاق إليكِ…
فإنّ كلّ حلمٍ سعيتُ إليه طوال عمري، سيجد معناه في حقيقة واحدة تسمو فوق كلّ شيء
أنّ قلبين لا تفصل بينهما المسافات، حين يعتصرهما الحنين إلى الحبّ ذاته…! ...... ....... .......... ........
* نظرية ماسلو هي نظرية في علم النفس وضعها عالم النفس الأمريكي أبراهام ماسلو (Abraham Maslow)، وتهدف إلى تفسير الحاجات والدوافع التي تحرّك السلوك الإنساني، وتُعرف باسم هرم ماسلو للحاجات الإنسانية.
#كريم_عبدالله (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
قصائد من الهند للشاعرة الهندية : بامي ساندو ترجمة : كريم عبد
...
-
وجهُكِ… حين انتصرتِ على المرايا
-
الذكرى الأخيرة في المطار
-
المرّةُ السابعة
-
شهودُ الوردةِ الحمراء
-
حين كان الجمالُ يتعلَّمُ أسماءَه منكِ
-
يا حبيبتي... أوَ لا تتذكرين؟
-
مذكّرات مقاتل في جبهة العشق
-
قصائد من ايطاليا – للشاعرة : إليسا ماسيا .. ترجمة : كريم عبد
...
-
حين أعلنت مدنكِ استسلامها للنار
-
صدور المجلد الثاني من كتابنا المشترك أنفاس من الشرق والغرب..
...
-
أسطورةُ اللباس الأبيض
-
الهزيمةُ الأولى... وامرأةٌ تُعيدُ القلبَ إلى الحياة
-
عندما يصيرُ الحبُّ ظِلًّا يأكلُ صاحبَه
-
الكعبةُ تخلعُ بياضَها لدمِ الحسين
-
حينَ ارتدى الفجرُ سيفَهُ الأخير
-
في آخرِ لقاءٍ
-
الأرضُ التي نسيتْ اسمَها في فمِ القصيدة
-
امرأةٌ أربكتْ قوانينَ العبور
-
إصدار أدبي جديد يفتح جسور الشعر بين الشرق والغرب
المزيد.....
-
قصيدة لبوشكين تصل إلى القطب الشمالي بصوت فرقة بشكيرية تنافس
...
-
فرقة الدراما والمسرح ببستان سلوان تصل فرنسا
-
صلابة الخيزران وتجذر الزيتون: كيف تسند الدبلوماسية الثقافية
...
-
ايزابيل هوبير في (كل شيء عن كورين) وعروض سينمائية مجانية
-
مئوية تشاك بيري.. كيف صاغ -أبو الروك أند رول- لغة الموسيقى ا
...
-
-ذاكرة القدس-.. أرشيف بصري يقود معركة الرواية وحفظ التاريخ ا
...
-
الدكتور زهير توفيق للجزيرة نت.. نعيش حالة -هروب إلى الماضي-.
...
-
«بين شطين» يحصد المركز الأول في مسابقة «عيش» للأفلام بمهرجان
...
-
وفاة الممثلة جورجينا كيتس عن 51 عاماً بعد مسيرة سينمائية متن
...
-
انتهى زمن التزييف.. كيف صنعت السينما الإسرائيلية سردية الاحت
...
المزيد.....
-
الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رواية البركان - حميد الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رأيت وردة الدبلان
/ د. خالد زغريت
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
المزيد.....
|