أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - انتصار كامل جفلان الخشت - حين يُتْعِبُ ما لا يُرى بقلم: انتصار الخشت














المزيد.....

حين يُتْعِبُ ما لا يُرى بقلم: انتصار الخشت


انتصار كامل جفلان الخشت
مستشارة تربوية دولية، باحثة ومؤلفة مستقلة متخصصة في التربية الخاصة والتطوير .

(Dr. Entsar El-khash)


الحوار المتمدن-العدد: 8853 - 2026 / 10 / 9 - 08:28
المحور: الصحة والسلامة الجسدية والنفسية
    


ليست كل الجروح لها لون، ولا كل الآلام تترك أثرًا على الجسد.
هناك أوجاع تمشي بين الناس في هدوء، تجلس إلى جوارنا، وتبتسم حين نبتسم، وتجيب حين نسألها: «كيف حالك؟» بكلمة قصيرة: «بخير»… بينما في الداخل حكاية أخرى تمامًا.
قد يكون الجسد حاضرًا، والعينان مفتوحتين، والصوت يشارك في الحديث، بينما تكون الروح قد أغلقت بابها منذ زمن.
وهنا تبدأ مسؤوليتنا.
فالصحة النفسية ليست رفاهية، وليست ترفًا نؤجله حتى ينهار الإنسان. إنها جزء من حقه في أن يعيش آمنًا، متوازنًا، قادرًا على فهم نفسه، وقادرًا على العثور على من يفهمه.
في المدرسة، لا ينبغي أن يكون الأخصائي النفسي والاجتماعي مجرد اسم في سجل، أو غرفة لا تُفتح إلا عند وقوع المشكلة.
فالطفل الذي تتغير درجاته فجأة، أو يصبح أكثر صمتًا بعد أن كان كثير الحديث، أو يتحول إلى سريع الغضب، أو يخشى الذهاب إلى المدرسة، قد لا يكون طفلًا مشاغبًا كما نظن؛ ربما يكون طفلًا يرسل استغاثته بطريقته الخاصة.
وكم من طفل عوقب لأنه لم يُفهم، وكم من مراهق وُصف بالعناد، بينما كان يحمل في صدره سؤالًا لم يجد من يسمعه!
لهذا نحتاج إلى أخصائيين نفسيين واجتماعيين مؤهلين داخل المؤسسات التعليمية؛ لا ليبحثوا عن المرض، وإنما ليكتشفوا بوادر التعب مبكرًا، ويساعدوا الطفل والأسرة والمعلم على التعامل معها قبل أن يتحول الجرح الصغير إلى ألم كبير.
نحتاج إلى عين ترى ما وراء السلوك، وأذن تسمع ما وراء الصمت، وعقل يدرك أن الطفل ليس رقمًا في كشف النتائج، وأن المدرسة ليست مكانًا للامتحان وحده، بل مساحة يتشكل فيها الإنسان.
ثم تأتي الأسرة، وهي أول حضن وآخر ملجأ.
لكن الأسرة، مهما كان حبها، قد لا تعرف دائمًا كيف تساعد.
ومن هنا تأتي أهمية المتخصصين والمراكز النفسية والمصحات المتخصصة، عندما تستدعي الحالة ذلك.
فاللجوء إلى العلاج النفسي ليس عيبًا، وطلب المساعدة ليس ضعفًا، ودخول المصحة عند الحاجة ليس وصمة ينبغي أن نخفيها خلف الأبواب.
فالإنسان حين يمرض جسده يذهب إلى الطبيب دون خجل، فلماذا نخجل حين تتعب روحه؟
المراكز والمصحات النفسية، حين تقوم على العلم والرعاية والاحترام وحفظ الكرامة الإنسانية، يمكن أن تكون محطات لاستعادة التوازن، لا أماكن للعزلة أو النبذ.
المهم ألا ننتظر حتى يصل الإنسان إلى حافة الانهيار، بل أن نمد له يد المساعدة وهو ما يزال قادرًا على الإمساك بها.
ثم نمضي في العمر، ونظن أحيانًا أن الحاجة إلى الاحتواء تنتهي.
لكنها لا تنتهي.
كبار السن أيضًا لهم أرواح تتعب.
قد لا يحتاج المسن أحيانًا إلى دواء بقدر حاجته إلى يد تمسك يده، وأذن لا تستعجل حديثه، ووجه لا يشعره بأنه أصبح عبئًا على الآخرين.
الوحدة قد تكون أثقل من المرض، والشعور بأن الإنسان لم يعد مهمًا قد يسرق من العمر ما لا تستطيعه السنوات.
ولهذا يجب أن تمتد الرعاية النفسية من المدرسة إلى الجامعة، ومن الأسرة إلى أماكن العمل، ومن مؤسسات الرعاية إلى دور المسنين.
فالإنسان لا يفقد حقه في الدعم النفسي لأنه كبر، كما لا يفقده لأنه صغير.
نحن بحاجة إلى مجتمع لا ينتظر الانهيار حتى يتحرك.
مجتمع يسأل قبل أن يحكم، ويستمع قبل أن ينصح، ويحتوي قبل أن يلوم.
نحتاج إلى أن نتعلم أن بعض الصمت ليس هدوءًا، وبعض الغضب ليس سوء أخلاق، وبعض العزلة ليست تكبرًا، وبعض الابتسامات ليست دليلًا على أن كل شيء بخير.
ربما كان خلف كل ذلك قلب يقول في صمت:
«أنا متعب… لكنني لا أعرف كيف أشرح تعبي.»
فهل نسمعه؟
نحتاج إلى أن يأتي اليوم العالمي للصحة النفسية، لا لنحتفل به بالكلمات والشعارات فحسب، بل لنجد لكل محتاج ومريض يدًا تمتد إليه، وعينًا تراه، وأذنًا تسمعه، ورعايةً تحفظ إنسانيته وكرامته.
فالصحة النفسية ليست أن نعيش بلا حزن؛ فالحزن جزء من إنسانيتنا، وليست أن تمر بنا الحياة دون خوف أو فقد أو انكسار.
إنها أن نجد، حين تتعب أرواحنا، من يمد لنا خيطًا نحو الضوء.
من المدرسة إلى الشيخوخة، نحن بحاجة إلى ثقافة جديدة ترى الإنسان قبل مشكلته، وتحتضنه قبل أن يسقط.
لأن بعض الذين يحتاجون إلى المساعدة لا يصرخون.
بعضهم فقط… يبتسمون.
وحين يتعب ما لا يُرى، يصبح الإصغاء شكلًا من أشكال الرحمة.



#انتصار_كامل_جفلان_الخشت (هاشتاغ)       Dr._Entsar_El-khash#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نربي إنسانًا أم نصنع متفوقًا؟ بقلم: انتصار الخشت
- أولاد اللعنة _بقلم :انتصار الخشت
- ليلةٌ مقمرة حين عبر الوطن من العتمة إلى الضوء بقلم: انتصار ا ...
- زيارة إلى وجوه السنين
- الدمج… حين يصبح الاختلاف طريقًا إلى الإنسان بقلم: انتصار الخ ...
- جرحٌ اسمه وطن بقلم: انتصار الخشت
- ما لا يراه العابرون بقلم: انتصار الخشت
- حين يصبح الإنسان هو القضية بقلم: انتصار الخشت
- طيف التوحد… حين نرى الإنسان قبل التشخيص قراءة في كتاب «طيف ا ...
- مرحبًا، حقيبة سفر :بقلم -انتصار الخشت
- في الجهة الأخرى من الحلم -بقلم: انتصار الخشت
- فرحين بما آتاهم :بقلم -انتصار الخشت
- النوم في الخريف :بقلم-انتصار الخشت
- هم يشعرون بك فاشعر بهم :بقلم -انتصار الخشت
- اسماء القمر
- قفل ومفتاح :بقلم انتصار الخشت
- ابليس في رداء الفضيلة
- نافذة على القدس بقلم/ انتصار الخشت
- مساواة المرأة… حين يستقيم ميزان الحياة بقلم -د-انتصار الخشت
- امرأةٌ من ضوء بقلم -د-انتصر الخشت


المزيد.....




- كيف تحوّل مطار قديم تابع لـCIA إلى قاعدة صينية؟
- الولايات المتحدة تدعو الأوروبيين للمشاركة في محادثات مع أوكر ...
- رصاص -الهجرة- يصيب رجلا في نيويورك وممداني يطالب بوقف عمليات ...
- باحثون -مفصولون- من OpenAI: -طُردنا بسبب ظروف مريبة-.. والشر ...
- مصر.. رواج لقطة من مراسم استقبال السيسي بكوريا ورد فعل مرافق ...
- “الزراعة”: إقبال كبير من المواطنين لزيارة المتحف الزراعي ومع ...
- التعليم العالي: المركز القومي للبحوث يتصدر المؤسسات البحثية ...
- إسرائيل تشارك للمرة الأولى في معرض مغربي للصناعات الدفاعية
- غارات بمسيّرات إثيوبية تستهدف قوات إريترية في تيغراي وسط تصا ...
- إسرائيل تستهدف قنصلية بريطانيا والغاية دفن الدولة الفلسطينية ...


المزيد.....

- عملية تنفيذ اللامركزية في الخدمات الصحية: منظور نوعي من السو ... / بندر نوري
- الجِنْس خَارج الزَّواج (2/2) / عبد الرحمان النوضة
- الجِنْس خَارج الزَّواج (1/2) / عبد الرحمان النوضة
- دفتر النشاط الخاص بمتلازمة داون / محمد عبد الكريم يوسف
- الحكمة اليهودية لنجاح الأعمال (مقدمة) مقدمة الكتاب / محمد عبد الكريم يوسف
- الحكمة اليهودية لنجاح الأعمال (3) ، الطريق المتواضع و إخراج ... / محمد عبد الكريم يوسف
- ثمانون عاما بلا دواءٍ أو علاج / توفيق أبو شومر
- كأس من عصير الأيام ، الجزء الثالث / محمد عبد الكريم يوسف
- كأس من عصير الأيام الجزء الثاني / محمد عبد الكريم يوسف
- ثلاث مقاربات حول الرأسمالية والصحة النفسية / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - انتصار كامل جفلان الخشت - حين يُتْعِبُ ما لا يُرى بقلم: انتصار الخشت