أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - انتصار كامل جفلان الخشت - ابليس في رداء الفضيلة














المزيد.....

ابليس في رداء الفضيلة


انتصار كامل جفلان الخشت
مستشارة تربوية دولية، باحثة ومؤلفة مستقلة متخصصة في التربية الخاصة والتطوير .

(Dr. Entsar El-khash)


الحوار المتمدن-العدد: 8831 - 2026 / 9 / 17 - 07:52
المحور: الادب والفن
    


كان الباطل قديمًا يعرف طريقه إلى الناس حافيًا، مكشوف الوجه، لا يحتاج إلى كثير من التعريف.
كانت ملامحه تفضحه، وخطواته تثير الريبة، وصوته يحمل شيئًا من خشخشة الشر.
أما اليوم، فقد تعلّم الباطل فنون الأناقة.
غسل وجهه، وارتدى ثوبًا ناصعًا، وعطّر كلماته، ثم جلس بين الناس في هدوء الواثقين، يتحدث عن المبادئ وكأنه آخر من بقي في المدينة يحمل مصباح الأخلاق.
وهنا تبدأ الحكاية.
ليس أخطر على الإنسان من خطأ يعرف أنه خطأ؛ فالوعي به قد يكون أول الطريق إلى النجاة.
لكن الخطر الحقيقي أن يأتي الخطأ متزيّنًا، وأن يضع على كتفيه عباءة الحكمة، وفي يده مسبحة المصلحة، وعلى شفتيه ابتسامة تقول:
«أنا لا أفعل إلا ما فيه الخير.»
يا لها من جملة واسعة!
يمكن أن تتسع لظلم كامل، ثم تظل محتفظة بملامح البراءة.
فالذي يأخذ ما ليس له قد يسميه «حقًا مؤجلًا»، والذي يقصي غيره قد يسمي فعله «تنظيمًا»، والذي يطعن في الغائب قد يسميه «نصيحة»، والذي يبيع مبدأه عند أول منعطف قد يرفع رأسه قائلًا:
«أنا فقط أعرف كيف أتعامل مع الحياة.»
وهكذا أصبحت الكلمات أحيانًا ستائر مخملية تُخفى خلفها أشياء لا تليق بالنهار.
ولأن الناس تحب الواجهات اللامعة، فقد صار من السهل أن تُلمَّع الخطيئة حتى تبدو كأنها فضيلة.
المتملق يصبح دبلوماسيًا.
والجبان يصبح حريصًا.
والمتلون يصبح مرنًا.
والأناني يصبح صاحب حدود.
والصامت عن الظلم يصبح رجلًا لا يحب المشاكل.
أما صاحب المبدأ، فيبدو أحيانًا كأنه هو المشكلة!
عجيب أمر هذا الزمن؛
قد يُلام الإنسان لأنه قال الحقيقة في الوقت الخطأ، أكثر مما يُلام غيره لأنه صنع الباطل في الوقت المناسب.
وفي إحدى زوايا المشهد، ربما يجلس إبليس مبتسمًا.
لا حاجة له اليوم إلى كثير من الوسوسة.
لقد وجد من ينجز المهمة بأناقة، ثم يضع توقيعه أسفلها:
«من أجل الخير.»
لكن الأخلاق الحقيقية لا تحتاج إلى إعلان.
لا ترتدي قناعًا، ولا تتكئ على التصفيق، ولا تبحث عن شهود يثبتون حسن سيرتها.
إنها تشبه شجرة وارفة؛
تمنح ظلها حتى لمن لا يعرف اسمها.
أما الصلاح المصطنع، فيشبه مرآة كبيرة؛ لا يرى فيها صاحبها إلا صورته.
ولهذا فإن أكثر ما يفضح الإنسان ليس كلامه، بل الأثر الذي يتركه وراءه.
قد يتحدث عن الرحمة، ثم يترك قلبًا مكسورًا.
وقد يتحدث عن العدل، ثم يترك مظلومًا عند الباب.
وقد يتحدث عن الصدق، ثم يدفن الحقيقة تحت طبقات من التبرير.
وقد يرفع راية الأخلاق عاليًا، بينما يدوس بأقدامه على أبسط معانيها.
وهنا لا تعود الكلمات مهمة.
فالورد قد يُصنع من الورق، لكنه لا يحمل عطر الحديقة.
والقنديل قد يُرسم على الجدار، لكنه لا يبدد عتمة الطريق.
وكذلك القيم؛ ليست ثوبًا نرتديه أمام الناس، بل أثرًا يظل بعد أن نغادر المكان.
لذلك، حين يأتيك الباطل في ثوب الصلاح، لا تنظر إلى الثوب طويلًا.
انظر إلى القدمين: إلى أين تمشيان؟
وانظر إلى اليدين: ماذا تفعلان؟
وانظر إلى الطريق خلف صاحبهما: هل تركتا فيه نورًا، أم تركتا أشلاء من قلوب الآخرين؟
فليس كل من حمل مصباحًا يعرف الطريق..
أحيانًا يكون أجمل ما في النبل أنه صامت.
وأخطر ما في الزيف أنه كثير الكلام.
وفي النهاية، قد ينجح الباطل في ارتداء أجمل الثياب، وقد يقف طويلًا تحت الضوء، وقد يصفق له كثيرون.
لكن الزمن لا يقرأ الملابس.
الزمن يقرأ الآثار.
وحين يسقط القناع، لا يبقى إلا وجه صاحبه.
وربما يبتسم إبليس في آخر المشهد، لا لأنه انتصر، بل لأنه اكتشف أن الإنسان يستطيع أحيانًا أن يصنع للباطل ثوبًا من النبل، ثم يقف أمام المرآة طويلًا…
مقتنعًا أنه يرتدي النور.



#انتصار_كامل_جفلان_الخشت (هاشتاغ)       Dr._Entsar_El-khash#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نافذة على القدس بقلم/ انتصار الخشت
- مساواة المرأة… حين يستقيم ميزان الحياة بقلم -د-انتصار الخشت
- امرأةٌ من ضوء بقلم -د-انتصر الخشت
- حياة كريمة… حين يصبح الحق في الحياة قضية إنسانية
- المرأة بين العصر الحديث والعصر الجاهلي بقلم -د انتصار الخشت
- استعداد المعلمين لصناعة عام دراسي مختلف
- أولادي… نبضُ قلبي
- تأويل العجائبي ووظيفة الخلاص في رواية «ملحمة الحرافيش» لنجيب ...
- نافذتي… وحكايات شجرة الشمام
- جِنِّيّة البحر -هدير
- حقوق الإنسان: المفهوم، الأهمية، والتصنيف
- حين تتكلم الأشياء التي لا صوت لها
- التنمر: آفة سلوكية وسبل المواجهة _بقلم /انتصار الخشت
- شاي بالنعناع _بقلم /انتصار الخشت
- لغز الصيف _بقلم /انتصار الخشت
- حلوى المولد ..أمي
- المرأة… قوةٌ لا تحتاج إلى ضجيج _بقلم| انتصار الخشت
- التربية التي تصنع الإنسان: من تلقين المعرفة إلى بناء الوعي - ...
- نحو بيئة دامجة: دليل عملي للتعامل التربوي والنفسي مع مختلف أ ...
- جسور لا أسوار: قراءة في فلسفة حوار الأجيال بقلم انتصار الخشت


المزيد.....




- رواية -المنصرمون- تقتنص الدورة الثانية لجائزة خالد خليفة
- منظومة عسكرية متكاملة.. كشف أثري في دلتا مصر يوثق يوميات الج ...
- من زنوبيا إلى كاترين الثانية.. كيف أصبحت بطرسبورغ -بالميرا ا ...
- -شارع البدو- في المفرق.. سوق قديم يحرس ذاكرة البادية الأردني ...
- اتفاق مغربي إسرائيلي على تبادل السفراء ورفع مستوى التمثيل ال ...
- اتفاق إسرائيلي مغربي على تبادل السفراء ورفع مستوى التمثيل ال ...
- إسرائيل تعلن اتفاقا مع المغرب لتعزيز العلاقات ورفع التمثيل إ ...
- كلاكيت: متى يصبح كلكامش بطلاً في السينما العالمية؟
- ندوة حوارية حول -ميثاق شرف النزاهة- في اتحاد الأدباء
- إسرائيل والمغرب تتفقان برعاية أمريكية على -رفع مستوى التمثيل ...


المزيد.....

- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - انتصار كامل جفلان الخشت - ابليس في رداء الفضيلة