أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - انتصار كامل جفلان الخشت - اسماء القمر














المزيد.....

اسماء القمر


انتصار كامل جفلان الخشت
مستشارة تربوية دولية، باحثة ومؤلفة مستقلة متخصصة في التربية الخاصة والتطوير .

(Dr. Entsar El-khash)


الحوار المتمدن-العدد: 8833 - 2026 / 9 / 19 - 02:47
المحور: الادب والفن
    


أسماءُ القمر
حين تتبدّل المراحل ويبقى الضوء
بقلم :انتصار الخشت
للقمر أسماءٌ كثيرة، لأن وجهه لا يبقى على حال. هلالٌ حين يبدأ، وتربيعٌ حين يخطو نحو اكتماله، وبدرٌ حين يفيض بالضياء، ثم يدخل في المحاق، فيغيب عن العين، من دون أن يغيب عن السماء.
والإنسان يشبه القمر في شيءٍ خفيّ؛ لا لأن له أسماءً تتبدّل، وإنما لأن له مراحل تتعاقب عليه، ولكل مرحلة ملامحها، ودهشتها، وأحزانها الصغيرة، وأضواؤها التي لا تُرى إلا بعد أن نعبرها.
في الطفولة، يكون العالم واسعًا كسماءٍ بلا حدود. تكفي نافذة صغيرة لنسافر منها إلى أماكن لا نعرف أسماءها، وتتحول قطعة حلوى إلى عيد، وحكاية الجدة إلى كتابٍ لا تنتهي صفحاته. نمشي يومها بخفة، لأن القلب لم يتعلم بعد كيف يحمل أثقال الأيام.
ثم يأتي الشباب، فنظن أن الطريق كُتب لنا مستقيمًا، وأن الأبواب ستفتح كلما طرقناها. نركض خلف الأحلام كما يركض الضوء فوق صفحة الماء؛ نخطئ، ونعود، ونبدأ من جديد، ولا نعرف أن بعض الطرق لا تقودنا إلى ما أردناه، لكنها تقودنا إلى أنفسنا.
ثم تأتي مرحلة النضج، فتتغير طريقة النظر إلى الأشياء. لا تعود الحياة أبيض وأسود كما كانت في بداياتها، بل تتسع ألوانها بينهما. نتعلم أن الصمت قد يكون أبلغ من الكلام، وأن بعض الرحيل نجاة، وأن بعض الخسارات تترك في الروح مساحةً لشيء لم نكن نراه.
وفي منتصف الطريق، قد يقف الإنسان أمام مرآته طويلًا، لا ليبحث عن ملامحه، بل ليبحث عن الشخص الذي كانه يومًا. يكتشف أن السنوات لم تسرق منه كل شيء كما كان يظن؛ لقد أخذت بعض الأشياء، نعم، لكنها منحت في المقابل بصيرةً لا تُشترى، وهدوءًا لا يأتي إلا بعد عواصف كثيرة.
وحين يثقل العمر قليلًا، وتتأنى الخطوات، قد يظن البعض أن الضوء بدأ يخفت. لكن القمر لا يفقد قيمته حين يصبح هلالًا، ولا حين يغيب في المحاق؛ فكل مرحلة من مراحله جزء من حكايته.
وكذلك الإنسان.
ليس أجمل ما فيه أن يبقى شابًا إلى الأبد، ولا أن يظل في ذروة قوته، وإنما أن يعرف كيف يمنح كل مرحلة حقها من الحياة.
فالطفولة لها براءتها، والشباب له اندفاعه، والنضج له حكمته، وما بعده له ذلك الضوء الهادئ الذي لا يحتاج إلى ضجيج كي يُرى.
نحن لا نكبر دفعةً واحدة؛ إنما نتبدل قليلًا قليلًا، كما يتبدل وجه القمر في السماء. نترك وراءنا نسخًا قديمة من أنفسنا، لا ينبغي أن نخجل منها؛ فقد كانت تلك النسخ تعرف ما تعرفه في وقتها، وتحلم بما استطاعت أن تحلم به، وتقاوم بما امتلكت من قوة.
وربما لهذا السبب لا ينبغي أن نحزن كثيرًا على ما مضى.
فالهلال لم يكن بدرًا ناقصًا، والبدر ليس هلالًا مكتملًا فحسب؛ لكل صورةٍ جمالها، ولكل مرحلةٍ رسالتها.
وقد يغيب القمر ليلةً كاملة، فتظن السماء أنه انتهى، بينما هو في مكانه، يؤدي دورته في صمت.
وهكذا الإنسان أحيانًا؛ ينسحب قليلًا من الضجيج، يصمت، يتأمل، يعيد ترتيب قلبه، ثم يعود إلى الحياة بوجهٍ لا يشبه وجهه القديم.
لذلك لا أخاف كثيرًا من مرور العمر.
أخاف فقط أن تمرّ السنوات دون أن نتعلم منها شيئًا.
أما السنوات التي تركت في أرواحنا أثرًا، وعلّمتنا كيف نغفر، وكيف نختار، وكيف نترك ما يؤذينا، وكيف نمد أيدينا إلى الضوء بعد عتمة طويلة؛ فهذه لم تذهب هباءً.
إنها مثل مراحل القمر؛ تتغير صورتها، لكن شيئًا من نورها يبقى فينا.
ولعل أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان في آخر كل مرحلة أن يلتفت إلى الوراء دون ندم، وإلى الأمام دون خوف، ثم يقول لنفسه:
لم أنقص لأنني كبرت…
إنما اكتملت بطريقةٍ أخرى.



#انتصار_كامل_جفلان_الخشت (هاشتاغ)       Dr._Entsar_El-khash#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قفل ومفتاح :بقلم انتصار الخشت
- ابليس في رداء الفضيلة
- نافذة على القدس بقلم/ انتصار الخشت
- مساواة المرأة… حين يستقيم ميزان الحياة بقلم -د-انتصار الخشت
- امرأةٌ من ضوء بقلم -د-انتصر الخشت
- حياة كريمة… حين يصبح الحق في الحياة قضية إنسانية
- المرأة بين العصر الحديث والعصر الجاهلي بقلم -د انتصار الخشت
- استعداد المعلمين لصناعة عام دراسي مختلف
- أولادي… نبضُ قلبي
- تأويل العجائبي ووظيفة الخلاص في رواية «ملحمة الحرافيش» لنجيب ...
- نافذتي… وحكايات شجرة الشمام
- جِنِّيّة البحر -هدير
- حقوق الإنسان: المفهوم، الأهمية، والتصنيف
- حين تتكلم الأشياء التي لا صوت لها
- التنمر: آفة سلوكية وسبل المواجهة _بقلم /انتصار الخشت
- شاي بالنعناع _بقلم /انتصار الخشت
- لغز الصيف _بقلم /انتصار الخشت
- حلوى المولد ..أمي
- المرأة… قوةٌ لا تحتاج إلى ضجيج _بقلم| انتصار الخشت
- التربية التي تصنع الإنسان: من تلقين المعرفة إلى بناء الوعي - ...


المزيد.....




- أقدم مسجد في فرنسا.. حفريات جزيرة -مايوت- تعيد كتابة تاريخ د ...
- -نازا- في سان سيباستيان.. مهرجان السينما يجدد موقفه من حرب غ ...
- فيلم -نازا- الوثائقي في قلب عاصفة سياسية في إسرائيل
- تراث متجذر في حياة السودانيين.. زراعة الحناء تصارع الجفاف وت ...
- وفاة صاحب أغنية -Barely Breathing- الشهيرة عن عمر ناهز 56 عا ...
- جدران مدن الأردن.. من كتل صامتة إلى صفحات مفتوحة للذاكرة
- رغم الغضب الإسرائيلي.. فيلم -نازا- يصل إلى دور العرض الأمريك ...
- مصر ترشح -القصص- لخوض سباق الأوسكار 2027
- -لكل كتاب حكايتان.. حكاية النص وحكاية المنع-.. مصائر كتب أُر ...
- بعد دخوله العناية المركزة.. سامح حسين يوجه رسالة لجمهوره ويط ...


المزيد.....

- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - انتصار كامل جفلان الخشت - اسماء القمر