أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - انتصار كامل جفلان الخشت - حين يتعلّم العقل ولا يستيقظ الإنسان بقلم: انتصار الخشت














المزيد.....

حين يتعلّم العقل ولا يستيقظ الإنسان بقلم: انتصار الخشت


انتصار كامل جفلان الخشت
مستشارة تربوية دولية، باحثة ومؤلفة مستقلة متخصصة في التربية الخاصة والتطوير .

(Dr. Entsar El-khash)


الحوار المتمدن-العدد: 8871 - 2026 / 10 / 27 - 22:14
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


ليست أخطر أزمات التعليم أن يعجز الطالب عن الإجابة، بل أن يحفظ الإجابة ولا يعرف كيف يسأل. وليست المأساة أن تخلو الذاكرة من معلومة، وإنما أن تمتلئ بها العقول حتى تضيق عن التفكير، وتغدو المعرفة أثقالًا محمولة لا نوافذ مفتوحة على العالم.

في بعض الفصول، تُشرح الدروس بإتقان، وتُكتب القواعد على السبورات، وتُحفظ التعريفات عن ظهر قلب؛ لكن خلف هذا النظام المنضبط قد يختبئ سؤال لم يجرؤ أحد على طرحه: هل نتعلّم حقًّا، أم نتدرّب على اجتياز الامتحانات؟

لقد نشأ التعليم ليحرّر العقل من أسر الجهل، فإذا به، حين يُساء فهم رسالته، يستبدل قيدًا بقيد؛ قيدًا من الخوف من الخطأ، والرهبة من السؤال، والتعلّق بالإجابة النموذجية التي لا تترك للخيال مقعدًا، ولا للاجتهاد نافذة.

المعلّم ليس حارسًا لذاكرة الطالب، بل فاتحٌ لأبواب عقله. ومهمته لا تنتهي حين يفرغ من شرح الدرس، بل تبدأ حين يرى أثر المعرفة في طريقة تفكير تلميذه، وفي قدرته على التمييز بين الحقيقة والشائعة، وبين الرأي والدليل، وبين ما ورثه من أفكار وما توصّل إليه بعقله.

وليس من العدل أن نحمّل المعلّم وحده مسؤولية إصلاح منظومة كاملة؛ فهو يعمل داخل ظروف قد تُثقِل خطاه، من كثافة الفصول، وضيق الوقت، وتراكم الأعباء الإدارية، إلى مناهج تحتاج أحيانًا إلى مراجعة تجعلها أقرب إلى الحياة. ومن ثمّ، فإن إصلاح التعليم لا يتحقق بتغيير الكتب وحدها، ولا بإطلاق الشعارات، وإنما بإعادة النظر في العلاقة بين المدرسة والمتعلم والمجتمع.

تبدأ الخطوة الأولى من الفصل الدراسي، حين يُمنح الطالب حق السؤال دون سخرية، وحق المحاولة دون أن يصبح الخطأ وصمة تلاحقه. فالخطأ الذي يُناقَش يتحوّل إلى خبرة، أما الخطأ الذي يُعاقَب عليه بلا تفسير، فقد يعلّم صاحبه الصمت بدلًا من الصواب.

وتأتي الخطوة الثانية من تطوير أساليب التقويم، بحيث لا يكون الامتحان مقياسًا لما استقر في الذاكرة فحسب، بل لما يستطيع الطالب فهمه وتطبيقه وتحليله. فالمعرفة التي لا تجد طريقها إلى الواقع تشبه مفتاحًا جميلًا لا يفتح بابًا.

أما الأسرة، فليست مطالبة بأن تحوّل البيت إلى مدرسة ثانية، ولا أن تجعل درجات أبنائها ميزانًا لقيمتهم الإنسانية. إن الطفل الذي لا يسمع في بيته إلا سؤال: «كم حصلت؟» قد يكبر وهو يظن أن قيمته رقم، وأن النجاح شهادة معلّقة على جدار، لا قدرة تتجدد، وضمير يتكوّن، وشخصية تعرف كيف تختار وتتحمل نتائج اختيارها.

ويزداد الأمر أهمية حين نتحدث عن الطلاب ذوي الإعاقة والاحتياجات التعليمية المختلفة؛ فليس العدل أن نضع الجميع أمام الباب نفسه، ثم نطالبهم بالعبور بالطريقة ذاتها. العدل أن تتنوع وسائل التعليم والتقييم، وأن تتوافر التهيئة المناسبة والدعم المتخصص، حتى لا تتحول الفروق الفردية إلى أبواب مغلقة في وجه أصحابها.

ومن هنا، يمكن أن يبدأ التطوير بخطوات عملية واضحة: تدريب المعلّمين على التعلم النشط، وتخصيص وقت للمناقشة والتطبيق، وتخفيف الأعباء التي تصرفهم عن رسالتهم الأساسية، وتفعيل دور الأخصائيين النفسيين والاجتماعيين، وإشراك الأسرة في متابعة التقدم الحقيقي للطالب، لا درجاته وحدها. كما ينبغي قياس نجاح المدرسة بما تحققه من نمو معرفي وإنساني، لا بما تحصده من نتائج امتحانية فقط.

إن التعليم الذي نحتاج إليه ليس تعليمًا يتخلى عن المعرفة، بل تعليمًا يمنحها روحًا؛ لا يهدم الانضباط، بل يحرره من القسوة؛ ولا ينتقص من قيمة الامتحان، بل يعيده إلى موضعه الطبيعي بوصفه وسيلة للتقويم، لا غاية تُختزل فيها أعمار الطلاب وأحلامهم.

فحين يتعلم الإنسان كيف يفكر، يصبح قادرًا على مواصلة التعلم حتى بعد أن يغادر مقعد الدراسة. وحين تتسع المدرسة للعقل والوجدان والاختلاف، لا تخرّج حافظين للمعلومات فحسب، بل تفتح للمجتمع أبوابًا جديدة من الوعي والإبداع والمسؤولية.

فالتعليم الحقيقي لا يقاس بما يحمله الطالب في ذاكرته يوم الامتحان، بل بما يستطيع أن يصنعه بعقله، وما يختاره بضميره، وما يتركه من أثر حين يصبح العالم كتابًا مفتوحًا أمامه.



#انتصار_كامل_جفلان_الخشت (هاشتاغ)       Dr._Entsar_El-khash#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المرأة التي لا يراها أحد
- ولي بين الحشا وطن بقلم: انتصار الخشت
- المرأة… حين تصير الحياة أكثر اتساعًا بقلم: انتصار الخشت
- حين يدنو الحنين بقلم: إنتصار الخشت
- المرأة… حين تكون الحكاية أكبر من العالم بقلم: انتصار الخشت
- وُلِدتُ هناك، وُلِدتُ هنا… حين تتوزع الروح بين مكانين قراءة ...
- صوت الليل بقلم: انتصار الخشت
- رأيت رام الله.. الذاكرة والمنفى واستحالة العودة الكاملة.
- قصيدةٌ تبحث عن شاعر بقلم: انتصار الخشت
- حين يصبح الأمان حقًّا لا مِنّة بقلم: انتصار الخشت
- اليوم العالمي للطفلة: نَسِيجُ الأَمَلِ بَيْنَ الشِّعَارَاتِ ...
- على هامش «أقولك إيه عن الشوق» بقلم: انتصار الخشت
- حين يُتْعِبُ ما لا يُرى بقلم: انتصار الخشت
- نربي إنسانًا أم نصنع متفوقًا؟ بقلم: انتصار الخشت
- أولاد اللعنة _بقلم :انتصار الخشت
- ليلةٌ مقمرة حين عبر الوطن من العتمة إلى الضوء بقلم: انتصار ا ...
- زيارة إلى وجوه السنين
- الدمج… حين يصبح الاختلاف طريقًا إلى الإنسان بقلم: انتصار الخ ...
- جرحٌ اسمه وطن بقلم: انتصار الخشت
- ما لا يراه العابرون بقلم: انتصار الخشت


المزيد.....




- وزير الصحة السوري تعليقا على الغارات الأردنية: لا يمكن حماية ...
- بوتين يؤكد تطور التعاون مع قطر وأميرها يعول على دور روسيا في ...
- الانتخابات الإسرائيلية.. رفض تمديد التصويت والاقتراع يتجه لك ...
- سيول جارفة تفاجئ المسافرين في مصر والسلطات ترفع حالة الطورائ ...
- إدارة ترامب تدرس رفع العقوبات المفروضة على صندوق الاستثمار ا ...
- روسيا تفرض عقوبات على مدراء مؤسسات عسكرية بريطانية
- لافروف: مسلحون أوكرانيون يخططون بدعم غربي لتنفيذ أعمال إرهاب ...
- مصر تصدر بيانا رسميا بعد إعلان إسرائيل اجتياز مصري للحدود
- 134 مليار طن من الجليد الساحلي تذوب خلال عقد واحد!
- حكومة إسرائيل المقبلة.. حرب إيران أولوية


المزيد.....

- التخطٌط ودوره في استثمار صحراء البصرة لتنمية السياحة البيئي ... / سيف سعد سلمان
- التربية الرقمية للكاتبة د-انتصار الخشت / انتصار كامل جفلان الخشت
- الكنز المخفي / انتصار كامل جفلان الخشت
- فشل سياسات الاصلاح التربوي عربيا : تونس نموذجا / رضا لاغة
- العملية التربوية / ترجمة محمود الفرعوني
- تكنولوجيا التدريس / ترجمة محمود الفرعوني
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الأول] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الثاني] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- أساليب التعليم والتربية الحديثة / حسن صالح الشنكالي
- اللغة والطبقة والانتماء الاجتماعي: رؤية نقديَّة في طروحات با ... / علي أسعد وطفة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - انتصار كامل جفلان الخشت - حين يتعلّم العقل ولا يستيقظ الإنسان بقلم: انتصار الخشت