أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - انتصار كامل جفلان الخشت - لغز الصيف _بقلم /انتصار الخشت















المزيد.....

لغز الصيف _بقلم /انتصار الخشت


انتصار كامل جفلان الخشت
مستشارة تربوية دولية، باحثة ومؤلفة مستقلة متخصصة في التربية الخاصة والتطوير .

(Dr. Entsar El-khash)


الحوار المتمدن-العدد: 8811 - 2026 / 8 / 28 - 22:21
المحور: الادب والفن
    


من العشاء للسحر

يرحل الصيف كل عام، لكن بعض فصوله لا ترحل معه.
تبقى في القلب، تسكن أعمق أماكن الذاكرة، وتعود إلينا كلما هبَّ نسيمٌ عليل، أو سمعنا صوت ماء، أو شممنا رائحة شاي يغلي على موقد صغير.
وداعًا أيها الصيف…
وداعًا لليالي الجميلة التي عشناها مع أمي، وجدتي، وإخوتي، ولتلك السهرات التي كانت تمتد بنا حتى الفجر دون أن نشعر بالوقت.
كانت ليالينا مختلفة، بسيطة، لكنها كانت تحمل من الدفء ما لا تمنحه لنا كل رفاهية العالم.
كنا نفرش المفارش والحصير تحت شجرة التوت، أمام المنزل وعلى الترعة. كان البيت خلفنا، والماء أمامنا، والأشجار تحيط بنا، والسماء فوق رؤوسنا.
كانت السماء زرقاء صافية، تتلألأ فيها النجوم، والطيور تعود إلى أعشاشها، تحمل رزق يومها وتضم صغارها تحت أجنحتها، لتنعم معهم بليلة من الحب والأمان.
وكنا نحن أيضًا نعود إلى دفء عائلتنا.
كانت سميرة تحمل الفراش، ونحن نركض لمساعدتها، فنفرشه على الحصير تحت شجرة التوت.
إلى جوارنا كان موقد الشاي، يتصاعد منه البخار ورائحته الدافئة، وإلى جانبه الطعام والفاكهة، فنلتف جميعًا حول تلك المائدة البسيطة، وكأن الدنيا لم يكن فيها ما يستحق أن نفكر فيه سوى تلك اللحظة.
وعلى ضفة الترعة كان أخي البدر كامل يجلس قريبًا منا، ممسكًا بسنارته، شغوفًا بصيد الأسماك، يترقب حركة الخيط في الماء، بينما كنا نراقبه وننتظر معه أن يخرج لنا بصيده.
كان القارب يمر أمامنا بهدوء، يشق الماء في طريقه، فنظل نتابعه حتى يبتعد، ونتخيل إلى أين يمكن أن يأخذنا.
وكانت السماء بالنسبة لنا عالمًا آخر.
نرفع رؤوسنا، فإذا بطائرة تمر فوقنا.
نظل نتابعها حتى تختفي في البعيد، ونسأل:
إلى أين؟
أمريكا؟
أوروبا؟
إلى أي مكان بعيد؟
ونتمنى لو نذهب معها.
لم نكن نعرف تلك البلاد، لكن خيالنا كان يأخذنا إليها، وكأن السماء طريق مفتوح إلى عالم لا نعرفه.
ثم يأتي الليل بحكاية جديدة…
حكاية القمر.
في إحدى الليالي، نرفع أعيننا إلى السماء، فإذا بالقمر ينخنق ويبدأ الخسوف.
ننظر إليه بدهشة، وفجأة يركض الأولاد في المكان، يدقون الصفيح ويغنون:
«يا بنات الحور، سيبوا القمر،
دا القمر مخنوق،
ومعندناش خبر!»
كانت أصواتهم تملأ الليل، حتى يعود القمر شيئًا فشيئًا، ويستعيد نوره، ويرجع جميلًا كما كان.
ثم تهدأ الأصوات، ويأتي دور جدتي يامنة.
كانت تجلس بيننا، وتبدأ حكاياتها التي تأخذنا بعيدًا عن المكان والزمان.
تحكي لنا عن ست الحسن والجمال، وعن الفارس المغوار، وعن تلك اليتيمة التي قست عليها الأيام، وعن سندريلا التي تنتظر أن يبتسم لها القدر.
كانت كلماتها تأخذنا إلى عوالم بعيدة، وكنا نعيش كل حكاية وكأنها تحدث أمام أعيننا.
لم نكن نحتاج إلى طائرة؛ فحكايات جدتي كانت قادرة على أن تأخذنا إلى أبعد البلاد.
وكانت أمي بيننا بحنانها، ترعانا وتطمئن علينا، وتعرف متى بدأ النعاس يتسلل إلى أعيننا.
وحين يهدأ كل شيء، كان المسجل القديم يصدح بصوت أم كلثوم:
«الهوى أنت كله والأماني
فاملأ الكأس بالغرام وهات
بعد حين يبدل الحب دارًا
والعصافير تهجر الأوكار»
فتنساب الأغنية في ليل الصيف، بينما القمر فوقنا، والماء أمامنا، والنسيم يمر بين الأشجار.
ثم يأتي النعاس.
أقترب من أمي، وأضع رأسي على رجلها، فأشعر أن الدنيا كلها أصبحت آمنة.
لم أكن أخاف من الليل، ولا من الغد، ولا من شيء.
كانت أمي هناك.
وكانت عائلتي حولي.
وكان ذلك يكفيني.
لم أكن أعرف أن الزمن يأخذ أجمل الأشياء في هدوء.
كبرنا، وتغيرت الأيام، ورحل الذين كانوا يصنعون لنا ذلك العالم الجميل.
رحلت أمي…
ورحلت جدتي يامنة…
ورحل أخي البدر كامل…
ورحلت أختي سميرة…
كلهم رحلوا، وبقيت الذكريات.
ولم يبقَ من تلك الدائرة الكبيرة إلا أنا وفريدة، أنا وأختي الصغيرة.
نحمل في قلوبنا أصواتهم ووجوههم وضحكاتهم، ونحمل صيفًا كاملًا لا يستطيع الزمن محوه.
لكن حتى البيت لم يبقَ.
البيت الذي كان يجمعنا جميعًا، والذي احتضن طفولتنا وضحكاتنا وحكاياتنا…
أخذه الغراب وطار.
لم يعد هناك البيت، ولا المكان كما كان، ولا شجرة التوت كما كانت، ولا تلك الليالي التي كنا نظن أنها ستظل إلى الأبد.
لكن حين أغمض عيني، يعود كل شيء.
أعود إلى هناك.
أرى البيت.
أرى أمي.
أرى جدتي يامنة.
أرى البدر كامل يجلس على ضفة الترعة ممسكًا بسنارته.
وأرى سميرة تحمل الفراش، ونحن نركض لمساعدتها.
أرى فريدة إلى جواري.
أرى القارب يشق الماء.
أرى الطيور وقد عادت إلى أعشاشها، تضم صغارها تحت أجنحتها.
أرى السماء الزرقاء والنجوم.
وأسمع دق الصفيح وهم يغنون للقمر:
«يا بنات الحور، سيبوا القمر،
دا القمر مخنوق،
ومعندناش خبر!»
ثم يعود القمر جميلًا.
وأسمع صوت جدتي يامنة وهي تقول:
«كان يا ما كان…»
ويأتي صوت أم كلثوم من المسجل القديم.
وأشعر بيد أمي وحنانها.
ثم يغلبني النعاس.
فأضع رأسي على رجلها…
وأنام.
أنام كما كنت أنام قديمًا، دون خوف، ودون أن أعرف أن تلك اللحظة ستصبح يومًا أغلى ما في العمر.
اليوم، وأنا أودع الصيف، لا أودع فصلًا من السنة فقط.
أنا أودع زمنًا كاملًا.
زمن أمي وابي وجدتي وإخوتي .
زمن البيت الذي لم يعد موجودًا.
زمن شجرة التوت، والترعة، والقارب، وموقد الشاي، والفراش والسنارة التي كان يمسك بها البدر كامل، وحكايات جدتي، وحنان أمي، وصوت أم كلثوم.
زمن كنا فيه جميعًا هنا.
أما الآن…
فلم يبقَ إلا أنا وفريدة.
أنا وأختي الصغيرة نحمل كل ذلك في قلوبنا.
نحمل بيتًا لم يعد موجودًا، وأناسًا لم يعودوا هنا، وصيفًا لن يعود كما كان.
لكننا نحمل شيئًا لا يستطيع الزمن أن يأخذه:
الحب.
فالأشخاص الذين أحببناهم لا يرحلون تمامًا.
يبقون في تفاصيلنا، في ذاكرتنا، وفي كل لحظة جميلة عشناها معهم.
وربما لهذا، حين يقترب الصيف من نهايته، أشعر أنني أستطيع العودة إلى هناك.
إلى تلك الليلة.
إلى شجرة التوت.
إلى الترعة.
إلى القارب.
إلى أمي وجدتي وإخوتي.
إلى السماء الزرقاء والنجوم.
إلى القمر الذي عاد جميلًا بعد خسوفه .
إلى صوت أم كلثوم.
إلى حكايات جدتي يامنة.
ثم أضع رأسي على رجل أمي…
وأغمض عيني.
وأسمع صوتًا قديمًا من أعماق القلب يقول:
كان يا ما كان…
كان هناك بيت.
وكانت هناك أم.
وكانت هناك جدة.
وكان هناك إخوة.
وكان هناك صيف.
وكان هناك عمر كامل.
ثم أخذ الغراب البيت وطار.
وبقيت أنا وفريدة…
نحرس الحكاية



#انتصار_كامل_جفلان_الخشت (هاشتاغ)       Dr._Entsar_El-khash#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حلوى المولد ..أمي
- المرأة… قوةٌ لا تحتاج إلى ضجيج _بقلم| انتصار الخشت
- التربية التي تصنع الإنسان: من تلقين المعرفة إلى بناء الوعي - ...
- نحو بيئة دامجة: دليل عملي للتعامل التربوي والنفسي مع مختلف أ ...
- جسور لا أسوار: قراءة في فلسفة حوار الأجيال بقلم انتصار الخشت
- حوار مع حكيم الأمل: فلسفة البهجة وصناعة السعادة من الداخل /ب ...
- هدم الإنسان والعمران: قراءة سوسيولوجية في أبعاد الحروب وأثره ...
- مساويات متناقضة
- وطن مقيم
- أرواح على ضفاف الفكر _بقلم انتصار الخشت
- سيكولوجية التحفيز وبناء الثقة لدى الفئات التعليمية الهشة
- الوعي الجمعي وحماية التماسك الأسري في مواجهة التحولات المعاص ...
- ظِلُّ القَمَرِ: قراءات فكرية وسيكولوجية في زوايا المجتمع الم ...
- سيكولوجية التكيف العصبي والاتصال غير اللفظي: قراءة نقدية في ...
- صباح الحرية: زهور الصبح وصوت الحرف بلا قيود
- ممالك الضباب واستعادة المرايا: قراءة رمزية في فلسفة العبور ا ...
- سحر التفاصيل.. حين يكون الاهتمام حقاً إنسانيا بِقلم: إنتصار ...
- سيكولوجية العنف البنيوي ومناهضة العقاب البدني: قراءة في بيئا ...
- جذور العنف: أطروحات في تفكيك الظاهرة وبناء ثقافة السلام المج ...
- سيكولوجية العنف البنيوي ومناهضة العقاب البدني: قراءة في بيئا ...


المزيد.....




- -عار على مصر-.. أزمة حادة وتراشق بين نقيب الموسيقيين وناقد ف ...
- سطو جريء في فيينا.. سرقة -عقد الملكة نازلي- التاريخي في وضح ...
- الممثلة التونسية سوسن معالج: -السينما والصورة والكلمة الحرة ...
- بوق الجلاد لن يمثل الضحية.. -أبو أصيل- يحاكم فناني نظام الأس ...
- الفنانة السورية فايا يونان تعلن خطوبتها: -أجمل من أي صورة رس ...
- زاخاروفا تعليقا على حفل كاني ويست: أبواب روسيا مفتوحة لجميع ...
- التربية السورية توضح آلية تدريس اللغة الكردية.. تفاعل متباين ...
- من ساحات الحرب إلى عامه الـ105.. حكاية بطل روسي شهد قرنا من ...
- -كأن شيئاً لم يكن-.. قراءة في تجربة مسرحية مصرية تمزج بين تش ...
- السعودية حاضرة بقوة.. 10 آلاف شاب من 191 دولة يشاركون في مهر ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - انتصار كامل جفلان الخشت - لغز الصيف _بقلم /انتصار الخشت