أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - انتصار كامل جفلان الخشت - تأويل العجائبي ووظيفة الخلاص في رواية «ملحمة الحرافيش» لنجيب محفوظ بقلم: إنتصار الخشت














المزيد.....

تأويل العجائبي ووظيفة الخلاص في رواية «ملحمة الحرافيش» لنجيب محفوظ بقلم: إنتصار الخشت


انتصار كامل جفلان الخشت
مستشارة تربوية دولية، باحثة ومؤلفة مستقلة متخصصة في التربية الخاصة والتطوير .

(Dr. Entsar El-khash)


الحوار المتمدن-العدد: 8821 - 2026 / 9 / 7 - 02:55
المحور: الادب والفن
    


تُمثّل التقاليد السردية العربية العريقة، وفي مقدمتها «ألف ليلة وليلة»، مصدراً إلهامياً أثيلاً استقى منه الروائي نجيب محفوظ العديد من تقنياته البنائية ومضامينه الفلسفية. ولا يتوقف هذا الاستلهام عند حدود إعادة إنتاج الحكاية الشعبية أو التناص الظاهري معها، بل يتجاوزه إلى توظيف «العجائبي» و«الفانتازي» كأداة نقدية وتفكيكية للواقع والتاريخ. وإذا كانت رواية «ليالي ألف ليلة» قد اتخذت من الفانتازيا مدخلاً لمكاشفة السلطة ومساءلة المطلق، فإن رواية «ملحمة الحرافيش» (1) تأتي لتمثل الأفق الأكثر عمقاً ونضجاً في تحويل السرد العجائبي من مجرد عنصر للتسلية أو الإدهاش إلى استراتيجية رمزية لبناء أسطورة الخلاص الإنساني.
إن القراءة المتأنية لـ «ملحمة الحرافيش» تكشف عن بنية سردية قائمة على جدلية الثبات والتحول؛ حيث يُعاد إنتاج السيرة الشعبية من خلال عشر حكايات لنسل "عاشور الناجي". غير أن الكاتب، ومن خلال خطة سردية محكمة، يتخلص من جبة السيرة الهلالية أو الظاهر بيبرس بصيغتها التقليدية ليصوغ رقعة روائية حديثة. يستحوذ "العجيب" في الحرافيش على مساحة جوهرية، لكنه يتجرد من الطابع الخرافي المجرد ليغدو رمزاً للوعي البشري الباحث عن العدالة والكرامة (2). فالعدوى الوبائية التي تفتك بالحارة، والرؤى المنامية المتكررة، والمظاهر الخارقة للقوة البدنية والروحية لآل الناجي، ليست إلا أدوات سردية تُسهم في تعميق الشعور بالعجز الإنساني أمام الظلم، وفي الوقت ذاته تُبشر بإمكانية البعث والتحرر.
ينشطر العجائبي في النص إلى مستويين متكاملين؛ أولهما "العجائبي الاجتماعي" المتجسد في تحولات السلطة والفتونة وسقوط القيم داخل الحارة القاهرية، وثانيهما "العجائبي الروحي" المتمثل في التكية المغلقة التي تنبعث منها أشعار الجلال والإلهام بلغة غير مفهومة للعامة لكنها تُدرك بالوجدان. إن هذا التباين هو ما يمنح الملحمة بعداً ميثولوجياً تجريدياً يجعل من كل جيل في نسل الناجي اختباراً جديداً لفكرة الإيمان بالخلاص أو الانجراف نحو الغواية والسلطة (3).
تتضح وظيفة العجائبي في الحرافيش عبر محاور أساسية:
• العجائبي بوصفه كاسراً للزمن الدائري: حيث يتحول الخارق إلى نقطة تحول تفصم بين عهد الظلم (زمن الفتوات والسيطرة) وعهد العدل المنشود الذي يؤسس له النموذج الناجي.
• البُعد الرمزي للخلاص: لا يتحقق الخلاص في النص عبر معجزة غيبية مجردة، بل يتطلب الوعي والتضحية الإنسانية، متخذاً من "التكية" وصوت أناشيدها الخالدة ملاذاً روحياً ومصدراً يستمد منه "الحرافيش" طاقات الثورة والتجدد (4).
• التأسيس للأسطورة الحديثة: ينجح محفوظ في تحويل الواقع الاجتماعي للحارة القاهرية إلى فضاء أسطوري يتسع لأسئلة الوجود الكبرى: الخير والشر، القوة والضعف، الزوال والخلود، وأبدية الصراع بين المستبدين والمقهورين.
• التحول الدلالي للقوة: تتحول القوة البدنية من وسيلة للبطش والسيطرة لدى الفتوات إلى أداة لحماية الضعفاء وإعادة توزيع الثروة كما تجسد في سيرة عاشور الأول وعاشور الأخير (5).
إن العجائبي في «ملحمة الحرافيش» ليس مجرد زخرف شكلي أو حيلة أسلوبية للإدهاش، بل هو أفق معرفي وإستيتيكي يفتح للنص مغاليق الواقع، ويمنح الحرافيش ـ الطبقة المسحوقة ـ صوتاً يستشرف العدالة عبر متخيل سردي يدمج بين الواقعية الأسطورية والتاريخ الإنساني المستمر (6).
هوامش
(1) نجيب محفوظ: ملحمة الحرافيش، مكتبة مصر، القاهرة، 1977.
(2) تزفيتان تودوروف: مدخل إلى الأدب العجائبي، ترجمة الصادق قسومة، منشورات سويل، سلسلة بوان، رقم 73، 1970، ص ص 46-55.
(3) علي شلش: نجيب محفوظ.. الطريق والصدى، دار الشروق، القاهرة، ط1، 1990، ص 112.
(4) تزفيتان تودوروف: المصدر نفسه، ص 92.
(5) إبراهيم فتحي: نجيب محفوظ بين الواقعية والرمزية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1982، ص 88.
(6) انظر: إبراهيم فتحي: المعجم النقدي في الأدب، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 1986، ص 142.



#انتصار_كامل_جفلان_الخشت (هاشتاغ)       Dr._Entsar_El-khash#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نافذتي… وحكايات شجرة الشمام
- جِنِّيّة البحر -هدير
- حقوق الإنسان: المفهوم، الأهمية، والتصنيف
- حين تتكلم الأشياء التي لا صوت لها
- التنمر: آفة سلوكية وسبل المواجهة _بقلم /انتصار الخشت
- شاي بالنعناع _بقلم /انتصار الخشت
- لغز الصيف _بقلم /انتصار الخشت
- حلوى المولد ..أمي
- المرأة… قوةٌ لا تحتاج إلى ضجيج _بقلم| انتصار الخشت
- التربية التي تصنع الإنسان: من تلقين المعرفة إلى بناء الوعي - ...
- نحو بيئة دامجة: دليل عملي للتعامل التربوي والنفسي مع مختلف أ ...
- جسور لا أسوار: قراءة في فلسفة حوار الأجيال بقلم انتصار الخشت
- حوار مع حكيم الأمل: فلسفة البهجة وصناعة السعادة من الداخل /ب ...
- هدم الإنسان والعمران: قراءة سوسيولوجية في أبعاد الحروب وأثره ...
- مساويات متناقضة
- وطن مقيم
- أرواح على ضفاف الفكر _بقلم انتصار الخشت
- سيكولوجية التحفيز وبناء الثقة لدى الفئات التعليمية الهشة
- الوعي الجمعي وحماية التماسك الأسري في مواجهة التحولات المعاص ...
- ظِلُّ القَمَرِ: قراءات فكرية وسيكولوجية في زوايا المجتمع الم ...


المزيد.....




- صديقته فقدت الاتصال به قبل يومين.. العثور على الفنان التركي ...
- سوريا.. سامر كحلاوي يهاجم روزينا لاذقاني ويشعل الجدل حول مجل ...
- التعليم العالي: الجامعات تواصل تقديم خدماتها لطلاب الشهادات ...
- أفلام الرعب حين يصبح الخوف متعة
- تردد قناة ناشيونال جيوغرافيك أبوظبي National Geographic 2026 ...
- الزراعة” تنظم برنامجاً مكثفاً بسوهاج لنشر ثقافة “الزراعة الت ...
- التعليم العالي تنشر أماكن مراكز الحاسب الآلي بالجامعات الحكو ...
- غاليريتا.. كيف تعاملت السينما الأمريكية مع أحداث 11 سبتمبر؟ ...
- إيرادات شباك التذاكر في دور العرض السينمائية المصرية.. صراع ...
- تفاصيل فعاليات الدورة الجديدة من مهرجان القاهرة السينمائي ال ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - انتصار كامل جفلان الخشت - تأويل العجائبي ووظيفة الخلاص في رواية «ملحمة الحرافيش» لنجيب محفوظ بقلم: إنتصار الخشت