أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كريم عبدالله - الذكرى الأخيرة في المطار














المزيد.....

الذكرى الأخيرة في المطار


كريم عبدالله

الحوار المتمدن-العدد: 8789 - 2026 / 8 / 6 - 13:39
المحور: الادب والفن
    


كان آخرُ لقاءٍ لنا يشبهُ صلاةً بلا قبلة، ودعاءً يعرفُ قبلَ أن يُرفعَ أنَّ السماءَ لن تجيب.
التقينا خارجَ الزمن... هناكَ حيثُ لا ساعاتٍ تُطاردُ أعمارَنا، ولا قطاراتُ الغيابِ تجرُّ خلفها حقائبَ الراحلين.
كنا معًا فقط... كأنَّ العالمَ كلهُ نسيَ طريقهُ إلينا، وكأنَّ القدرَ، للحظةٍ عابرة، أغلقَ كتابهُ وتركنا بينَ السطور.
لكنَّ الواقعَ كان ينتظرنا عندَ بابِ المطار، واقفًا بوجهه البارد، يحملُ تذكرةَ الفراقِ ويبتسمُ بلا رحمة.
رأيتكِ يومها تجرّينَ خطواتكِ بصعوبة، كأنَّ الأرضَ تمسكُ قدميكِ وتقولُ لكِ: لا ترحلي...
كانت حقيبتكِ الصغيرةُ تختبئُ بينَ يديكِ لكنني كنتُ أعرفُ أنها كانت أثقلَ من الجبال. ففيها لم تضعي ثيابَ السفر، بل وضعتِ أعمارَنا الصغيرة، ضحكاتِ الصباحاتِ التي لن تعود، دفءَ الليالي التي نامَ فيها الحزنُ بعيدًا، ورسائلَ لم نكتبها لأنَّ عيونَنا كانت تعرفُ القراءة. كنتِ تحشرينَ ذكرياتِنا بينَ ثنايا الحقيبة، كأنكِ تخافينَ أن يسقطَ منها شيءٌ من قلبكِ.
أما أنا... فكنتُ أحملكِ بينَ ذراعيَّ كما يحملُ الغريقُ آخرَ خشبةٍ من سفينتهِ المحطمة. كنتُ أحتضنكِ بيأسٍ عظيم، بيأسِ رجلٍ يعرفُ أنَّ هذه الذراعينِ ستعودانِ بعد لحظاتٍ فارغتينِ من معجزةِ وجودكِ. كنتُ أريدُ أن أقولَ لكِ: ابقي... لكنَّ صوتي ماتَ في صدري، فبعضُ الأحزانِ أكبرُ من الكلمات، وبعضُ الرحيلِ لا يملكُ الإنسانُ أمامهُ إلا أن ينحني.
كانت حقيبتي بجانبي... تلك الحقيبةُ التي رتبتِها بيديكِ في الليلةِ الأخيرة، حين كنتِ تضعينَ أغراضي وأنتِ لا تعرفينَ أنكِ تضعينَ معها آخرَ نبضةٍ من طفولتي. بقي فيها عطرُ أصابعكِ، بقي دفءُ يديكِ، بقيتْ لمسةٌ صغيرةٌ منكِ تقاومُ السفرَ والغياب. حتى الملابسُ هناك كانت تعرفُ أنكِ رحلتِ.
---
ثم جاء النداء... ذلك الصوتُ الباردُ في المطار الذي لا يعرفُ شيئًا عن القلوب. نادى اسمكِ... فشعرتُ أنَّ نصفَ روحي غادرَ قبلَ أن تتحركَ الطائرة. ونادى اسمي... فشعرتُ أنني ذاهبٌ إلى مكانٍ لا يوجدُ فيه أنتِ.
مشيتِ نحوَ طريقكِ، ومشيتُ نحوَ طريقي. يا لقسوةِ الحياة... حتى الأقدامُ التي اعتادتْ أن تمشي معًا، تعلمتْ في لحظةٍ واحدة كيف تفترق. أنتِ ذهبتِ نحوَ الشرق، وأنا ذهبتُ نحوَ جهةٍ أخرى، وبيننا بقيَ المطارُ مثلَ جرحٍ مفتوحٍ لا ينام.
كانت طائرتانِ تنتظرانِنا... طائرتكِ أخذتْ صوتكِ، وضَحكتكِ، وظلَّكِ الذي كان يسكنُ عيني. وطائرتي حملتني بعيدًا عن المكانِ الوحيد الذي كنتُ أشعرُ فيه أنني حيّ.
---
حين ارتفعتْ طائرتكِ... لم أرَ جناحينِ يصعدانِ إلى السماء، بل رأيتُ قلبي معلّقًا في نافذةٍ صغيرة، ينظرُ إليَّ ولا يستطيعُ العودة.
ومنذُ ذلك اليوم... كلُّ مطارٍ أراهُ أبحثُ فيه عنكِ. كلُّ حقيبةٍ تمرُّ أمامي توقظُ رائحةَ أصابعكِ. كلُّ امرأةٍ ترتبُ شعرها تعيدُ إلى ذاكرتي يديكِ وهما ترتبانِ فوضى أيامي.
لقد غادرتِ... لكنَّ الغيابَ لم يأخذكِ مني. لقد ترككِ في داخلي جرحًا جميلاً، ينزفُ كلما تذكرتُ أنَّ بعضَ الذين نحبهم لا يرحلونَ بعيدًا... بل يسكنونَ المسافةَ بينَ نبضةٍ ونبضة.
وما زلتُ، إلى اليوم... أقفُ في ذلك المطارِ القديم، أحملُ حقيبتي، وأنتظرُ طائرةً لن تأتي، لأنني أعرفُ... أنَّ آخرَ رحلةٍ لنا لم تكنْ إلى مدينةٍ أخرى، كانتْ إلى الذكرى... وكان اسمُها: الذكرى الأخيرة في المطار.



#كريم_عبدالله (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المرّةُ السابعة
- شهودُ الوردةِ الحمراء
- حين كان الجمالُ يتعلَّمُ أسماءَه منكِ
- يا حبيبتي... أوَ لا تتذكرين؟
- مذكّرات مقاتل في جبهة العشق
- قصائد من ايطاليا – للشاعرة : إليسا ماسيا .. ترجمة : كريم عبد ...
- حين أعلنت مدنكِ استسلامها للنار
- صدور المجلد الثاني من كتابنا المشترك أنفاس من الشرق والغرب.. ...
- أسطورةُ اللباس الأبيض
- الهزيمةُ الأولى... وامرأةٌ تُعيدُ القلبَ إلى الحياة
- عندما يصيرُ الحبُّ ظِلًّا يأكلُ صاحبَه
- الكعبةُ تخلعُ بياضَها لدمِ الحسين
- حينَ ارتدى الفجرُ سيفَهُ الأخير
- في آخرِ لقاءٍ
- الأرضُ التي نسيتْ اسمَها في فمِ القصيدة
- امرأةٌ أربكتْ قوانينَ العبور
- إصدار أدبي جديد يفتح جسور الشعر بين الشرق والغرب
- إعلان عن إصدار أدبي جديد بكل فخر واعتزاز، نُعلن عن صدور العم ...
- الخالدون والعابرون
- أبناء الريح


المزيد.....




- خمسون عاماً على انطلاق مهرجان القاهرة السينمائي الدولي
- مصر.. أول ظهور لمحمد الحلو بعد عمليات القلب
- -أرشيف الحياة-.. حكايات شهداء غزة في مواجهة النسيان
- رومانيا تتصدر برنامج السوق الأمريكي للأفلام بوفد سينمائي موس ...
- -رسمت المقبرة الجماعية-.. نازحة من الفاشر توثق ما رأته بالفح ...
- احتفاء واسع في الأوساط الفنية الأمريكية بفوز عبد الرحمن السي ...
- الناخب ليس مخدوعا.. قراءة في الترمبية وجذور اليمين الأمريكي ...
- أصالة نصري تكشف تفاصيل سرقة مجوهراتها خلال جولتها الأميركية ...
- أنغام تثير الجدل بسبب رائحة التدخين على المسرح
- مهرجان القاهرة السينمائي يفتتح دورته الـ47 احتفاءً بيوبيله ا ...


المزيد.....

- الدومري لا يطفئ عينيه / د. خالد زغريت
- رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي / محمد الفقي
- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كريم عبدالله - الذكرى الأخيرة في المطار