|
|
الإنسان في زمن الرقمنة: حين تتحول الهوية إلى ملف
عبدالله بولرباح
كاتب وباحث
(Abdellah Boularbah)
الحوار المتمدن-العدد: 8855 - 2026 / 10 / 11 - 02:44
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
من الحالة المدنية إلى البصمة الرقمية: أسئلة الحرية والخصوصية والحميمية في المجتمع المغربي
لم يعد الإنسان المعاصر يعيش باسمه وذاكرته وعلاقاته وتجربته الشخصية فحسب، بل أصبح يعيش أيضا داخل شبكة واسعة من المعلومات التي تصفه وتحدده وترافقه أينما ذهب. فمنذ لحظة الميلاد، تبدأ المؤسسات في تسجيل وجوده: الاسم والنسب وتاريخ الميلاد ومكانه، ثم العنوان والحالة العائلية والمستوى الدراسي والمهنة والوضعية الاجتماعية، وصولا إلى رقم التعريف الوطني والحسابات الرقمية والبصمات الإلكترونية. هكذا، لا يعود الإنسان مجرد كائن يعيش في المجتمع، بل يصبح أيضا موضوعا للتسجيل والتصنيف والتتبع. لقد كانت هذه العملية، في بدايتها، ضرورة تنظيمية فرضتها حاجات الدولة الحديثة إلى ضبط الحالة المدنية، وتحديد الحقوق والواجبات، وتنظيم العلاقات بين الأفراد والمؤسسات. إذ تتيح الهوية القانونية للإنسان إثبات وجوده، والاستفادة من الخدمات العامة، وممارسة حقوقه المدنية والسياسية. ليس في تسجيل المعلومات الأساسية ما يثير الاعتراض في حد ذاته، ما دامت له غاية مشروعة وتحيط به الضمانات اللازمة. غير أن السؤال يبدأ عندما تتجاوز المعلومات وظيفتها الأصلية، وعندما تتحول من وسيلة لإثبات الهوية وتنظيم الحقوق إلى أداة يمكن بواسطتها اختزال الإنسان في مجموعة من البيانات. فالإنسان ليس اسمه وحده، ولا عنوانه، ولا مهنته، ولا وضعه العائلي، ولا مجموع الوثائق التي تثبت صفته القانونية. إنه كائن متغير، تتبدل أفكاره ومواقفه ورغباته وعلاقاته، ويحمل في داخله جوانب لا تستطيع الاستمارات الإدارية، مهما بلغت دقتها، أن تحيط بها. من الهوية القانونية إلى الإنسان المصنف تستمد الهوية الإدارية أهميتها من كونها تجعل الفرد معروفا لدى المؤسسات، لكن الخطر يكمن في أن يصبح ما تعرفه المؤسسة عنه أهم مما هو عليه في الواقع. فقد تتحول معلومة جزئية إلى حكم شامل، أو يصبح تصنيف إداري أو اجتماعي أساسا لاتخاذ قرار يمس حياة الإنسان، دون أن تتاح له دائما فرصة معرفة كيف جرى ذلك أو الاعتراض عليه. إن الملف الإداري لا يحتفظ بالإنسان في كليته، بل يقدم صورة منتقاة عنه، تتحدد وفق الحاجات والأهداف التي أُنشئ من أجلها. وما لا يدخل في هذه الصورة قد يكون، في نظر الإدارة، غير ذي صلة، لكنه قد يكون بالغ الأهمية في حياة صاحبه. فالإنسان الذي يظهر في وثيقة باعتباره عاطلا عن العمل، مثلا، ليس مجرد عاطل، إنه شخص له تاريخ وقدرات وتطلعات وعلاقات، وقد يكون في مرحلة انتقالية من حياته. كما أن تصنيف شخص وفق عنوانه أو دخله أو مهنته لا يكشف بالضرورة عن حقيقة وضعه الاجتماعي أو عن الإمكانات التي يمتلكها. من هنا تبرز ضرورة التمييز بين معرفة الإنسان واختزاله. فالمعرفة الإدارية التي تساعد على ضمان الحقوق وتيسير الخدمات أمر مشروع وضروري، أما تحويل البيانات إلى صورة نهائية عن الفرد، أو التعامل معها باعتبارها بديلا عن فهمه، فينطوي على خطر اجتماعي وأخلاقي. إن الإنسان أكبر من ملفه، حتى عندما يكون الملف صحيحا ومتكاملا من الناحية التقنية. الدولة الرقمية: بين تيسير الخدمات وحماية الحقوق لقد وسعت الرقمنة إمكانات الإدارة الحديثة، وأتاحت تبسيط عدد من الإجراءات، وتقليص الحاجة إلى التنقل والانتظار، وتسريع تبادل المعلومات بين المؤسسات. في المغرب، كما في بلدان أخرى، أصبح التحول الرقمي جزءا من مسار تحديث الإدارة وتطوير الخدمات العمومية. وهو مسار يمكن أن يحمل فوائد حقيقية للمواطن، شريطة ألا يختزل التحديث في رقمنة الإجراءات القديمة، بل أن يشمل أيضا مراجعة طبيعة المعلومات المطلوبة، وطرق جمعها، والجهات التي تتولى حفظها ومعالجتها. فليس كل إجراء إداري يصبح أكثر عدلا لمجرد نقله من الورق إلى الشاشة، وليس كل جمع للبيانات يصبح مبررا لمجرد أن التكنولوجيا تتيح القيام به بسهولة. قد تؤدي الرقمنة، إذا غابت عنها الضوابط، إلى مضاعفة حجم المعلومات المتداولة، وربط قواعد بيانات متباعدة، وإطالة عمر المعلومات الشخصية، وتوسيع دائرة الجهات التي يمكنها الوصول إليها. إذا كان التحول الرقمي يتيح للإدارة أن تعرف عن المواطن أكثر مما كانت تعرفه من قبل، فإن ذلك يفرض عليها في المقابل مسؤولية أكبر في تحديد الغرض من جمع المعلومات، وضمان عدم استعمالها خارج هذا الغرض، وتأمينها من التسريب أو الاستعمال غير المشروع، وعدم الاحتفاظ بها مدة تتجاوز ما تقتضيه الحاجة القانونية والإدارية. لا يتعلق الأمر هنا برفض التحديث أو الحنين إلى الإدارة الورقية، بل بطرح سؤال جوهري: كيف نجعل التكنولوجيا في خدمة المواطن، بدل أن يتحول المواطن إلى مصدر دائم للبيانات التي تتوسع المؤسسات في جمعها وتبادلها؟ من المقدم إلى المطبوع الإداري: الخصوصية في تفاصيل الحياة اليومية تتضح هذه الإشكالية أكثر عندما ننتقل من المبادئ العامة إلى الممارسات اليومية التي يلتقي فيها المواطن بالإدارة المحلية. فمن خلال تجربتي الشخصية على المستوى المحلي، لفت انتباهي أن طلب بعض الشهادات الإدارية قد يصاحبه جمع معطيات شخصية عبر مطبوعات ورقية يتولى توزيعها أو استكمالها أعوان السلطة المعروفون محليا باسم "المقدمين". لا يتعلق الاعتراض هنا بمجرد استخدام الورق، ولا بضرورة التحقق من بعض المعلومات التي قد تكون مطلوبة قانونا لإنجاز شهادة إدارية. فالسؤال الأهم هو: ما المعطيات التي تطلب من المواطن؟ ولماذا تطلب؟ ومن الجهة المسؤولة عن معالجتها وحفظها؟ وما الضمانات المتاحة لمنع الاطلاع عليها أو استعمالها خارج الغرض الذي جمعت من أجله؟ تزداد هذه المسألة وضوحا عندما نتأمل بعض الاستمارات المستعملة في الإدارة المحلية. فإلى جانب المعلومات المتعلقة بالهوية والعنوان، نجد نموذجا يتضمن حقولا عن المهنة، والمستوى الدراسي، ومكان العمل، والأصل الترابي، وطبيعة استغلال السكن، وسبب الانتقال إلى محل الإقامة الحالي. لا يتعلق الأمر هنا بمجرد تسجيل اسم المواطن وعنوانه، بل بجمع عناصر متعددة ترسم صورة عن وضعه الاجتماعي ومساره الشخصي. طبعا، لا تكفي هذه الملاحظة وحدها للحكم على مشروعية الاستمارة أو عدمها، فقد تكون لبعض المعلومات أغراض إدارية محددة. لكن السؤال الذي تفرضه الوثيقة هو: ما الغرض من كل حقل؟ وهل تستلزم الشهادة المطلوبة جمع كل هذه المعطيات؟ ومن يحدد طريقة استعمالها وحفظها، وما الضمانات التي تحمي المواطن من توظيفها خارج الغرض الذي جمعت من أجله؟ إن احترام الحياة الخاصة لا يقتضي منع الإدارة من الحصول على المعلومات الضرورية لأداء وظائفها، بل يقتضي أن تكون كل معلومة مطلوبة مبررة بغاية واضحة ومشروعة، وألا تتحول الاستمارة الإدارية إلى وسيلة لجمع أكبر قدر ممكن من المعلومات عن المواطن دون بيان كاف لضرورتها. فكلما اتسعت دائرة البيانات المجمعة، ازدادت أهمية تحديد المسؤوليات وضمان السرية وإحاطة المواطن علما بحقوقه. إن جمع المعلومات الشخصية ليس عملية محايدة تماما، فهو ينشئ مسؤولية تتعلق بكيفية التعامل معها، وبمدى ضرورتها وتناسبها مع الغرض الإداري. لذلك، فإن المطبوع الذي يطلب بيانات عن المواطن ينبغي أن يكون واضحا في الغاية من جمعها، وفي الجهة التي تتحمل مسؤولية معالجتها، وفي كيفية التعامل معها وفق القواعد القانونية المعمول بها. كما ينبغي أن تتوافر التدابير الملائمة لحفظها وسريتها، بما يتناسب مع طبيعتها وحجم المخاطر المرتبطة بها. في بعض الحالات التي اطلعت عليها، أثارني غياب بيان واضح أو تنبيه مستقل في المطبوعات، بشأن الغرض من جمع المعطيات والجهة المسؤولة عن معالجتها ومدة الاحتفاظ بها، وكيفية حمايتها، وحقوق المواطن بشأنها، وباقي الضمانات المتعلقة بها. لا يعني ذلك، أن مجرد ملاحظة هذا الغياب يعتبر مخالفة قانونية ثابتة، إذ يتطلب الحكم على كل حالة فحص الوثيقة والسياق القانوني والإداري الذي تستعمل فيه. لكنه يطرح سؤالا مشروعا عن مدى حضور ثقافة حماية المعطيات الشخصية في الممارسة اليومية للإدارة المحلية. تزداد أهمية هذا السؤال بالنظر إلى طبيعة العمل الميداني الذي يقوم به أعوان السلطة، وإلى الوسائل المتاحة لهم في جمع الوثائق والتعامل معها وحفظها. فالمطلوب ليس توجيه الاتهام إلى الأشخاص الذين ينفذون هذه الإجراءات، بل التأكد من أن المنظومة التي يعملون في إطارها توفر لهم التعليمات والتجهيزات والتكوين والضمانات اللازمة. إذ لا يمكن تحميل الموظف أو العون وحده مسؤولية حماية البيانات إذا لم تكن هناك قواعد عملية واضحة تحدد كيفية جمعها ونقلها وحفظها والجهة المسؤولة عنها. ماذا تغير بين الشهادة المكتوبة بخط اليد والمطبوع الورقي؟ تستحضرني، في هذا السياق، ممارسة سابقة عشتها خلال عقود مضت. فقد كان عون السلطة يكتفي، في الحالات التي عرفتها، بتسليم المواطن شهادة مكتوبة بخط اليد تتضمن المعلومات الضرورية، مع تسجيل مختصر لها في سجل خاص. وكان المواطن يقدم تلك الشهادة إلى الإدارة المحلية المختصة، فتنجز له الوثيقة المطلوبة، وتحتفظ بالمستند وفق ما جرى به العمل. لا أزعم أن هذه الممارسة القديمة كانت خالية من كل إشكال، أو أنها تصلح نموذجا كاملا لحماية الحياة الخاصة. لكن ما يستحق التأمل في هذه المقارنة هو مقدار المعلومات التي كانت تجمع وتتداول، ومدى اختصارها، وطبيعة انتقالها من جهة إلى أخرى. فقد كانت الممارسة، بحسب ما عاينته، أكثر اختصارا في بعض الحالات، بينما تثير المطبوعات الحالية سؤالا عن مدى الحاجة إلى كل حقل من حقول المعلومات التي تتضمنها. لذلك، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كان تحديث الإجراءات الإدارية قد رافقه تحديث مماثل في قواعد حماية المعطيات، أم أن بعض الممارسات اكتسبت شكلا جديدا من دون أن تتضح بالقدر الكافي حدود المسؤولية والضمانات المترتبة عليها. إن المقارنة بين الماضي والحاضر لا ينبغي أن تتحول إلى دعوة للعودة إلى الإدارة الورقية، بل إلى فرصة لمراجعة الإجراءات القائمة. فإذا كانت التكنولوجيا تتيح جمع المعلومات وتبادلها بسرعة أكبر، فإنها تتيح أيضا وضع ضوابط أفضل لتحديد الصلاحيات، وتسجيل عمليات الولوج إلى البيانات، وتقليص تداول الوثائق، ومراقبة احترام قواعد الحفظ والسرية. إن التحديث الحقيقي هو الذي يقلل العبء عن المواطن، ويحد من جمع المعلومات غير الضرورية، ويضمن أن تكون كل معالجة للبيانات مرتبطة بغرض واضح ومشروع. القانون المغربي: حماية الحق ومسؤولية التطبيق لم يترك المشرع المغربي حماية الحياة الخاصة والمعطيات الشخصية خارج دائرة الاهتمام القانوني. فالفصل 24 من الدستور المغربي يكرس حماية الحياة الخاصة، كما ينظم القانون رقم 09.08 حماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي. تكتسي هذه المقتضيات أهمية خاصة في زمن تتسع فيه عمليات جمع المعلومات وتخزينها وتبادلها. فحماية المعطيات لا تقتصر على منع نشر الأسرار الشخصية أو تسريبها إلى العموم، بل تشمل أيضا مشروعية جمعها، وتحديد الغرض من معالجتها، واحترام مبدأ التناسب، وضمان دقتها، وعدم الاحتفاظ بها أكثر مما تقتضيه الحاجة، واتخاذ التدابير اللازمة لحمايتها. من المهم كذلك الانتباه إلى أن المعالجة لا تعني بالضرورة استخدام الحاسوب أو قاعدة بيانات إلكترونية، فقد تشمل، وفق نطاق القانون وشروطه، معالجة المعطيات بوسائل غير آلية ضمن ملفات منظمة. لذلك لا يكفي القول إن الوثائق ورقية للظن أنها خارج دائرة حماية المعطيات الشخصية. كما أن تحديد المسؤولية القانونية لا يتوقف فقط على الشخص الذي يسلم المطبوع أو يملؤه، بل يتطلب النظر في الجهة التي تحدد أغراض المعالجة ووسائلها، وفي الأدوار التي تضطلع بها مختلف الأطراف. فحماية البيانات مسؤولية تنظيمية ومؤسساتية، لا مجرد التزام فردي معزول. لكن وجود النص القانوني لا يعني بالضرورة أن مقتضياته حاضرة بالدرجة نفسها في كل ممارسة يومية. فبين القانون وتطبيقه مسافة قد تتسع أو تضيق بحسب وضوح الإجراءات، وتكوين العاملين، وتوافر الوسائل، وإمكان مراقبة التنفيذ، ومعرفة المواطن بحقوقه. من هنا تبرز أهمية دور اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، وأهمية نشر ثقافة قانونية تجعل حماية البيانات جزءا من جودة الخدمة العمومية، لا إجراء ثانويا أو عبئا إداريا إضافيا. إن المطلوب هو أن يصبح احترام الحياة الخاصة قاعدة ملموسة في تعامل الإدارة مع المواطن، بدءا من أبسط شهادة إدارية، وليس فقط في المؤسسات الكبرى أو المنصات الرقمية المتطورة. لا يقتصر الخطر على جمع المعطيات الشخصية أو حفظها، بل يمتد إلى احتمال استعمالها في أغراض مغايرة لتلك التي جمعت من أجلها. وقد سمعنا مؤخرا، دون أن نتمكن من التأكد من صحة الخبر، عن استغلال محتمل لبيانات مؤسسة تعليمية بإحدى المدن المغربية بغرض الدعاية الانتخابية. إذا صح هذا الخبر، فإنه يطرح إشكالا يتجاوز الواقعة ذاتها: كيف يمكن أن تتحول معلومات جمعت في إطار تعليمي أو إداري إلى وسيلة للتأثير في اختيارات المواطنين السياسية؟ إن خطورة هذا الاحتمال تكمن في أن المعطيات التي يضعها الأفراد أو أسرهم لدى المؤسسات لغرض محدد قد تصبح، من دون علمهم أو موافقتهم المستنيرة، أداة لخدمة مصالح أخرى. لذلك، فإن حماية المعطيات لا تتعلق بسرية المعلومات فحسب، بل تشمل أيضا احترام الغرض الذي جمعت من أجله، وعدم توظيفها خارج الحدود التي يسمح بها القانون. الهاتف الذكي: عندما يصبح الإنسان مصدرا دائما للبيانات إذا كانت الإدارة تجمع معلومات محددة لأغراض قانونية أو تنظيمية، فإن الهاتف الذكي يفتح بابا أوسع بكثير أمام إنتاج البيانات الشخصية. فالجهاز الذي نحمله في جيوبنا لم يعد مجرد وسيلة للاتصال، إنه بوابة إلى عالم من التطبيقات والخدمات التي قد تجمع معلومات عن الموقع الجغرافي، وسلوك التصفح، وعمليات البحث، والاهتمامات، وأنماط الاستهلاك، وشبكات العلاقات، وأوقات النشاط والتنقل. قد لا تكمن المشكلة في معلومة واحدة، بل في تراكم المعلومات وربطها ببعضها بعضا. فبيانات الموقع وحدها قد تبدو محدودة الدلالة، وسجل البحث قد يبدو مجرد أثر عابر، وقائمة التطبيقات قد لا تكشف الكثير في حد ذاتها. لكن جمع هذه العناصر وتحليلها معا قد يسمح باستنتاج أنماط من الحياة اليومية، واهتمامات الفرد، وبعض جوانب سلوكه التي لم يصرح بها مباشرة. يضاف إلى ذلك خطر آخر يتعلق بالمعطيات الشخصية المخزنة رقميا، وهو احتمال الاطلاع عليها من قبل أشخاص أو جهات غير مخول لها ذلك. فالمعلومات المحفوظة في الأنظمة الإلكترونية قد تتعرض للاختراق أو التسريب، كما قد يساء استعمالها نتيجة ضعف الحماية أو سوء تدبير صلاحيات الولوج. لا تكمن الخطورة في مجرد انكشاف معلومة منفردة، بل في إمكان الوصول إلى كميات كبيرة من البيانات وربطها وتحليلها، بما قد يكشف جوانب واسعة من حياة الأشخاص وعلاقاتهم وتحركاتهم واهتماماتهم. كما أن نسخ البيانات ونقلها إلكترونيا قد يجعلان انتشارها أسرع، ويصعبان السيطرة على تداولها بعد تسريبها. ومن ثم، فإن حماية الحياة الخاصة تقتضي ألا يقتصر الاهتمام على تحديد المعلومات التي يجوز جمعها، بل أن يشمل أيضا كيفية تخزينها، ومن يملك صلاحية الاطلاع عليها، والتدابير المتخذة لمنع الوصول غير المشروع إليها. هكذا، لا تقتصر الصورة الرقمية للإنسان على ما يختار أن يكتبه أو ينشره عن نفسه، بل تتكون أيضا من آثار يتركها أثناء استخدامه العادي للتكنولوجيا. وقد تتحول هذه الآثار إلى مادة للتنبؤ بالسلوك، أو لتوجيه الإعلانات، أو لتصنيف المستخدمين ضمن فئات تسويقية أو سلوكية. إننا نعيش، بهذا المعنى، مفارقة لافتة: التكنولوجيا التي تمنحنا إمكانات غير مسبوقة للتواصل والوصول إلى المعرفة، تتيح في الوقت نفسه جمع معلومات متزايدة عن حياتنا. وقد يبدو الفرد حرا في اختياراته، بينما تصمم بعض البيئات الرقمية للتأثير في انتباهه وتوجيه قراراته وفق مصالح تجارية أو تنظيمية لا يعرف دائما تفاصيلها. من جمع البيانات إلى سلطة التنبؤ والتوجيه لم تعد القيمة الاقتصادية للمعلومات مقتصرة على معرفة ما فعله الإنسان في الماضي، بل أصبحت مرتبطة أيضا بإمكان توقع ما قد يفعله مستقبلا. إن البيانات المتراكمة تسمح ببناء أنماط سلوكية يمكن الاستفادة منها في التسويق، وتخصيص الخدمات، وتقدير المخاطر، واتخاذ بعض القرارات الآلية. غير أن الانتقال من وصف السلوك إلى التنبؤ به يطرح إشكالات تتعلق بالحرية والعدالة. فعندما يصنف الفرد اعتمادا على بياناته السابقة أو على خصائص مستنتجة منها، قد يتعرض لمعاملة مختلفة في الحصول على خدمة أو عرض تجاري أو فرصة معينة. وقد تكون هذه المعاملة مبنية على استنتاجات غير دقيقة، أو على صورة ناقصة عن الشخص، أو على معايير لا يعرفها ولا يستطيع مناقشتها. هنا تتجلى أهمية الشفافية والمساءلة وإمكانية الاعتراض على القرارات التي تمس حقوق الأفراد ومصالحهم. فليس من المقبول أن تتحول الخوارزمية إلى سلطة غامضة، تصدر أحكاما عن الإنسان دون أن يعرف الأسس التي استندت إليها، أو أن تعامل نتائج التحليل الإحصائي كما لو كانت حقائق نهائية عن الأفراد. إن البيانات ليست الإنسان، والاستنتاج المستخرج منها ليس حقيقة مطلقة. فالسلوك البشري يتأثر بالظروف والسياقات والتجارب المتغيرة، ولا يمكن اختزاله في سجل رقمي مهما اتسع. وكلما ازدادت قدرة المؤسسات والمنصات على التنبؤ بسلوك الأفراد، ازدادت الحاجة إلى ضمان حقهم في الفهم والاعتراض، وإلى إبقاء القرار الإنساني والمساءلة القانونية حاضرين في المجالات التي تمس الحقوق الأساسية. الحميمية: حق الإنسان في أن يحتفظ بجزء من نفسه تتجاوز الخصوصية مسألة حماية المعلومات من التسريب أو الاستعمال غير المشروع، إنها ترتبط أيضا بحق الإنسان في أن يحتفظ بجزء من حياته لنفسه، وألا يكون مضطرا إلى تقديم تفسير دائم لكل اختياراته ومواقفه وعلاقاته. فالحميمية ليست بالضرورة سرا يخجل الإنسان من كشفه، بل هي المساحة التي يستطيع فيها أن يفكر ويتردد ويغير رأيه، وأن يعيش علاقاته وتجربته بعيدا عن المراقبة المستمرة أو الحاجة إلى تبرير كل تصرف. إنها المجال الذي يسمح للشخص بأن يكون في طور التشكل، لا أن يظل أسير صورة ثابتة عنه. حين يشعر الإنسان بأنه مراقب باستمرار، فقد يبدأ في تعديل سلوكه ليس وفق قناعاته الحقيقية، بل وفق ما يتوقع أن يراه الآخرون أو ما قد يستنتج من تصرفاته. وقد يمتنع عن البحث في فكرة، أو التعبير عن رأي، أو إقامة علاقة، خشية أن تتحول هذه الممارسة إلى أثر دائم يمكن استحضاره لاحقا خارج سياقه الأصلي. هكذا، فإن المراقبة لا تحتاج دائما إلى تدخل مباشر حتى تؤثر في الحرية، يكفي أحيانا أن يعتقد الإنسان أن كل خطوة يخطوها قابلة للتسجيل والتفسير حتى يصبح أكثر حذرا في التعبير عن نفسه. ويكون الثمن، في هذه الحالة، هو تراجع مساحة العفوية والتجربة والاختلاف. إن المجتمع الحر ليس مجتمعا يعرف فيه الجميع كل شيء عن الجميع، بل مجتمع يستطيع فيه الأفراد المشاركة في الحياة العامة دون أن يفقدوا حقهم في الاحتفاظ بجزء من حياتهم بعيدا عن الأنظار. فالخصوصية ليست نقيضا للتواصل، وإنما أحد الشروط التي تجعل التواصل حرا، وتجعل الحياة الشخصية ممكنة من دون خوف دائم من التقييم أو التصنيف. هل نملك بياناتنا أم أننا نعيش داخلها؟ قد يقال إن الإنسان يوافق بنفسه على جمع بياناته حين يستخدم التطبيقات والخدمات الرقمية، وإن بإمكانه الامتناع عن استعمالها إذا لم تعجبه شروطها. غير أن هذا التصور يغفل تفاوت المعرفة والقوة بين المستخدم والمؤسسات التي تجمع البيانات وتعالجها، كما يغفل أن بعض الخدمات أصبحت ضرورية للمشاركة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية. إن الموافقة التي تمنح دون فهم واضح لطبيعة البيانات المجمعة، أو للأغراض التي ستستخدم فيها، أو للجهات التي قد تتلقاها، لا تكفي وحدها لضمان حماية حقيقية. كما أن كثرة الشروط التقنية والقانونية وطولها وتعقيدها قد تجعل الموافقة إجراء شكليا أكثر منها اختيارا واعيا. ثم إن المسؤولية لا ينبغي أن تقع على الفرد وحده. صحيح أن الوعي الرقمي مهم، وأن على المستخدم أن ينتبه إلى الأذونات التي يمنحها للتطبيقات وإلى المعلومات التي ينشرها، لكن حماية الحياة الخاصة تتطلب أيضا قواعد واضحة، ومؤسسات مسؤولة، وشركات تلتزم بالشفافية والأمن، وإمكانات فعالة للرقابة والانصاف. من ثم، لا ينبغي أن يكون السؤال فقط: ماذا يكشف الإنسان عن نفسه؟ بل أيضا: ماذا تجمع الجهات المختلفة عنه من دون أن ينتبه؟ وكيف تستخدم هذه البيانات؟ ومن يحدد مدة الاحتفاظ بها؟ وهل يستطيع صاحبها معرفة ما يجرى عليها، وتصحيحها، وممارسة حقوقه بشأنها وفق القانون؟ إن امتلاك البيانات لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على التحكم في مصيرها. فقد تكون المعلومة متعلقة بحياتنا، لكنها محفوظة لدى جهة أخرى، وتخضع لأنظمة وشروط لا نعرفها جميعا. من هنا تنبع الحاجة إلى إعادة التوازن في العلاقة بين المواطن والمؤسسات التي تتعامل مع بياناته. نحو ثقافة جديدة للخصوصية في المغرب إن حماية الحياة الخاصة في المغرب لا ينبغي أن تظل شأنا قانونيا محصورا في النصوص والهيئات المتخصصة، بل يجب أن تصبح جزءا من الثقافة اليومية للمرافق العمومية وللمواطنين على حد سواء. ويقتضي ذلك، أولا، مراجعة الإجراءات الإدارية التي تتضمن جمع معطيات شخصية، والتأكد من أن كل معلومة مطلوبة لها ضرورة واضحة، وأنها متناسبة مع الغرض من الإجراء. كما يقتضي تحديد الجهة المسؤولة عن المعالجة، وتوضيح حقوق المواطن، وضمان حفظ الوثائق والبيانات بطريقة آمنة، وتحديد من يحق له الاطلاع عليها. ويقتضي، ثانيا، توفير التكوين والوسائل اللازمة للأشخاص الذين يتعاملون يوميا مع هذه المعلومات، بمن فيهم العاملون في المرافق المحلية. فحماية المعطيات لا تتحقق بمجرد مطالبة العاملين بالسرية، بل تتطلب إجراءات عملية واضحة، وأماكن مناسبة للحفظ، وقواعد بشأن نقل الوثائق وإتلافها، وتحديدا دقيقا للصلاحيات. يقتضي، ثالثا، تعزيز وعي المواطنين بأن المعطيات الشخصية ليست تفاصيل إدارية بلا قيمة، بل جزء من حقوقهم. فمن حق المواطن أن يسأل عن الغرض من جمع معلومة ما، وأن يعرف الجهة التي تعالجها، وأن يطالب باحترام الضمانات القانونية. وليس في ذلك عرقلة لعمل الإدارة، بل مساهمة في تحسينه وجعله أكثر شفافية وثقة. أخيرا، فإن الرقمنة الناجحة ليست تلك التي تجمع أكبر قدر ممكن من البيانات، بل تلك التي تحقق أهداف الخدمة العامة بأقل قدر ضروري من المعلومات، مع ضمان أمنها واحترام حقوق أصحابها. فكلما استطاعت الإدارة إنجاز خدمة دون طلب معطيات لا تحتاج إليها، كانت أقرب إلى تبسيط المساطر واحترام المواطن في آن واحد. الإنسان أكبر من ملفه إن ما يميز الإنسان ليس فقط ما يمكن تسجيله عنه، بل أيضا ما لا يمكن تحويله إلى بيانات: ذاكرته الحية، وتناقضاته، وقدرته على التغير، وأحلامه، وعلاقاته، والقرارات التي يعيد النظر فيها، والأشياء التي يختار ألا يبوح بها. هذه الجوانب ليست فراغات ينبغي للتكنولوجيا أن تملأها، بل هي جزء من حريته وكرامته. لقد منحتنا الرقمنة أدوات قوية لتيسير الحياة وتوسيع إمكانات التواصل والمعرفة، لكنها جعلت من الضروري إعادة التفكير في الحدود التي ينبغي أن تقف عندها المؤسسات والمنصات حين تتعامل مع حياتنا الشخصية. فالمشكلة ليست في أن تكون لنا هوية قانونية، ولا في أن تستخدم الإدارة المعلومات الضرورية لإنجاز خدماتها، وإنما في أن يتحول جمع البيانات إلى غاية في حد ذاته، أو أن تصبح المعلومات التي جمعت لغرض محدد وسيلة للتصنيف والتوجيه والمراقبة خارج ذلك الغرض. إن حماية الحياة الخاصة ليست امتيازا يطلبه من يخشى كشف شيء عن نفسه، بل حق لكل إنسان، بصرف النظر عن مكانته أو مهنته أو آرائه أو نمط حياته. وهي ليست عائقا أمام الإدارة الحديثة، بل شرط من شروط مشروعيتها وثقة المواطن بها. ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يرافق كل مشروع للتحول الرقمي، وكل مطبوع إداري، وكل تطبيق نضعه في هواتفنا: هل نستطيع أن نحافظ على حق المواطن في أن يعرف دون أن يختزل، وأن يتواصل دون أن ينكشف بالكامل، وأن يستفيد من الإدارة الرقمية دون أن يفقد السيطرة على حياته الخاصة؟ إن الجواب عن هذا السؤال هو الذي سيحدد ما إذا كانت الرقمنة ستظل وسيلة لخدمة الإنسان، أم ستجعل الإنسان نفسه مجرد ملف مفتوح على الدوام.
#عبدالله_بولرباح (هاشتاغ)
Abdellah_Boularbah#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
هل يصنع التصنيع وحده التنمية؟
-
سيدة العاصفة
-
من أجل رؤية جديدة للتنمية بالمغرب
-
غابتي
-
على مرمى نضال
-
الخبر أولا أم الإنسان أولا؟
-
الواقفون على الهامش(قصة قصيرة)
-
فرانتشيسكا...سيدة الحقيقة
-
التحالفات الانتخابية...المقاعد أم البرنامج؟
-
السروال والرجال الحقيقيون
-
عودة إلى كتاب: -الدولة والثورة- لأرثور أرنولد: ما الذي يميز
...
-
سباق العيد
-
كتاب -الدولة والثورة- لأرثور أرنولد، كتاب لم ينصفه التاريخ
-
كلنا هادئون...إلى أن تختبرنا الحياة
-
الجمال لا يلتقط...بل يصان
-
الرأسمالية حين تضيق بها الأرض: من التوسع المادي إلى التضخم ا
...
-
البرلماني/ة بالمغرب بين التمثيل الحقيقي وسوء الفهم الشائع.
-
استقلالية المجتمع المدني بالمغرب: قراءة نقدية في ضوء التحولا
...
-
ينام الحنين على سنابل الضوء
-
هجرة إلى الغرب وسفر إلى الماضي
المزيد.....
-
حتى حيوانات الميركات في حديقة الحيوانات هذه تستعد للهالوين..
...
-
محمد رمضان يكشف عن أول صورة من مسلسله الجديد -عشماوي-
-
الجيش الأمريكي ينشر فيديو ضرب سفينة شحن حاولت خرق الحصار على
...
-
السعودية.. ماذا نعلم عن استهداف الحوثي لمطار الرياض؟.. مراسل
...
-
ابنة صدام حسين تعلق على استهداف الحوثي للسعودية وتذكر بتحذير
...
-
-ملتزمون بأمن المملكة-.. رئيس وزراء باكستان يعلق بعد هجوم ال
...
-
12 قتيلا و أكثر من 300 جريح بعد الهجوم على مطار الملك خالد ف
...
-
محتجزون اختفى أثرهم بعد اعتقالهم.. شهادات تتحدث عن نزع أعضاء
...
-
أقدم سلحفاة برية في العالم.. ماذا تكشف عن طول عمر البشر؟
-
كندا تدين استهداف مطار الملك خالد في الرياض
المزيد.....
-
ضحايا صدام حسين
/ صباح يوسف ابراهيم
-
الزمن المقلوب
/ رائد الجحافي
-
عيوب الذكاء الاصطناعي
/ رائد الجحافي
-
عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي
/ رائد الجحافي
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
المزيد.....
|