|
|
الهيئات الاستشارية الترابية ورهان التأثير في القرار العمومي حالة هيئات المساواة وتكافؤ الفرص ومقاربة النوع بالمغرب.
عبدالله بولرباح
كاتب وباحث
(Abdellah Boularbah)
الحوار المتمدن-العدد: 8876 - 2026 / 11 / 1 - 20:47
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
أولا: في أهمية الديمقراطية التشاركية يكتسي موضوع هيئات المساواة وتكافؤ الفرص ومقاربة النوع على المستوى الترابي، ومدى قدرتها على تجاوز الطابع الشكلي لدورها الاستشاري، لتصبح آليات فاعلة في التأثير في صياغة القرار العمومي الترابي وتوجيهه، أهمية خاصة في مسار البناء الديمقراطي والتنموي ببلادنا. في هذا السياق، شكل تفعيل مقتضيات الفصل 139 من دستور المملكة المغربية، ولا سيما ما يتعلق بإحداث آليات تشاركية للحوار والتشاور، رافعة أساسية لترسيخ دعائم الديمقراطية التشاركية على المستوى الترابي، وتعزيز انفتاح المؤسسات المنتخبة على المواطنات والمواطنين ومختلف مكونات المجتمع. تنبع أهمية هذه الآليات من تعدد أبعادها ووظائفها، إذ يتجلى بعدها الآني في تحسين الاستجابة للحاجيات الفعلية لمختلف فئات الساكنة والتفاعل الإيجابي مع مقترحات وآراء الفاعلين المحليين، وتعزيز قنوات التواصل بين المواطنين والمنتخبين ومكونات المجتمع المدني. أما على المدى المتوسط، فإن هذه الآليات تمثل مجالا للتعلم الجماعي في تدبير الشأن المحلي، وفرصة لتكوين النخب وتجديدها، في إطار ما يمكن اعتباره مدرسة للديمقراطية التشاركية، يتعلم فيها الفاعلون المدنيون والمواطنون والمواطنات كيفية تشخيص المشكلات العامة، وصياغة المطالب، وتقديم المقترحات، وتتبع تنفيذ القرارات وتقييم نتائجها. كما تساهم الديمقراطية التشاركية في تنمية الوعي المجتمعي ونشر المعلومة الصحيحة، بما يساعد على الحد من الإشاعة والتضليل، ويعزز قدرة المواطنين على الاختيار الواعي والمستقل، ويقلل من فرص استغلال حاجاتهم الاجتماعية والاقتصادية في الممارسات الانتخابية غير السليمة. أما على المستوى الاستراتيجي، فإن الديمقراطية التشاركية تطرح سؤالا أعمق يتعلق بطبيعة العلاقة بين المواطن والدولة، وبين المجتمع والسلطة، وبين التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية. في هذا السياق، يمكن استحضار أفكار الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس حول المجال العمومي والتداول الديمقراطي، حيث لا تكتسب القرارات شرعيتها من سلطة اتخاذها وحدها، بل تتعزز أيضا من خلال إمكان مناقشتها وتبريرها أمام المواطنين، في فضاء يسمح بتبادل الحجج والآراء. من هذا المنظور، يمكن للديمقراطية التشاركية أن تسهم في مواجهة بعض الاختلالات المرتبطة بمنطق السوق حين يتغلب على الاعتبارات الاجتماعية، أو حين ينحى الى منطق الليبرالية المتوحشة، وفي الدفاع عن المصلحة العامة وعن مقومات الدولة الاجتماعية. غير أن ذلك يظل رهينا بوجود مشاركة فعلية، لا شكلية، وبقدرة المؤسسات على الإنصات والاستجابة والمساءلة. إننا، إذن، لا نتحدث عن آليات إجرائية بسيطة، بل عن مدخل لتطوير علاقة المواطن بالشأن العام، وتعزيز الثقة في المؤسسات، وتحسين جودة السياسات العمومية، وتوسيع قاعدة المشاركة في تحديد الأولويات التنموية. في هذا الإطار تحديدا تبرز أهمية هيئات المساواة وتكافؤ الفرص ومقاربة النوع، باعتبارها فضاء للتشاور بين المجالس المنتخبة وفعاليات المجتمع المدني حول قضايا المساواة والإنصاف، ومدى مراعاة السياسات والبرامج الترابية للحاجيات المختلفة للنساء والرجال، وللفئات التي قد تواجه أشكالا من الإقصاء أو صعوبة الولوج إلى الخدمات والفرص. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل نجحنا في تحويل هذه الهيئات من مجرد بنية منصوص عليها قانونا إلى قوة اقتراحية تؤثر فعلا في القرارات والبرامج والميزانيات الترابية؟ للإجابة عن هذا السؤال، سأركز على خمسة محاور: الإطار الدستوري والقانوني لهذه الهيئات؛ والحصيلة المرحلية للولاية الانتخابية 2021–2027؛ وبعض التجارب الترابية الدالة؛ والعوامل التي تحد من فاعليتها؛ ثم المقترحات العملية الكفيلة بتعزيز دورها. ثانيا: الإطار الدستوري والقانوني - من الاعتراف بالمشاركة إلى تنظيمها. لقد شكل دستور سنة 2011 محطة مهمة في إقرار الديمقراطية التشاركية بالمغرب، من خلال تعزيز مكانة المواطنات والمواطنين وجمعيات المجتمع المدني في إعداد السياسات العمومية وتتبعها وتقييمها. يكتسي الفصل 12 من الدستور، أهمية خاصة، إذ ينص على مساهمة الجمعيات المهتمة بقضايا الشأن العام والمنظمات غير الحكومية في إطار الديمقراطية التشاركية، في إعداد قرارات ومشاريع لدى المؤسسات المنتخبة والسلطات العمومية، وكذا في تفعيلها وتقييمها. أما الفصل 19 فيؤكد مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والحريات، بما يمنح قضايا المساواة بعدا دستوريا يتجاوز التعامل معها باعتبارها مجرد اختيار ظرفي أو نشاط ثانوي. يأتي الفصل 139 ليؤكد أهمية آليات الحوار والتشاور، وينص على إحداث مجالس الجهات والجماعات لآليات تشاركية للحوار والتشاور لتيسير مساهمة المواطنات والمواطنين والجمعيات في إعداد برامج التنمية وتتبعها، كما يقر حقهم في تقديم العرائض. وقد عملت القوانين التنظيمية المتعلقة بالجماعات الترابية على تنزيل هذه المقتضيات، من خلال التنصيص على إحداث هيئة استشارية لدى مجالس الجماعات تختص بدراسة القضايا المتعلقة بتفعيل مبادئ المساواة وتكافؤ الفرص ومقاربة النوع، إلى جانب الهيئات المنصوص عليها لدى مجالس العمالات والأقاليم والجهات وفق الاختصاصات التي تحددها القوانين التنظيمية الخاصة بكل مستوى ترابي. من الناحية المبدئية، فإن أهمية هذه الهيئات تكمن في كونها تربط بين اختصاصات المجالس المنتخبة وبين المعرفة والخبرة والتجربة المتراكمة لدى المجتمع المدني. فهي تتيح إدخال قضايا قد لا تحظى دائما بالأولوية في النقاش السياسي اليومي إلى صلب التفكير في السياسات العمومية. فعندما يدرس المجلس برنامجا تنمويا، مثلا، لا ينبغي أن يقتصر السؤال على عدد المشاريع أو كلفتها أو مدى توفر الاعتمادات المالية، بل يجب أن يشمل أيضا أسئلة من قبيل: من سيستفيد من هذه المشاريع؟ هل تستجيب لحاجيات النساء والرجال على قدم المساواة؟ هل تراعي وضعية الأشخاص في وضعية إعاقة؟ هل يستفيد منها سكان المناطق الهامشية والقرى والمراكز البعيدة؟ وهل توزع الخدمات والفرص بشكل منصف؟ هذه هي القيمة المضافة المنتظرة من الهيئة: أن تساعد المجلس على رؤية الجوانب التي قد لا تظهر عند الاكتفاء بالمقاربة التقنية أو المالية أو الانتخابية. لكن من المهم التأكيد أن الهيئة استشارية وليست جهازا تنفيذيا أو تقريريا. فهي لا تحل محل المجلس المنتخب، ولا تنتزع منه اختصاصاته القانونية، ولا تملك فرض مضمون توصياتها. غير أن الطابع الاستشاري لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتهميشها أو إفراغها من مضمونها؛ إذ إن قيمة الاستشارة تقاس بجدية إعدادها، وبمدى مناقشتها، وبوضوح الموقف منها، وبإمكانية تتبع ما ترتب عنها. ثالثا: الحصيلة المرحلية للولاية الانتخابية 2021–2027 نحن اليوم، في أكتوبر 2026، أمام ولاية انتخابية لم تنته بعد. لذلك فإن ما يمكن تقديمه هو حصيلة مرحلية، لا تقييما نهائيا للولاية بأكملها. تكشف المعطيات المنشورة عن تقدم مهم على مستوى إحداث الهيئات، لكن التحدي الأساسي يتمثل في الانتقال من تعميم البنية التنظيمية إلى ضمان انتظام عملها وفعالية مساهمتها. فبحسب معطيات كشف عنها وزير الداخلية في جواب عن سؤال برلماني، ونشرتها جريدة هسبريس بتاريخ 9 مارس 2026، فإن أكثر من 97 في المائة من الجماعات الترابية أحدثت هيئات المساواة وتكافؤ الفرص ومقاربة النوع، كما تمت استشارة هذه الهيئات في مجال اختصاصها خلال مرحلة إعداد مخططات التنمية الترابية. وأفادت المعطيات نفسها بأن 67 في المائة من الآراء الاستشارية أُخذت بعين الاعتبار، وأن 65 في المائة من الهيئات تتوفر على نظام داخلي وبرنامج عمل خاص بها. هذه أرقام مهمة، ينبغي التعامل معها بإنصاف. فهي تشير إلى أن إحداث الهيئات لم يعد حالة استثنائية، بل أصبح ممارسة واسعة الانتشار، وأن الاستشارة وصلت، على الأقل من حيث المبدأ، إلى مرحلة إعداد مخططات التنمية. لكن هذه الأرقام تطرح في الوقت نفسه أسئلة تستحق التدقيق. أولا، إن إحداث الهيئة لا يعني بالضرورة أنها تجتمع بانتظام، أو تتوفر على الإمكانات الضرورية، أو تضم أعضاء قادرين على أداء مهامهم. ثانيا، إن التوفر على نظام داخلي وبرنامج عمل يمثل خطوة تنظيمية مهمة، لكنه لا يثبت وحده أن البرنامج نفذ، أو أن الآراء الاستشارية أُعدت وفق منهجية واضحة، أو أن الهيئة تواصلت مع الفئات التي يفترض أن تدافع عن مصالحها. ثالثا، إن أخذ الرأي الاستشاري بعين الاعتبار لا يعني بالضرورة أن جميع توصياته قد أُدمجت في القرار النهائي، ولا أن ذلك أدى إلى تحسن ملموس في الخدمات أو في وضعية النساء والفئات المعنية. لذلك ينبغي التمييز بين أخذ الرأي في الحسبان، واعتماد توصية محددة، وتنفيذها، ثم قياس أثرها. لذلك، يظل السؤال الحقيقي هو ليس فقط، كم هيئة أُحدثت؟ وكم رأيا استشاريا قدم؟ بل أيضا، ما مضمون هذه الآراء؟ وما مآلها؟ وأي قرارات أو برامج أو اعتمادات مالية تأثرت بها؟ وما النتائج التي تحققت على أرض الواقع؟ إن التحدي في هذه المرحلة هو الانتقال من منطق قياس الوجود والنشاط إلى منطق قياس التأثير والنتائج. إذا كانت المعطيات الوطنية المتاحة تقدم مؤشرات مفيدة، فإنها لا تكفي وحدها لتقديم تقييم شامل ومفصل لأداء جميع هيئات المساواة خلال الولاية الحالية. فنحن بحاجة إلى بيانات أكثر تفصيلا تربط بين الرأي الاستشاري والقرار الذي أعقبه، وبين القرار والموارد المخصصة لتنفيذه، وبين التنفيذ والنتائج المحققة. رابعا: تجارب ترابية - إمكانات واعدة وأسئلة مفتوحة إن الوقوف عند عدد من التجارب الترابية التي تبرز أشكالا مختلفة من عمل هيئات المساواة وتكافؤ الفرص ومقاربة النوع يكتسي أهمية خاصة، إذ يكشف أن واقع هذه الهيئات ليس راكدا أو خاليا من المبادرات، بل يشهد تجارب واعدة ومفيدة، وغنية بالدروس التي يمكن استخلاصها وتعميمها. إنها تجارب تقدم مؤشرات دالة على أن إمكانات التطور والتحسين قائمة، حتى في ظل ما تعانيه بعض الهيئات من صعوبات تنظيمية ومحدودية في الوسائل والإمكانات. تكمن أهمية هذه التجارب في أنها تتيح الانتقال من النقاش النظري حول أدوار الهيئات وحدودها إلى الوقوف على ممارسات ملموسة، واستكشاف ما حققته من مبادرات ومقترحات، وما يمكن أن تقدمه من دروس لتحسين أدائها وتعزيز تأثيرها في تدبير الشأن العام الترابي. غير أن تناول هذه التجارب يقتضي التمييز بين مستويات مختلفة من الفعل التشاركي: فتنظيم لقاء أو المشاركة في إعداد برنامج أو تقديم رأي استشاري يمثل في حد ذاته خطوة إيجابية، لكنه لا يكفي وحده لإثبات التأثير في القرار العمومي. فهذا التأثير يقتضي التحقق من مآل المقترحات، ومدى انعكاسها على القرارات والبرامج والميزانيات، ثم الوقوف على النتائج التي أسفر عنها تنفيذها. من هذا المنطلق، سنقف عند بعض التجارب الترابية، لا باعتبارها نماذج مكتملة أو خالية من النقائص، بل باعتبارها حالات تساعدنا على فهم ما تحقق، وما لا يزال ممكنا تحقيقه، والشروط الضرورية للانتقال من المبادرة التشاركية إلى التأثير الفعلي في القرار العمومي. 1. المجلس الإقليمي للصويرة: الرأي الاستشاري حول برنامج أوراش من الأمثلة الدالة على إمكانات العمل الاستشاري تجربة هيئة المساواة وتكافؤ الفرص ومقاربة النوع بالمجلس الإقليمي للصويرة، التي قدمت رأيا استشاريا بشأن ضمان تكافؤ الفرص بين النساء والرجال في تنزيل برنامج "أوراش". لقد تمحورت مقترحات الهيئة حول استحضار المساواة بين الجنسين عند تحرير الاتفاقيات التي ستجمع المجلس الإقليمي بالجمعيات، والتنصيص بوضوح على استفادة الباحثين والباحثات عن شغل، والحرص على التزام الجمعيات بمضمون الرأي الاستشاري. تكمن أهمية هذه التجربة في أنها لم تكتف بطرح مبدأ عام حول المساواة، بل حاولت ربطه بوثائق عملية وبشروط تنفيذ برنامج يهم فرص الشغل. هنا تظهر القيمة الحقيقية للاستشارة: تحويل المبدأ الدستوري إلى اقتراحات قابلة للإدماج في الاتفاقيات والإجراءات، بما يساعد على تفادي إقصاء النساء أو عدم وضوح استفادتهن من البرنامج. مع ذلك، فإن تقييم الأثر يقتضي التحقق من مآل هذه التوصيات: هل أُدرجت فعلا في الاتفاقيات؟ وهل انعكست على توزيع فرص الشغل؟ وهل توفرت معطيات تتيح قياس استفادة النساء والرجال؟ هذه الأسئلة هي التي تنقلنا من توثيق المبادرة إلى قياس نتائجها. 2. تجربة الهيئة الإقليمية للمساواة وتكافؤ الفرص ومقاربة النوع بإقليم تازة: الفعالية رغم محدودية الإمكانات. تقدم تجربة الهيئة الإقليمية للمساواة وتكافؤ الفرص ومقاربة النوع بإقليم تازة مثالا يستحق التوقف عنده، ليس لأنها اشتغلت في ظروف مثالية، بل لأنها استطاعت تحقيق مساهمات ملموسة رغم عدد من المعيقات التنظيمية والعملية. فقد واجهت الهيئة صعوبات تتعلق بعدم توفرها على مقر ملائم ومفتوح باستمرار في وجهها، فضلا عن ضعف حضور بعض الأعضاء ومحدودية مشاركتهم في أنشطتها. وهي صعوبات تؤثر في استمرارية العمل، وفي قدرة الأعضاء على تنظيم اجتماعات منتظمة، وإعداد الوثائق، ومتابعة التوصيات. مع ذلك، تمكنت الهيئة من المساهمة الفعلية في إعداد برنامج تنمية الإقليم، وتقديم رأيها الاستشاري بشأنه. كما قدمت رأيا استشاريا حول الميزانية المستجيبة للنوع إلى مجلس إقليم تازة، ورأيا آخر حول إدماج مقاربة النوع في آليات الديمقراطية التشاركية بالإقليم. تكتسب هذه المساهمات أهميتها من تعدد مستويات تدخل الهيئة؛ فهي لم تقتصر على إبداء الرأي بشأن وثيقة تنموية عامة، بل امتدت إلى الميزانية، أي إلى مجال توزيع الموارد وتحديد الأولويات، وإلى آليات الديمقراطية التشاركية نفسها، أي إلى الشروط التي تسمح للمواطنات والمواطنين والجمعيات بالمشاركة في تدبير الشأن العام. يستحق الرأي الاستشاري المتعلق بإدماج مقاربة النوع في آليات الديمقراطية التشاركية اهتماما خاصا، بالنظر إلى أن الهيئة لم تحصر اقتراحاتها في نطاق مجلس الإقليم، بل دعت إلى توظيف علاقات الشراكة التي تربطه بباقي جماعات الإقليم لتشجيع الجماعات التي أحدثت هيئاتها الاستشارية وفعلت أدوارها، والتي راعت إدماج الولوجيات في مشاريعها. تكمن أهمية هذا المقترح في أنه يربط بين ثلاثة أبعاد متكاملة: تفعيل الديمقراطية التشاركية، وتعزيز المساواة وتكافؤ الفرص، وضمان الولوج إلى المرافق والمشاريع العمومية. كما أنه ينقل دور الهيئة من مجرد التعبير عن مطالب أو تقديم توصيات إلى اقتراح آلية عملية لتحفيز الجماعات الترابية على تطوير ممارساتها، وذلك من خلال علاقات الشراكة والتعاون القائمة بينها. هنا تبرز قيمة إضافية للتجربة: فمجلس الإقليم لا يقتصر دوره على تدبير اختصاصاته الخاصة، بل يمكنه، في حدود اختصاصاته وإمكاناته، أن يساهم في نشر الممارسات الجيدة وتشجيع الجماعات على اعتمادها. كما أن إدماج الولوجيات في المشاريع العمومية لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره تفصيلا تقنيا، بل باعتباره شرطا من شروط الإنصاف، وضمانا لحق الأشخاص في وضعية إعاقة، وغيرهم ممن يواجهون صعوبات في التنقل، في الاستفادة من المرافق والخدمات. إن تجربة تازة تبرز، بذلك، مفارقة تستحق التأمل: قد تعاني الهيئة من ضعف الوسائل وظروف الاشتغال، لكنها تستطيع، بفضل المبادرة والجدية وجودة المقترحات، أن تنتج آراء استشارية تتجاوز نطاقها المباشر لتطرح أسئلة تتعلق بالحكامة الترابية على مستوى الإقليم كله. طبعا يقتضي الإنصاف في تقييم هذه التجربة التمييز بين تقديم الرأي الاستشاري وبين تحقق أثره. ولذلك سيكون من المفيد تتبع مآل الآراء الثلاثة، ومدى تفاعل مجلس الإقليم معها، وما إذا كانت مقترحاتها قد انعكست على برنامج التنمية والميزانية وآليات الشراكة مع الجماعات. فتوثيق هذا المآل سيتيح تحويل التجربة من مبادرة واعدة إلى ممارسة جيدة يمكن الاستفادة منها في أقاليم أخرى. تؤكد هذه الحالة أن تحسين الإطار القانوني وحده لا يكفي، كما أن محدودية الإمكانات لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لتعطيل العمل. فالتأثير يتطلب، إلى جانب النصوص، شروطا مادية وتنظيمية مناسبة، والتزاما من الأعضاء، واستعدادا من المجلس للتفاعل مع المقترحات، وآليات واضحة لتتبع تنفيذها. 3. تجربة هيئة المساواة وتكافؤ الفرص ومقاربة النوع لدى مجلس جماعة تطوان تبرز تجربة هيئة المساواة وتكافؤ الفرص ومقاربة النوع بجماعة تطوان نموذجا للممارسة التشاركية، من خلال إحداث البارومتر التشاركي باعتباره آلية مبتكرة لتعزيز الديمقراطية التشاركية وترسيخ مشاركة المواطنات والمواطنين في تدبير الشأن المحلي. وتتمثل وظائف هذه الآلية في: أ. قياس مؤشرات الديمقراطية التشاركية: من خلال رصد مستوى مشاركة المواطنات والمواطنين وانخراطهم في الحياة الجماعية. ب. استطلاع آراء المواطنين: عبر آليات منتظمة ودورية تتيح التعرف على انتظاراتهم وتصوراتهم بشأن القضايا التي تهمهم. ت. تتبع إدماج مقاربة النوع الاجتماعي: من خلال توفير إطار مرجعي لرصد وتقييم مدى إدماج البعد الاجتماعي والنوعي في برنامج عمل الجماعة. ث. تقييم السياسات والخدمات العمومية: عبر إشراك المواطنين مباشرة في تتبع وتقييم السياسات والبرامج والخدمات المقدمة لهم، باستخدام الاستبيانات واللقاءات المباشرة والمنصات الرقمية. تكمن خصوصية هذه التجربة في توسيع أدوار الهيئة، بحيث لم تعد تقتصر على إبداء الرأي وتقديم المقترحات، بل أصبحت تضطلع بدور الوساطة التشاركية، من خلال تشكيل فضاء مؤسساتي لإبراز آراء المواطنات والمواطنين ونقلها وتبليغها إلى الجماعة، بما يساهم في تعزيز التواصل بين المؤسسة المنتخبة والساكنة، وجعل السياسات العمومية المحلية أكثر استجابة لحاجياتها وانتظاراتها. الخلاصة: يشكل البارومتر التشاركي أداة للانتقال من المشاركة الظرفية إلى المشاركة المنتظمة والمؤطرة، ومن مجرد الاستماع إلى المواطنين إلى إشراكهم في تتبع وتقييم العمل الجماعي. 4. تجربة الهيئة الإقليمية للمساواة وتكافؤ الفرص ومقاربة النوع بإقليم صفرو تميزت تجربة الهيئة الإقليمية للمساواة وتكافؤ الفرص ومقاربة النوع بإقليم صفرو بإحداث الشبكة الإقليمية للهيئات الاستشارية، باعتبارها مبادرة تروم تعزيز التنسيق والتشاور بين الهيئة والفاعلين المدنيين، وتوسيع آفاق المشاركة المواطنة في تدبير الشأن العام الترابي. شكلت هذه الشبكة فضاء للتفاعل وتبادل الرؤى والخبرات، وأسهمت في: • تقديم آراء ومقترحات استشارية بشأن برامج تنمية الإقليم. • المشاركة في تتبع تنفيذ برنامج تنمية الإقليم، والمساهمة في تقييم مدى تنزيل برامجه ومشاريعه. • تعزيز التنسيق بين الهيئات الاستشارية ومكونات المجتمع المدني. • العمل على إدماج مقاربة النوع الاجتماعي في السياسات العمومية الترابية، بما يضمن مراعاة مبادئ المساواة وتكافؤ الفرص والإنصاف. بذلك، شكلت تجربة الشبكة الإقليمية بإقليم صفرو نموذجا للعمل التشاركي والتنسيق المؤسساتي، الرامي إلى تعزيز الديمقراطية التشاركية وترسيخ مقاربة النوع في تدبير الشأن العام المحلي. 5. جماعة الصويرة: المشاركة في إعداد برنامج الانفتاح في أبريل 2023، شاركت هيئة المساواة وتكافؤ الفرص ومقاربة النوع بجماعة الصويرة في ورشة للإعداد المشترك لبرنامج عمل الجماعة المنفتحة، إلى جانب أعضاء المجلس وموظفي الجماعة وممثلين عن مؤسسات وهيئات أخرى. وقد اندرج اللقاء ضمن مسار يرمي إلى تعزيز الشفافية والمشاركة المواطنة والحق في الوصول إلى المعلومة. توضح هذه التجربة أن الهيئة تستطيع أن تتجاوز الاشتغال المنعزل على قضايا المساواة، وأن تساهم في مسارات أوسع للحكامة والانفتاح، بما يجعل مبادئ المساواة وتكافؤ الفرص جزءا من طريقة تدبير الشأن المحلي. لكن المشاركة في ورشة أو مسار تشاوري تظل خطوة أولى؛ إذ ينبغي أن يتبعها تتبع لما تم اعتماده، وتحديد للمسؤوليات، وقياس لما تحقق. 6. جماعة العرائش: من الإعداد المشترك إلى التنفيذ المشترك. في جماعة العرائش، أُعلن سنة 2024 عن انطلاق تنفيذ برنامج عمل الجماعة المنفتحة برسم سنتي 2024 و2025. وتضمن البرنامج مشروعا يتعلق بصيانة المناطق الخضراء والمحافظة عليها، مع نشاط تحسيسي في الأحياء بشراكة مع جمعية محلية، كما شارك أعضاء من هيئة المساواة وتكافؤ الفرص ومقاربة النوع في المسار المرتبط بالبرنامج. تتيح هذه التجربة فرصة للتفكير في كيفية ربط المشاركة المواطنة بالمشروعات الملموسة. فالفضاءات الخضراء، على سبيل المثال، ليست مجرد قضية بيئية؛ بل ترتبط أيضا بحق مختلف فئات الساكنة في فضاءات عمومية آمنة ومتاحة، وبمدى مراعاة احتياجات الأطفال والنساء وكبار السن والأشخاص في وضعية إعاقة. لكن من المهم ألا ننسب إلى الهيئة أثرا محددا لم تثبته الوثائق المنشورة. فالمطلوب هو التحقق من مساهمتها الفعلية في صياغة المشروع، وما التوصيات التي اقترحتها، وما إذا كانت قد انعكست في التنفيذ والتقييم. تؤكد هذه الأمثلة الستة أن هناك مبادرات جديرة بالتثمين، وأن الهيئة يمكن أن تكون فاعلا في قضايا التشغيل والانفتاح والتدبير المحلي. لكنها تؤكد أيضا الحاجة إلى توثيق مآل المقترحات وربطها بالقرارات والنتائج. من هنا، أقترح أن تكون التجارب الترابية موضوع حصيلة سنوية منشورة، تعرض لكل تجربة: المشكلة التي عالجتها الهيئة، والتوصيات التي قدمتها، وموقف المجلس منها، وما تم تنفيذه، والنتائج التي أمكن قياسها. خامسا: لماذا يظل تأثير الهيئات محدودا في حالات عديدة؟ إذا كانت المرجعية الدستورية واضحة، والإطار القانوني قائما، رغم نواقصه، والإحداث واسع الانتشار، فلماذا لا يظهر تأثير الهيئات دائما بالقدر المنتظر؟ يمكن، انطلاقا من النقاش حول واقع اشتغالها، تحديد ثلاثة عوامل أساسية ومترابطة. العامل الأول: محدودية اهتمام بعض المنتخبين وكفاءتهم في مجال الديمقراطية التشاركية يتعامل بعض المنتخبين مع الهيئة باعتبارها إجراء قانونيا ينبغي استكماله، لا شريكا يمكن أن يساهم في تحسين القرار العمومي. وقد يعود ذلك إلى ضعف الإلمام بأهداف الديمقراطية التشاركية، أو إلى عدم الاقتناع بقيمة مساهمة المجتمع المدني، أو إلى الخلط بين الاستشارة والتدخل في الاختصاصات القانونية للمجلس. في حالات أخرى، يكون ضعف التفاعل مرتبطا بضعف فهم واحترام آليات تلقي الآراء الاستشارية ودراستها والإجابة عنها، داخل مجلس الجماعة الترابية. تكون النتيجة مخيبة للآمال، إذ تبذل الهيئة جهدا في التشخيص والاقتراح، لكن رأيها لا يجد مسارا مؤسساتيا واضحا للوصول إلى اللجان المختصة أو إلى جدول أعمال المجلس أو إلى مرحلة إعداد البرامج والميزانيات. إن المطلوب ليس أن يقبل المجلس كل ما تقترحه الهيئة، بل أن يتعامل مع مقترحاتها بجدية، وأن يدرسها على أساس مضمونها ومدى ملاءمتها للاختصاصات والإمكانات، وأن يوضح موقفه منها. فالمجلس الذي يستمع إلى المجتمع المدني لا يفقد شرعيته التمثيلية، بل يمكن أن يعززها، لأنه يوسع قاعدة المعلومات التي يستند إليها في اتخاذ القرار. العامل الثاني: محدودية قدرات بعض مكونات المجتمع المدني وضعف الالتزام لا يمكن تحميل المنتخبين وحدهم مسؤولية ضعف فاعلية الهيئات. فالمجتمع المدني بدوره يواجه تحديات تتعلق بالقدرات والخبرة والتنظيم والاستمرارية. يمكن إبراز خمسة جوانب في هذا المجال. أولها، ضعف فهم بعض الأعضاء لطبيعة الدور الاستشاري للهيئة، ولحدود اختصاصاتها، ولعلاقتها بالمجلس المنتخب وبباقي الفاعلين المحليين. ثانيها، محدودية استيعاب بعض المفاهيم الأساسية التي تدخل ضمن اختصاص الهيئة، ولا سيما المساواة وتكافؤ الفرص ومقاربة النوع. فمقاربة النوع لا تعني مجرد زيادة عدد النساء في الأنشطة أو الاجتماعات، بل تعني تحليل كيفية توزيع الموارد والخدمات والفرص، وتحديد ما إذا كانت السياسات العمومية تستجيب للحاجيات المختلفة للنساء والرجال. ثالثها، ضعف الخبرة في الانتقال من النقاش الشفوي إلى تحرير رأي استشاري مكتوب، يتضمن تشخيصا دقيقا للمشكلة، ومعطيات داعمة، وتحليلا للأسباب، وتوصيات واضحة قابلة للتنفيذ والتتبع. هذه نقطة جوهرية؛ لأن النقاش، مهما كان غنيا، يفقد جزءا كبيرا من قيمته إذا لم يتحول إلى وثيقة منظمة يستطيع المجلس دراستها والرجوع إليها وتقييم ما ترتب عنها. رابعها، ضعف الالتزام بالحضور المنتظم والمشاركة الفعلية في مجموعات العمل. فالهيئة لا يمكن أن تشتغل بفعالية إذا ظل الحضور متقطعا، أو إذا انحصر دور الأعضاء في الاجتماعات العامة دون الانخراط في إعداد الوثائق والتوصيات ومتابعتها. أما الجانب الخامس فيتعلق بضعف التواصل مع المحيط الاجتماعي والمؤسساتي. إذ لا تستطيع الهيئة أن تمثل قضايا الساكنة تمثيلا جيدا إذا لم تنفتح على الجمعيات والفئات المعنية، ولم تستمع إلى تجارب النساء والشباب والأشخاص في وضعية إعاقة وسكان المناطق المهمشة، وإذا لم تعتمد على معطيات واقعية تساعدها على ترتيب الأولويات. فالهيئة الفاعلة ليست مجرد مجموعة من الأشخاص يجتمعون داخل مقر المجلس، بل قناة منظمة لنقل حاجيات المجتمع ومقترحاته إلى مركز القرار. العامل الثالث: ضعف التتبع والمواكبة المؤسساتية يتمثل العامل الثالث في محدودية تتبع تفعيل الهيئات ومواكبتها من قبل الجهات والمؤسسات المعنية، كل في حدود اختصاصاته. لا يتعلق الأمر بالمراقبة القانونية وحدها، بل أيضا بالحاجة إلى تتبع انتظام الاجتماعات، ومدى وجود برامج عمل، وحجم الآراء الاستشارية المقدمة، وطبيعة التفاعل معها، ومدى استمرارية اشتغال الهيئة. كما أن إعداد الدلائل التنظيمية والتكوينية، رغم أهميته، ينبغي أن يصاحبه دعم عملي يتيح للأعضاء اكتساب المهارات الضرورية، ويساعد المجالس على تنظيم استقبال الآراء الاستشارية ودراستها وتتبعها. والمقصود هنا ليس أن تتحول سلطة المراقبة إلى جهة تفرض مضمون الآراء الاستشارية أو تحل محل المجلس المنتخب، وإنما أن تساهم، في إطار اختصاصاتها، في ترسيخ قواعد الشفافية والانتظام، وتشجيع إعداد حصائل دورية، وتوفير المعطيات اللازمة لتقييم عمل هذه الهيئات. إن ضعف التأثير، إذن، لا يرجع إلى عامل منفرد، بل إلى علاقة متبادلة بين مجلس قد لا يولي الاستشارة ما تستحقه من اهتمام، وهيئة قد تفتقر إلى المهارات والوسائل، ومحيط مؤسساتي لا يوفر دائما ما يكفي من التتبع والمواكبة. سادسا: من الهيئة الشكلية إلى الهيئة المؤثرة - ما العمل؟ إذا أردنا أن تصبح هيئات المساواة وتكافؤ الفرص ومقاربة النوع آليات فعالة في صناعة القرار العمومي الترابي، فإن الأمر يتطلب الانتقال من منطق الإحداث الشكلي إلى منطق العمل المنتظم والنتائج القابلة للقياس. وأقترح في هذا الإطار ستة مداخل عملية. أولا: تقوية قدرات المنتخبين وأعضاء الهيئات ينبغي تنظيم دورات تكوينية عملية للمنتخبين وأعضاء الهيئات، لا تقتصر على التعريف بالديمقراطية التشاركية، بل تشمل أيضا تقنيات التشخيص، ومقاربة النوع، وتحليل البرامج والميزانيات، وصياغة الآراء الاستشارية، وتتبع تنفيذ التوصيات وتقييم نتائجها. يستحسن أن تكون هذه الدورات تطبيقية، تنطلق من مشكلات واقعية في الجماعات الترابية، حتى يستطيع المشاركون تحويل المعارف إلى أدوات عمل. ثانيا: تنظيم مسار واضح لتلقي الآراء الاستشارية ودراستها من المفيد أن يعتمد كل مجلس مسارا مؤسساتيا واضحا يحدد كيفية إحالة الآراء الاستشارية على اللجان المعنية، وكيفية مناقشتها، وتحديد الجهة المسؤولة عن إعداد الجواب، وإبلاغ الهيئة بمآل توصياتها. ولا يعني ذلك فرض قبول الرأي، بل ضمان ألا يظل مجهول المصير. من شأن هذا المسار أن يخلق علاقة مؤسساتية منتظمة بين الهيئة والمجلس، عوض أن تتوقف المشاركة على المبادرات الشخصية أو على درجة الانفتاح لدى هذا المنتخب أو ذاك. ثالثا: تطوير جودة الآراء الاستشارية ينبغي أن ينتقل عمل الهيئة من تسجيل الانشغالات العامة إلى إنتاج آراء مكتوبة تتضمن عناصر محددة: تشخيص المشكلة، والمعطيات التي تثبتها، والفئات المتضررة، والأسباب المحتملة، والتوصيات المقترحة، والجهات المسؤولة عن تنفيذها، والمؤشرات التي يمكن استخدامها لتقييمها. فكلما كان الرأي الاستشاري واضحا ومبنيا على المعطيات وقابلا للتنفيذ، ازدادت فرص الاستفادة منه. رابعا: توسيع التواصل مع الساكنة والفئات المعنية ينبغي ألا تنحصر أنشطة الهيئة في الاجتماعات الداخلية، بل يجب أن تشمل لقاءات تشاورية مع الجمعيات والفئات المستهدفة، واستعمال الوسائل الرقمية عند الإمكان، ونشر خلاصات العمل بلغة واضحة ومفهومة. كما ينبغي الحرص على إشراك النساء والشباب والأشخاص في وضعية إعاقة والفئات التي يصعب عليها الوصول إلى المؤسسات، حتى لا تتحول الهيئة إلى فضاء تتحدث فيه الجمعيات بعضها إلى بعض دون أن تنقل فعليا أصوات الفئات التي يفترض أن تخدم قضاياها. خامسا: ربط التوصيات بالبرامج والميزانيات إن إدماج مقاربة النوع لا ينبغي أن يبقى في مستوى الخطاب أو التصريحات. فمن الضروري فحص مدى انعكاس مبادئ المساواة وتكافؤ الفرص على البرامج والمشروعات والاعتمادات المالية. يمكن، على سبيل المثال، دراسة توزيع الاستفادة من برامج التشغيل، ومدى استفادة النساء والرجال من الخدمات الجماعية، وشروط الولوج إلى المرافق العمومية، وتوزيع الفضاءات الخضراء والمرافق الرياضية والثقافية، ومدى مراعاة حاجيات الأشخاص في وضعية إعاقة. وبذلك تصبح الهيئة قادرة على تقديم اقتراحات عملية، ومساءلة البرامج العمومية من زاوية الإنصاف، والمساهمة في تحسين توجيه الموارد المتاحة. سادسا: اعتماد حصيلة سنوية علنية لعمل الهيئة أقترح أن تنشر كل هيئة، بتنسيق مع المجلس، حصيلة سنوية موجزة تتضمن عدد الاجتماعات، والمواضيع التي تمت دراستها، والآراء الاستشارية التي أُعدت، والتوصيات التي قدمت، وموقف المجلس منها، وما تم تنفيذه، والنتائج التي أمكن قياسها. من الأفضل أن تتضمن هذه الحصيلة جدولا واضحا يبين مآل كل توصية: هل قبلت؟ هل قبلت جزئيا؟ هل رفضت مع توضيح الأسباب؟ هل أُدرجت في برنامج أو مشروع؟ وهل رصدت لها اعتمادات مالية؟ وما الذي تحقق فعليا؟ من شأن هذا الإجراء أن يعزز الشفافية والمساءلة، ويساعد على مقارنة التجارب الترابية واستخلاص الممارسات الجيدة، كما يمنح الرأي العام وسيلة لمعرفة ما إذا كانت المشاركة قد أسهمت فعلا في تطوير القرار العمومي. سابعا: الخاتمة - من المشاركة إلى التأثير إن هيئات المساواة وتكافؤ الفرص ومقاربة النوع تمثل مكسبا مؤسساتيا مهما في مسار تفعيل الديمقراطية التشاركية بالمغرب. وقد تحقق تقدم ملموس على مستوى إحداثها، كما تبرز تجارب ترابية أن هذه الهيئات تستطيع تقديم مقترحات عملية والمشاركة في إعداد البرامج والمبادرات المحلية. غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن في عدد الهيئات الموجودة، ولا في عدد الاجتماعات المنظمة، بل في قدرتها على تحويل حاجيات الساكنة إلى اقتراحات مدروسة، وتحويل الاقتراحات إلى قرارات وبرامج، وتحويل القرارات إلى نتائج ملموسة في حياة المواطنين والمواطنات. لا يمكن تحقيق ذلك إذا تعامل المجلس المنتخب مع الهيئة باعتبارها مجرد استجابة لمقتضى قانوني، أو إذا ظل المجتمع المدني عاجزا عن تحويل النقاش إلى آراء مكتوبة ومقترحات قابلة للتنفيذ، أو إذا غابت المواكبة والتتبع وتقييم النتائج. إننا بحاجة إلى علاقة تكاملية بين ثلاثة أطراف: مجلس منتخب يمتلك الاستعداد للإنصات والتفاعل؛ ومجتمع مدني قادر على التشخيص والاقتراح والترافع والمتابعة؛ ومواكبة مؤسساتية تساعد على انتظام العمل ووضوح نتائجه. كما أن علينا أن ننتقل من سؤال: هل أُحدثت الهيئة؟ إلى سؤال أكثر أهمية: ماذا غيرت هذه الهيئة في القرار العمومي؟. وأن ننتقل من سؤال: كم رأياً استشارياً أُخذ بعين الاعتبار؟ إلى أسئلة أدق: أي توصيات اعتمدت؟ وكيف نفذت؟ وما أثرها في توزيع الفرص وتحسين الخدمات وتعزيز المساواة؟». إن الديمقراطية التشاركية لا تعني أن يتخلى المنتخبون عن مسؤولياتهم، كما لا تعني أن يكتفي المواطنون بتقديم مطالبهم وانتظار الاستجابة. إنها تعني بناء علاقة مستمرة بين التمثيل والمشاركة، بين القرار والخبرة المجتمعية، وبين المسؤولية السياسية والمساءلة المواطنة. إذا أردنا أن تكون هيئات المساواة وتكافؤ الفرص ومقاربة النوع مدرسة للديمقراطية التشاركية بالفعل، فعلينا أن نجعلها فضاء للتعلم والعمل المشترك، ولتكوين نخب مدنية قادرة على المساهمة في الشأن العام، ولمجالس منتخبة تنفتح على النقد والاقتراح، ولمؤسسات تقيس نجاحها بما تحققه من نتائج، لا بمجرد ما تحدثه من هياكل. فالهيئة الاستشارية الفعالة تحتاج إلى ثلاثة عناصر متكاملة: مجلس مستعد للإنصات والتفاعل، ومجتمع مدني قادر على التشخيص والاقتراح والمتابعة، ومواكبة مؤسساتية تضمن استمرارية العمل ووضوح نتائجه، وتشريع يتطور ويستجيب للظروف والحاجيات. بهذا المعنى، فإن نجاح هذه الهيئات ليس شأنا يخص أعضاءها وحدهم، بل هو اختبار لمدى قدرتنا على بناء ديمقراطية ترابية تجعل المواطن شريكا في تحديد الأولويات، وفي تحسين القرار العمومي، وفي الدفاع عن المساواة والعدالة الاجتماعية والتنمية المنصفة.
#عبدالله_بولرباح (هاشتاغ)
Abdellah_Boularbah#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
ليلة خارج الأسوار، قصة عن الحرية والتيه وكلمة أعادتني إلى ال
...
-
الزراعة الأسرية بالمغرب: من قاعدة لإنتاج الغذاء إلى قاعدة لت
...
-
نشيد الروح والجسد
-
الإنسان في زمن الرقمنة: حين تتحول الهوية إلى ملف
-
هل يصنع التصنيع وحده التنمية؟
-
سيدة العاصفة
-
من أجل رؤية جديدة للتنمية بالمغرب
-
غابتي
-
على مرمى نضال
-
الخبر أولا أم الإنسان أولا؟
-
الواقفون على الهامش(قصة قصيرة)
-
فرانتشيسكا...سيدة الحقيقة
-
التحالفات الانتخابية...المقاعد أم البرنامج؟
-
السروال والرجال الحقيقيون
-
عودة إلى كتاب: -الدولة والثورة- لأرثور أرنولد: ما الذي يميز
...
-
سباق العيد
-
كتاب -الدولة والثورة- لأرثور أرنولد، كتاب لم ينصفه التاريخ
-
كلنا هادئون...إلى أن تختبرنا الحياة
-
الجمال لا يلتقط...بل يصان
-
الرأسمالية حين تضيق بها الأرض: من التوسع المادي إلى التضخم ا
...
المزيد.....
-
-ليس معاداة للمسلمين-.. نائبة ديمقراطية تدعم المنافس الجمهور
...
-
تل أبيب تستعرض صور المقاتلات الحربية وطائرات التزود بالوقود
...
-
زاخاروفا تعلق على الأزمة الدستورية في بولندا
-
حزب -الليكود- بزعامة نتنياهو يهاجم إيزنكوت وشركاءه وبينيت يع
...
-
ترامب يتوعد باستخدام الفيتو ضد مشاريع الديمقراطيين في حال سي
...
-
ميركل تحذر من محاولات إحداث انقسام في المجتمع الألماني
-
دعوات في إيران للانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي تصل قب
...
-
صراع توسيع الشراكات بين نتنياهو وآيزنكوت
-
القناة 12: ترامب ونتنياهو يبحثان المفاوضات مع إيران في محادث
...
-
تحذيرات صحية وشتاء قاس يثيران سخط سكان كييف
المزيد.....
-
ضحايا صدام حسين
/ صباح يوسف ابراهيم
-
الزمن المقلوب
/ رائد الجحافي
-
عيوب الذكاء الاصطناعي
/ رائد الجحافي
-
عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي
/ رائد الجحافي
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
المزيد.....
|