أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - انتصار كامل جفلان الخشت - حين تتكلم الأشياء التي لا صوت لها














المزيد.....

حين تتكلم الأشياء التي لا صوت لها


انتصار كامل جفلان الخشت
مستشارة تربوية دولية، باحثة ومؤلفة مستقلة متخصصة في التربية الخاصة والتطوير .

(Dr. Entsar El-khash)


الحوار المتمدن-العدد: 8816 - 2026 / 9 / 2 - 01:02
المحور: الادب والفن
    


هناك أشياء لا تُقال، لكنها تصل.
تجلس في آخر القلب كضيفٍ يعرف أن الكلام قد يفسد المعنى، فيكتفي بالصمت. وأحيانًا يكون الصمت أبلغ من خطبةٍ طويلة؛ لأن بعض المشاعر إذا خرجت من أفواهنا فقدت شيئًا من هيبتها، كالماء حين يُقبض عليه باليد، لا يبقى منه إلا البلل.
نحن لا نكبر بالأعوام وحدها، بل بالأشياء التي مرّت من خلالنا وتركت في أرواحنا ندوبًا لا تراها العين.
كم مرة ابتسمنا وفي القلب جنازة؟
وكم مرة قلنا: «أنا بخير»، ونحن نجرّ خلف ظهورنا مدينةً كاملة من التعب؟
ليس كل من أطرق رأسه منكسرًا، فقد يكون في داخله كبرياءٌ يتيم يرفض أن ينحني. وليس كل من صمت عاجزًا عن الرد، فقد يكون قد بلغ من الفهم منزلةً جعلته يرى أن بعض المعارك لا تستحق أن يُرفع لها سيف.
ثمة أشخاص يدخلون حياتنا كالمطر؛ لا يستأذنون النوافذ، ولا يسألون الأرض إن كانت عطشى، ثم يمضون، فنظل بعدهم طويلًا نبحث عن رائحة حضورهم في الأشياء.
وثمة آخرون يشبهون الغبار؛ يملؤون المكان، لكنهم لا يتركون وراءهم سوى رغبةٍ عارمة في فتح النوافذ.
ولذلك، لا تقِس الناس بطول بقائهم، فبعض العابرين تركوا في الروح ما لم يستطع المقيمون أن يتركوه.
الحياة خبيرةٌ في تبديل الوجوه.
تُريك الإنسان في أول الطريق كأنه شجرةٌ وارفة، ثم تأتيك الأيام لتكشف جذعه: أهو ثابتٌ في الأرض، أم مجرد ظلٍّ جميل صنعته الشمس؟
وقد علّمتني الأيام أن الإنسان لا يُعرف حين يملك، وإنما حين يُمنح القدرة على أن يؤذي فلا يؤذي، وأن ينتصر فلا يشمت، وأن يملك سرّك فلا يجعله سكينًا على عنقك.
هناك أخلاق لا تحتاج إلى شهود؛ لأن صاحبها يحمل في داخله قاضيًا لا ينام.
وأجمل الناس ليسوا أولئك الذين يملكون الكلام الجميل، بل أولئك الذين إذا ضاقت بك الدنيا اتسعت لهم روحك.
هم الذين لا يسألونك كثيرًا: «ماذا بك؟»
يكفيهم أن يروا انطفاء عينيك، فيضعون بجوار قلبك مصباحًا صغيرًا ويرحلون.
وما أكثر الذين يعرفون شكل وجهك، وما أقل الذين يعرفون شكل حزنك.
فالحزن لا يسكن دائمًا تحت العينين؛ أحيانًا يسكن خلف ضحكةٍ عالية، أو في يدٍ ترتجف قليلًا، أو في شخصٍ صار يفضّل البقاء وحده بعدما كان يملأ المكان حديثًا.
بعض القلوب لا تنكسر مرةً واحدة.
إنها تتشقق في صمت، شقًا وراء شق، حتى يأتي يومٌ تكتشف فيه أنها لم تعد قادرةً على حمل شيء.
ومع ذلك، تستمر.
وهذه أعظم حيلةٍ اخترعتها الروح:
أن تنزف وهي تمشي.
أن تحمل جرحها كأنه سرّ، وتضع على وجهها ملامح العافية، ثم تعود في الليل لتخلع عنها النهار كله، وتجلس وحدها أمام المرآة، لا لتتأمل وجهها، بل لتسأل ذلك الغريب الذي يسكن عينيها:
«إلى متى؟»
لكن الإنسان عجيب.
يمرّ عليه ما كان يظنه نهاية العالم، ثم يستيقظ ذات صباح، يفتح النافذة، فيجد أن الشمس لم تتوقف عن الشروق.
عندها يفهم أن بعض النهايات ليست أبوابًا مغلقة، بل أبوابًا أخرى لم نجرؤ على فتحها بعد.
وأن الله حين يأخذ من يدك شيئًا، قد يكون يفرغها لتستقبل شيئًا آخر.
لذلك لا تُكثر من البكاء على ما أفلت.
فما أفلت من يدك ربما لم يكن لك، وما بقي في يدك ربما كان يستحق أن تحميه أكثر.
دع بعض الأشياء ترحل.
لا تطارد طائرًا اختار سماءً أخرى.
ولا تقف طويلًا أمام بابٍ أغلقه صاحبه من الداخل.
فالكرامة ليست جدارًا نبنيه بيننا وبين الناس، وإنما نافذة نعرف متى نغلقها حين يصبح الهواء مؤذيًا.
ومن أجمل ما يتعلمه المرء مع العمر أن ليس كل اعتذارٍ يستحق القبول، وليس كل غيابٍ يستحق العتاب، وليس كل عودةٍ تستحق أن نفتح لها الباب.
بعض العائدين لا يعودون لأنهم أدركوا قيمتك، وإنما لأن الطريق الآخر لم يمنحهم المكان الذي كانوا يريدونه.
والقلب الذي تعلّم أخيرًا أن يقدّر نفسه، لا يفتح أبوابه لكل طارق.
لقد صرت أؤمن أن الهدوء ليس فراغًا.
إنه امتلاء.
أن تجلس وحدك ولا تشعر بالوحدة، أن تمرّ بك الذكريات فلا تنهار، أن ترى من أساء إليك ولا تشتهي الانتقام، أن تعرف أنك كنت تستطيع أن تقول الكثير، ثم تختار أن تقول: «لا بأس».
ذلك ليس ضعفًا.
ذلك قلبٌ عبر النار وخرج منها وهو يعرف أن الرماد ليس نهايته.
وفي آخر الطريق، لن نتذكر كم مرة انتصرنا في الجدال، ولا كم شخصًا أُعجب بكلامنا، ولا كم يدًا صفقّت لنا.
سنتذكر وجهًا جعلنا نشعر أننا لسنا وحدنا.
ويدًا امتدت إلينا حين كانت أيدينا فارغة.
وكلمةً جاءت في موعدها، فأنقذت في داخلنا شيئًا كاد يموت.
سنتذكر الذين كانوا لنا وطنًا حين ضاقت بنا الجغرافيا، والذين فهموا صمتنا حين عجز الكلام عن حملنا.
أما الذين مرّوا بنا وأطفأوا مصابيحنا، فسنتذكرهم أيضًا…
لكن لا لنحزن.
بل لنعرف كم كان الضوء الذي فينا عظيمًا، حتى استطاع أن يعيش بعد كل تلك العتمة.
وفي النهاية، ربما لا نحتاج إلى حياةٍ بلا وجع.
نحتاج فقط إلى قلبٍ يعرف كيف يحمل وجعه دون أن يتحول إلى حجر.
نحتاج إلى روحٍ كلما صفعتها الريح، مالت قليلًا… ثم عادت.
كشجرةٍ تعرف أن العاصفة ليست عدوًا دائمًا؛ فقد تكسر غصنًا، لكنها تعلّم الجذور كيف تتشبث بالأرض.
وهكذا نحن…
نميل، نتعب، نبكي، نفقد، ونمضي.
نُخفي تحت أثوابنا حكاياتٍ لا يعرفها أحد، ونبتسم للعالم كأن شيئًا لم يكن.
ثم يأتي صباحٌ ما، فنكتشف أننا لم ننجُ من الحياة لأننا كنا أقوياء طوال الوقت…
بل لأن في أعماقنا شيئًا صغيرًا ظلّ يقول:
«انهض… فما زال في العمر نافذةٌ لم تُفتح.



#انتصار_كامل_جفلان_الخشت (هاشتاغ)       Dr._Entsar_El-khash#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التنمر: آفة سلوكية وسبل المواجهة _بقلم /انتصار الخشت
- شاي بالنعناع _بقلم /انتصار الخشت
- لغز الصيف _بقلم /انتصار الخشت
- حلوى المولد ..أمي
- المرأة… قوةٌ لا تحتاج إلى ضجيج _بقلم| انتصار الخشت
- التربية التي تصنع الإنسان: من تلقين المعرفة إلى بناء الوعي - ...
- نحو بيئة دامجة: دليل عملي للتعامل التربوي والنفسي مع مختلف أ ...
- جسور لا أسوار: قراءة في فلسفة حوار الأجيال بقلم انتصار الخشت
- حوار مع حكيم الأمل: فلسفة البهجة وصناعة السعادة من الداخل /ب ...
- هدم الإنسان والعمران: قراءة سوسيولوجية في أبعاد الحروب وأثره ...
- مساويات متناقضة
- وطن مقيم
- أرواح على ضفاف الفكر _بقلم انتصار الخشت
- سيكولوجية التحفيز وبناء الثقة لدى الفئات التعليمية الهشة
- الوعي الجمعي وحماية التماسك الأسري في مواجهة التحولات المعاص ...
- ظِلُّ القَمَرِ: قراءات فكرية وسيكولوجية في زوايا المجتمع الم ...
- سيكولوجية التكيف العصبي والاتصال غير اللفظي: قراءة نقدية في ...
- صباح الحرية: زهور الصبح وصوت الحرف بلا قيود
- ممالك الضباب واستعادة المرايا: قراءة رمزية في فلسفة العبور ا ...
- سحر التفاصيل.. حين يكون الاهتمام حقاً إنسانيا بِقلم: إنتصار ...


المزيد.....




- من غزة إلى الأوسكار.. -المواطن أسامة- يمثل فلسطين في فئة أفض ...
- زنازين صيدنايا تُبكي الممثلة السورية روزينا لاذقاني في معرض ...
- طغاة في منتجع العزلة.. هشاشة الديكتاتور في رواية -خيط البارو ...
- أم كلثوم في دمشق.. حفل نادر، وذكريات لا تُنسى.. حفل نادر تكش ...
- الرواية الأمريكية تحت المجهر.. كواليس الضربة الأولى لصاروخ - ...
- -حكم العدالة- يعود إلى الواجهة من بوابة معرض دمشق الدولي
- وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يترأس اجتماع ا ...
- -أرض اللبان- في مهرجان قازان.. رحلة سينمائية تكشف أسرار الشج ...
- إدانة زعيم عصابة سابق بقضية مقتل مغني الراب توباك شاكور عام ...
- جيجي لامارا يظهر في فيديو كليب أغنية نانسي عجرم الجديدة -اشه ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - انتصار كامل جفلان الخشت - حين تتكلم الأشياء التي لا صوت لها