أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - انتصار كامل جفلان الخشت - نربي إنسانًا أم نصنع متفوقًا؟ بقلم: انتصار الخشت














المزيد.....

نربي إنسانًا أم نصنع متفوقًا؟ بقلم: انتصار الخشت


انتصار كامل جفلان الخشت
مستشارة تربوية دولية، باحثة ومؤلفة مستقلة متخصصة في التربية الخاصة والتطوير .

(Dr. Entsar El-khash)


الحوار المتمدن-العدد: 8852 - 2026 / 10 / 8 - 21:35
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


في بعض البيوت، يبدأ الامتحان قبل أن يفتح الطفل كتابه.
تبدأ الأسئلة مبكرًا:
كم حصلت؟
من سبقك؟
من كان الأول؟
لماذا لم تكن مثله؟
وكأن الطفولة ميدان سباق، وكأن كل مقعد في المقدمة لا بد أن يُنتزع من طفل آخر.
نكبر أبناءنا أحيانًا على الخوف من أن يكونوا عاديين، حتى يصبح الطفل الذي لم يحتل المركز الأول وكأنه ارتكب خطأً في حق عائلته.
نفرح بالدرجات، وهذا طبيعي، ونحتفي بالتفوق، وهذا جميل، لكننا في غمرة التصفيق قد ننسى صاحب الشهادة نفسها.
ننسى الإنسان.
فالطفل ليس مجموعًا حسابيًا لدرجاته، ولا اسمه رقمًا في كشف النتائج، ولا قيمته مقعدًا جامعيًا لامعًا.
إنه قلب يتشكل أمام أعيننا، وعقل يبحث عن طريقه، وروح صغيرة تتعلم كل يوم كيف تقف في هذا العالم دون أن تؤذي نفسها أو الآخرين.
قد نعلّمه كيف يحل المسألة، لكن هل علمناه كيف يحل خلافًا؟
قد نعلّمه كيف يحفظ الإجابة، لكن هل تركنا له مساحة ليتعلم كيف يسأل؟
قد نطالبه بأن يكون الأول، فهل علمناه أن يكون رحيمًا حين يسبقه الآخرون؟
وهنا تكمن المسافة الخفية بين التعليم والتربية.
التعليم يمنح الإنسان أدوات المعرفة، أما التربية فتعلمه ماذا يفعل بهذه المعرفة.
قد يحمل إنسان أعلى الشهادات، لكنه لا يعرف كيف يمد يده لمن تعثر.
وقد تتزين سيرته العلمية بالإنجازات، بينما تخلو سيرته الإنسانية من أثر طيب.
وقد يكون آخر أقل حظًا في الدرجات، لكنه أكثر قدرة على احتواء وجع إنسان، أو مساعدة ضعيف، أو الاعتذار حين يخطئ.
فأيّهما أكثر نجاحًا؟
ربما أخطأنا حين جعلنا النجاح سلمًا لا يسع إلا صعودًا واحدًا.
أخطأنا حين جعلنا الطفل ينظر إلى زميله بوصفه منافسًا دائمًا، بدلًا من أن يراه رفيقًا في الطريق.
وأخطأنا أكثر حين جعلنا الفشل كلمة مخيفة، مع أن كثيرًا من الأشياء الجميلة في الحياة وُلدت من محاولات لم تنجح من المرة الأولى.
فالطفل الذي يسقط في امتحان لا يحتاج دائمًا إلى محاضرة.
أحيانًا يحتاج إلى يد تقول له:
انهض… ما زال الطريق طويلًا.
والطفل الذي يخفق لا يحتاج إلى أن نكسر مرآته أمامه، بل إلى أن نساعده على رؤية ما يستطيع أن يكونه، لا أن نذكّره طوال الوقت بما لم يستطع أن يكونه.
إن أخطر ما يمكن أن تفعله التربية أن تجعل الإنسان يربط قيمته برضا الآخرين.
عندها يكبر وهو يركض خلف التصفيق، ويخاف من الخطأ، ويخشى أن يقول: «لا أعرف»، مع أن الاعتراف بعدم المعرفة قد يكون أول أبواب المعرفة.
نحن نحتاج إلى مدرسة لا تخاف من السؤال.
وإلى معلم يرى خلف الدرجات وجوهًا مختلفة، وطاقات مختلفة، وأحلامًا مختلفة.
وإلى أسرة تفهم أن أبناءها ليسوا مشاريع لإثبات نجاحها أمام الآخرين.
فليس مطلوبًا من كل طفل أن يكون طبيبًا، ولا مهندسًا، ولا صاحب المركز الأول.
المطلوب أن يجد الإنسان مكانه الذي يستطيع فيه أن يعطي.
أن يعرف قدرته، ويحترم اختلافه، ويعمل على تطوير نفسه، دون أن يقضي عمره وهو يحاول أن يصبح نسخة من شخص آخر.
ولعل أجمل ما يمكن أن نقدمه لأبنائنا ألا نسرق منهم حقهم في أن يكونوا أنفسهم.
أن نترك لهم نافذة للخيال، وفسحة للخطأ، ومساحة للحوار، ووقتًا للعب، وحقًا في أن يتعلموا الحياة خارج صفحات الكتب.
فالحياة نفسها امتحان طويل، ولا تأتي أسئلتها في ورقة مرتبة، ولا تمنحنا دائمًا وقتًا إضافيًا.
هناك امتحان المرض، وامتحان الفقد، وامتحان الاختلاف، وامتحان الخذلان، وامتحان النجاح نفسه.
وفي هذه الامتحانات، لن تسألنا الحياة عن ترتيبنا في الصف.
ستسألنا شيئًا آخر:
ماذا صنع العلم في أخلاقنا؟
هل جعلنا أكثر تواضعًا أم أكثر غرورًا؟
هل جعلنا أكثر قدرة على الفهم أم أسرع في الحكم؟
هل جعلنا نرى الإنسان قبل مهنته، والضعيف قبل ضعفه، والمختلف قبل اختلافه؟
إذا لم يفعل، فربما ما زال في درس التربية فصل لم نفتحه بعد.
لذلك، قبل أن نسأل أبناءنا: «كم حصلت؟»، ربما علينا أن نسألهم أحيانًا:
ماذا تعلمت؟
ليس من الكتاب فقط…
بل من الحياة.
ومن صديقك.
ومن خطئك.
ومن خسارتك.
ومن الإنسان الذي اختلف معك ولم تكرهه.
فالتفوق الحقيقي ليس أن تكون فوق الآخرين، وإنما أن ترتفع دون أن تدوس أحدًا في الطريق.
أن تحمل علمًا لا يثقل قلبك، ونجاحًا لا يعمي بصيرتك، وشهادةً تفتح لك بابًا، لا تغلق خلفك أبواب الرحمة.
وحين يكبر أبناؤنا، ويغادرون مقاعد الدراسة، وتسقط عن أكتافهم الحقائب، لن يبقى معهم جدول الدرجات.
سيبقى ما زرعناه في أرواحهم.
وهنا، فقط، يظهر السؤال الذي يستحق أن نراجعه كل صباح:
هل كنا نربي إنسانًا… أم كنا نصنع متفوقًا؟
فالمتفوق قد يصنع له النجاح مكانًا بين الناس.
أما الإنسان…
فيصنع لنجاحه معنى.



#انتصار_كامل_جفلان_الخشت (هاشتاغ)       Dr._Entsar_El-khash#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أولاد اللعنة _بقلم :انتصار الخشت
- ليلةٌ مقمرة حين عبر الوطن من العتمة إلى الضوء بقلم: انتصار ا ...
- زيارة إلى وجوه السنين
- الدمج… حين يصبح الاختلاف طريقًا إلى الإنسان بقلم: انتصار الخ ...
- جرحٌ اسمه وطن بقلم: انتصار الخشت
- ما لا يراه العابرون بقلم: انتصار الخشت
- حين يصبح الإنسان هو القضية بقلم: انتصار الخشت
- طيف التوحد… حين نرى الإنسان قبل التشخيص قراءة في كتاب «طيف ا ...
- مرحبًا، حقيبة سفر :بقلم -انتصار الخشت
- في الجهة الأخرى من الحلم -بقلم: انتصار الخشت
- فرحين بما آتاهم :بقلم -انتصار الخشت
- النوم في الخريف :بقلم-انتصار الخشت
- هم يشعرون بك فاشعر بهم :بقلم -انتصار الخشت
- اسماء القمر
- قفل ومفتاح :بقلم انتصار الخشت
- ابليس في رداء الفضيلة
- نافذة على القدس بقلم/ انتصار الخشت
- مساواة المرأة… حين يستقيم ميزان الحياة بقلم -د-انتصار الخشت
- امرأةٌ من ضوء بقلم -د-انتصر الخشت
- حياة كريمة… حين يصبح الحق في الحياة قضية إنسانية


المزيد.....




- وفاة نجم بوليوود نانا باتيكار عن عمر يناهز 75 عامًا
- كلب يكافح أمواج نهر هائج.. شاهد لحظة إنقاذه في تشيلي
- مصر تدين -بأشد العبارات- استهداف مطاري أبها والملك خالد في ا ...
- ترامب يستبعد مهاجمة إيران قبل الانتخابات النصفية ويعلن عن مح ...
- الولايات المتحدة.. الجمهوريون يواجهون اختبارا انتخابيا مع اق ...
- الحوثيون 59 غارة وهجوما صاروخيا طالت عدة مناطق في اليمن خلال ...
- المغرب أم السنغال... اسم الفائز بلقب نهائي كأس أمم أفريقيا 2 ...
- عطر يتحدى الأزمة.. كيف حولت نساء اليمن صناعة البخور إلى طوق ...
- بعثة تقصي الحقائق في السودان.. هل يضعف غيابها دقة تقاريرها؟ ...
- الاتحاد الأوروبي يخصص 10 ملايين يورو لتعزيز الزراعة المستدام ...


المزيد.....

- التخطٌط ودوره في استثمار صحراء البصرة لتنمية السياحة البيئي ... / سيف سعد سلمان
- التربية الرقمية للكاتبة د-انتصار الخشت / انتصار كامل جفلان الخشت
- الكنز المخفي / انتصار كامل جفلان الخشت
- فشل سياسات الاصلاح التربوي عربيا : تونس نموذجا / رضا لاغة
- العملية التربوية / ترجمة محمود الفرعوني
- تكنولوجيا التدريس / ترجمة محمود الفرعوني
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الأول] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الثاني] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- أساليب التعليم والتربية الحديثة / حسن صالح الشنكالي
- اللغة والطبقة والانتماء الاجتماعي: رؤية نقديَّة في طروحات با ... / علي أسعد وطفة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - انتصار كامل جفلان الخشت - نربي إنسانًا أم نصنع متفوقًا؟ بقلم: انتصار الخشت