انتصار كامل جفلان الخشت
مستشارة تربوية دولية، باحثة ومؤلفة مستقلة متخصصة في التربية الخاصة والتطوير .
(Dr. Entsar El-khash)
الحوار المتمدن-العدد: 8813 - 2026 / 8 / 30 - 02:48
المحور:
الادب والفن
تفوح من أكواب الشاي بالنعناع رائحة الذكريات ودفء البيوت الطيبة، وكأن كل رشفة تعيد رسم تفاصيل طفولية عزيزة على الروح. الشاي على طريقة الأمهات ليس مجرد مشروب دافئ، بل هو طقس يومي يعبر عن عناية خالصة وحنان صامت يتدفق مع كل قطرة، ليحضن أرواح الراحلين وكأنهم يجلسون معنا الآن.
في تلك الجلسات الهادئة، حيث تتصاعد أدخنة النعناع الأخضر المقطوف من حديقة البيت أو أصيص على النافذة، يمتزج عبق النعناع العطري بمرارة الشاي الأصيل ليصنعا طعماً فريداً لا تجده في أي مكان آخر. إن إعداد أمي للشاي كان يبدأ بهدوء مقصود، تُعدّ "البراد" بعناية، وتضبط درجات الغليان وكأنها تعزف لحناً مألوفاً، ثم تلقي بأوراق النعناع الطازجة في اللحظة المناسبة تماماً لتستقر النكهة وتملأ المكان بالسكينة والذكريات الطاهرة.
هذا الكوب الذي تصنعه أيدي الأمهات يحمل سراً لا يُحاكى؛ سر الدفء الذي يزيل تعب الساعات الطويلة، والنظرة التي ترافق تقديم الصينية وكأنها تقول إن كل شيء سيصبح على ما يرام. إنه حنين متجدد يحملنا إلى تلك الأيام البسيطة، حيث كانت أبسط الأشياء قادرة على منحنا السعادة الكاملة والأمان المطلق بقرب من نحب، ومن غابوا عن العيون وما غابوا عن القلوب بل ذابوا فيها.
حين يغلي الشاي على نار هادئة، لا يذوب فقط في الماء، بل تذوب معه سنوات كاملة من العمر؛ فالبراد هناك يشبه صندوق أسرار قديم، وحبيبات الشاي تتمدد في العتمة كأنها تعيد كتابة الحنين على وجه السماء.
أما النعناع، فيُلقى ليحضن الكوب، لتستشعر روح الغائبين في قلب الحكاية، ولترتجف رغوة الكوب طرباً وتفوح من الغرفة رائحة جنة صغيرة غادرتها الأيام وبقي عطرها، وكأننا نعيد ترتيب الهدوء والسكينة في قوالب من الدفء والوفاء لمن سبقونا.
نصبّ الكوب الأول لنحتسي معاً مذاق الطمأنينة، ونترك تعب الأيام وراءنا، مستمتعين بهدأة اللحظة وجمال البساطة، مستحضرين طيفهم الجميل. بصُحبة الأوقات الطيبة، ودفء الروح، وبقائهم معنا في كل نبضة.
#انتصار_كامل_جفلان_الخشت (هاشتاغ)
Dr._Entsar_El-khash#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟