أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يحيى الشيخ - الحياة بهيئة مؤجلة... (وجهة نظر في بكائية صبا سامي سهيل)















المزيد.....

الحياة بهيئة مؤجلة... (وجهة نظر في بكائية صبا سامي سهيل)


يحيى الشيخ

الحوار المتمدن-العدد: 8872 - 2026 / 10 / 28 - 16:47
المحور: الادب والفن
    


يأتي نص صبا سامي (ابكي يا نفس، ابكي لتستريحي) امتداداً سلسًا واعيًا لمسارها الأدبي الذي طالما اتسم بالتنقيب الباطني والتأمل في تفاصيل الوجود اليومي العابر. وإذا كانت نصوصها السابقة تشتغل غالباً على تقويض اليقينات المستقرة في التشابكات الدقيقة لعلاقة الذات بالعالم والمكان، فهذا النص يمثل خطوة أعمق نحو تأسيس قاموس معرفي للانهيار الهادئ، حيث يتحول القلق الوجودي إلى حالة معايشة خالصة تتبدى بصيغ مباغتة أحيانًا، محتملة وغير محتملة.
في نصوصها السابقة، كانت الذات تقف أحياناً على حافة المشهد مراقِبةً أو مفككةً للأمكنة والأزمنة من مسافة تأملية، أما هنا، فالذات تقتحم مركز الحدث؛ لا توجد صدمة خارجية كبرى، بل هناك "مساء عادي" يتحول إلى مختبر وجودي لاكتشاف التصدع الداخلي، الشقوق التي يرشح منها الدمع، ابتداء من عملية وعي الخارج وتفكيك مفاصله إلى معالجة الداخل وترميمه بما تبقى.
كانت تتعامل مع الزمن بوصفه امتداداً أو وطأة، أما في هذا النص، ينفصل الزمن عن نظامه المعتاد وانتظامه اليومي، يُنتزع من مكانه التقليدي: "صوت الساعة الذي يقطع الوقت إلى أجزاء متساوية" ليصطدم بزمن الذات المتشظي، الذي لا ساعة له، ولا مكان محدد، إذ تتداعى الأعوام في لحظة إدراك واحدة، حيث "طالت المهلة حتى كادت تشبه العمر". إنه إدراك خطير، والله!
في هذا النص الذي يمعن الاحتمال في جسده كما يمعن النصل في جسد رخو، اختلف دور الصمت مقارنةً بكتاباتها السابقة؛ فهو لم يعد مجرد انسحاب أو هروب من الإفصاح، وأصبح مساحةً وجوديةً بديلة تمنح النفس مساحة للتحرر من إكراهات الشرح وبريق الحكمة الجاهزة... ثمة صمت لا علاقة له بالكلام ولا بالصوت! لا علاقة له باحتمال النطق بآهة، إنه صمت ذو روح مؤجلة لحين، له ترددات خفية؛ انزياح موجات لا تسمعها غير صبا.
النص الأدبي أيا كان جنسه هو تجسيد لإدراك وتجربة الكاتب الوجودية، وتتجلى هنا بوضوح في تجربة الصمت، الذي استقطب روح الكتابة وكشوفاتها... لا يظهر الانكشاف هنا على طريقة المفاجآت الدرامية، بل يتخذ شكل التعثر في عتبة الاحتمال، حيث تفقد الأشياء وضيفتها المألوفة المعتادة لتكشف عن حقيقتها المعرفية. ثمة ما هو غير مرئي، خلف الباب، فالذات لم تعد ترى الأشياء من الموضع نفسه، وقد سقطت "البداهة" عن العالم اليومي. إذ تعكس عبارة: (تلك التي عرفت كيف تكمل يومها مهما اضطربت بدايته، وكيف تجيب عن الأسئلة العابرة من غير أن تفتح الطريق إلى السؤال الحقيقي) نقداً عميقاً لنمط الوجود الاجتماعي المكتفي بالجاهز. إن الاختصار والاختباء خلف هيئة "من تعرف ما تقول" يمثلان تنازلاً عن الأصالة لصالح الاندماج في المألوف.
يبرز الجسد في النص بوصفه موقعاً للمعاناة الصامتة؛ الموقع المألوف والطبيعي لكل معاناة بشرية، فالذات لا تعاني فكرياً فحسب، بل يميل ما في داخلها وينكسر ثم يستقيم خشية الملاحظة، وتنزل الدموع كأنها نبع يخرج من "شق دقيق". الدموع هنا توقف قسري لآلية "التحقيق الداخلي والمحاكمة"، وليست تطهيرياً كلاسيكياً، أنها فرصة منحت الجسد والنفس حقّ "ألّا تكون مفهومة".
يرفض النص السقوط في فخ إصدار الأحكام النهائية أو استخراج "عبرة تُرضي من يسمعها" وهنا يتجلى الرفض الوجودي لاختزال المفاهيم؛ فالذات ترفض أن تحوّل كشوفاتها إلى درس أخلاقي، وتكتفي بالجلوس إلى جوار نفسها بصمت كلّي بلا أسئلة جديدة.
نجحت الكاتبة في تقديم فهمًا وجوديًا للبكاء والصمت، واقناعنا بأنها الطريقة المثلى للبكاء وللصمت معًا... (في تعليقات القراء للنص، كتب اغلبهم أن صبا تكتب نيابة عنهم، وبكت نيابة عنهم). إنها في هذا تعيد الاعتبار للتجربة الإنسانية في عراقتها وهشاشتها، بعيداً عن صخب الشعارات أو ادعاء اليقين المطلق؛ فالبكاء ليس نواحًا! إنه هامش هش من هوامش الروح الملتاعة القلقة... والصمت ليس فرصة انتظار، بل مرساة لحاضر مؤجل.
لقد تحولت الكاتبة من خلال نصها هذا إلى مؤرخة دقيقة لتلك اللحظة التي تتخلى فيها النفس عن دروعها الدفاعية، لتكتشف أن البقاء الحقيقي يبدأ حين ينتهي الشرح وتسقط أسماء الأشياء القسرية؛ لكنها تبدو ليست لحظتها الخاصة، فهي تتنازل عنها للآخرين وتصبح لحظة الإنسانية كلها؛ لحظة بكاء كل انسان. في هذا التدوين تعيد توجيه العدسة من "الذات الفردية" إلى "الوجود البشري"، فحين يتجاوز النص عتبة التعبير الشخصي ليلامس التجربة الإنسانية، فإنه يحقق المعنى العميق للوجودية واهم مفاهيمها؛ إذ إن أعمق لحظات الانكشاف الفردي هي ذاتها اللحظات التي يتقاطع فيها الإنسان مع سائر البشر.
وفي محاولة لتفكيك هذه الحالة النفسية والوجودية نجد أن "الأنا" المعزولة تسعى إلى "الكليات الإنسانية" (الوجود المشترك) فالإرهاق الذي تتحدث عنه الكاتبة هو "إرهاق الدور الاجتماعي" وليس إرهاقاً بدنياً فحسب، أنه العبء المتمثل في أداء الحياة بإتقان، والإجابة عن الأسئلة العابرة لدرء حرج السؤال الحقيقي. هذا الأداء المتقن هو القاسم المشترك بين البشر جميعاً في العصر الحديث، حيث يصبح البكاء وثيقة إنسانية كبرى: "شهادة ميلاد". وحين تبكي النفس في النص، لا تبكي لسبب عارض أو مصيبة محددة، أنما لأنها بلغت نقطة التشبع والاختناق من "الاحتمال". هنا يتحول البكاء من رد فعل خاص إلى "لغة أم" يتكلمها كل من عرفوا شعور الانكسار الصامت تحت وطأة الاستمرار.
هذا يحيلنا إلى سيكولوجية "التأجيل والمماطلة الوجودية"حيث تصبح الحياة برمتها هيئة مؤجلة في عين الكاتبة. إشارة النص إلى أن التأجيل صار "هيئة كاملة للحياة" تكشف عن عمق السيكولوجيا الإنسانية في مواجهة الخوف من الحسم. البشر يقضون أطول أعمارهم في تأجيل المواجهة الكبرى مع ذواتهم، مؤجلين الاعتراف بالتعب، ومختبئين خلف أعذار "البقاء قادرين على إتمام اليوم" إنه إنهيار مؤجل عندما تعجز النفس عن الفصل بين "الرحمة" و"الخذلان"، فإنها تعبر عن أزمة الإنسان المعاصر الذي يبرر تنازلاته المستمرة على أنها تضحيات نبيلة، ليتفاجأ بأنها لم تكن سوى تآكل بطيء للكيان النفسي، وانهدام داخلي، وتبدد.
هنا تشتد أزمة "المحاكمة الداخلية" ومراقبة الذات؛ فالعيش زمناً طويلاً في مراقبة النفس من الخارج كـ "شاهدة عادلة" يجسد انشطار الوعي الإنساني؛ الإنسان غالباً ما يكون أقسى جلادٍ لنفسه، حيث يحوّل حياته إلى "محضر محاكمة" دائم. ولعل أعمق ما في الحالة النفسية هنا هو التوق إلى التحرر من دكتاتورية الحكمة. عادةً ما يطلب البشر من آلامهم أن تمنحهم دروساً لتعويض الخسارة، لكن النص يلامس رغبة دفينة لكل إنسان: الحق في أن يبكي بلا غاية، وأن يعيش انكساره دون أن يُطالب بتحويله إلى درس يُرضي الآخرين. أمامنا كاتبة تبكي وحدها ولا ترغب أن يسمعها أحد أو يرى دموعها، دون أن تعلم أنهم يبكون معها بصمت.
نجح هذا النص في أن يكون مرآةً كليّة؛ فكل قارئ، حين يتأمل عتبات إرهاقه وتأجيلاته ومحاكماته الصامتة لنفسه، يكتشف أن صبا سامي سهيل لم تكن تروي حكايتها الفردية، بل كانت تكتب بيانًا هادئً لكل إنسان يُحاول، بصعوبة بالغة، أن يتنفس تحت سطح الحياة.
________________________________________
النص الأصلي على صفحتها في 26 تشرين أول 2026: https://www.facebook.com/sebasami



#يحيى_الشيخ (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفقد والغياب... (في قصيدة نيسان سليم رأفت -لم يُخبره أحدٌ.. ...
- الشاعر طيب جبار يقشر الظلام
- صوتُ حجرٍ مُلقى في بئر (افكار تتعلق بنصوص صبا سهيل سامي)
- الطوطمي المتواطِئ مع الجمال
- الشاعر دلاور قرداغي يأخذ الخفاش في نزهة
- الحَيَاةُ نَوَاةُ تَمْرٍ.. لَيْسَ إلّا!
- كارمن العظيمة (قصة لم تنته)
- معضلة الانسان البنيوية: من غياهب الذات إلى مغارب الاغتراب
- اركيولوجيا الذاكرة (انصات لقصيدة صبا سامي نادر)
- سأترك كل شيء ورائي
- ذلك الصباح الذي بقي فيه الزجاج مغلقا (اجتهاد في قصيدة صبا سا ...
- المتصل والمنفصل
- الكلب -رينو-
- اماكن لا تصلح للكتابة
- النمل الفارسي
- رمية نرد
- تمائم الشيخ
- جدوى النجاة (بخصوص اربع مسرحيات)
- الرسالة الزرقاء في خرائط السماء
- حوار في محطة خارج الجهات


المزيد.....




- بقايا الركام وأحجار عرسال.. فنانة لبنانية توثق ذاكرة الحرب ف ...
- أزمة تصريحات مبابي.. ريال مدريد يؤكد احترامه الكامل لتاريخ و ...
- بالفحم ومخلفات الحرب.. فنانة لبنانية تشكل ذاكرة الوجع في روس ...
- نسرين سكيك.. طفلة فلسطينية توثق معاناة أطفال غزة وتتأهل لنها ...
- رحيل الأديب والمفكر السعودي محمد العلي بعد مسيرة حافلة في ال ...
- مفارقات نوبل للآداب: عندما توجت الجائزة مذكرات تشرشل الحربية ...
- الحكم بسجن المخرج الإيراني جعفر بناهي لمدة خمسة أعوام
- الأوسكار يتجه إلى أعضاء أكثر عالمية: ربعهم خارج الولايات الم ...
- فيلم «الأقحوان الأصفر» لأندريه هاياتو سايتو يدخل سوق التمويل ...
- هجوم الكرك وغارات سوريا.. ما الذي تغيّر في الرواية الأردنية؟ ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يحيى الشيخ - الحياة بهيئة مؤجلة... (وجهة نظر في بكائية صبا سامي سهيل)